بلاغة ‏السمو ‏الصوفي.. قراءة فى إشكالية التنافى ‏النقدى فى الخطاب الصوفى 2-2

بلاغة ‏السمو ‏الصوفي.. قراءة فى إشكالية التنافى ‏النقدى فى الخطاب الصوفى 2-2

islam wattan . نشرت في المدونة 4310 1 تعليق

ولا شك أن مدلولات خطاب الصوفي بما يتضمنه من صور بلاغية عصية على التأويل إفراطًا في رمزيتها ترفض بالضرورة الرؤية الخارجية للناقد أو المتلقي، لا سيما وأن الخطاب الصوفي تحكمه أحوال ومقامات ليست من طبائع مهارات النقد الأدبي المتداولة، كما أن الصورة البلاغية في النص الصوفي تخضع فقط لحالات الفيض الداخل للمتصوف، وبالقطع من بالغ الصعوبة لدى محترفي النقد إيجاد آلية علمية للتفريق بين الحال أو المقام أو حتى توصيفهما….

الدكتور بليغ حمدي

بلاغة ‏السمو ‏الصوفي

قراءة فى إشكالية التنافى ‏النقدى فى الخطاب الصوفى 2-2

(4)

ولا شك أن مدلولات خطاب الصوفي بما يتضمنه من صور بلاغية عصية على التأويل إفراطًا في رمزيتها ترفض بالضرورة الرؤية الخارجية للناقد أو المتلقي، لا سيما وأن الخطاب الصوفي تحكمه أحوال ومقامات ليست من طبائع مهارات النقد الأدبي المتداولة، كما أن الصورة البلاغية في النص الصوفي تخضع فقط لحالات الفيض الداخل للمتصوف، وبالقطع من بالغ الصعوبة لدى محترفي النقد إيجاد آلية علمية للتفريق بين الحال أو المقام أو حتى توصيفهما.

وهذا الملمح البلاغي الأقرب للفلسفة نجده بوضوح في النصوص الشعرية لدى المتصوفة لاسيما وهم يفرقون بين أحوال المحبة والوجد والعشق الإلهي، وجميع تلك الأحوال هي من علامات القرب التي تعني الانقطاع عن كل شيء سوى الله U، وربما قد لا يفطن البعض إلى أن بعض نظم أهل التصوف كان إجابة لأسئلة وُجهت إليهم حول هذه الأحوال، فسُئل أبو بكر الشبلي مرة: هل يقنع المحب بشيء من محبوبه دون مشاهدته، فأنشد يقول:

والله لو أنـك تـوجتـنـي

بتاج كسرى ملك المشرقـي

ولو بأموال الورى جدت لي

أموال من باد ومن قد بقـي

وقلت لي لا نلتقـي ساعـة

اخترت يا مولاي أن نلـتقي

ويمكن في هذا المقام الإشارة إلى واقعة تاريخية تتعلق بالحال والمقام، وهي حينما وجد شهاب الدين السهروردي لغطًا واسعًا بين المريدين في فهم أوجه الفرق بين الحال والمقام شرع إلى تبسيط الفروق بينهما، موضحًا اختلاف الشيوخ وأقطاب الصوفية في التلميح بهما وصعوبة التفريق بينهما لتشابهما في النفس، وكان من أوائل الذين أدركوا وجود ضوابط ومحكات حاكمة للتفرقة بين الثنائيات لاسيما التي تتعلق بالتصوف، وشدد على وجود ضابط يفرق بينهما، ويشير إلى ذلك بقوله: “فالحال سمي حالاً لتحوله، والمقام مقامًا لثبوته واستقراره، وقد يكون الشيء بعينه حالاً ثم يصير مقامًا، مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة، ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود ثم تزول، فلا يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال، ثم يحول الحال بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة من الله الكريم، ويغلب عليه حال المحاسبة، وتنقهر النفس وتنضبط وتتملكها المحاسبة، فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه”.

(5)

وتكمن بلاغة الصورة في النص الصوفي في محاولة المتصوف نفسه إثبات شخصيته التي هي بالضرورة تتماهى في أكوان غير مرئية، والتي تتعالى عن كافة الضغوط المجتمعية أو بالأحرى هي في حالة اعتزال للتنافس الاجتماعي صوب مكاسب دنيوية مادية، وهذا الإثبات عرج إليه المستشرقون الإسبان وهم يتناولون النصوص الصوفية بالدرس والتحليل وانفضوا إلى إقرار مصطلح النرجسية الشخصية أو الحضرة الشخصية، وخير مثال لهذه الصورة البلاغية الحسين بن منصور الحلاج بقوله:

لبيـك لبيـك يـا سرِّي ونجوائي

لبيـك لبيـك يـا قصدي ومعنائي

أدعوك بل أنت تـدعوني إليك فهل

نـاديت إيـاك أم ناديـت إيـائـي

يا عين عين وجودي يا مدى هممي

يا منـطـقي وعبـاراتي وإيمائي

وحينما حاول نقاد الأدب في استخراج ملامح الرؤية الشعرية لدى المتصوفة وجدوا أن يبحثوا عن براهين لفرضيات معدة مسبقًا، فوجد هؤلاء أنه من العبث التوغل في إشارات لفظية لمكونات لغوية تمثل النص الذي يظل غائبًا وبعيدًا عن التأويل المباشر، بل حاول بعض النقاد فهم النص الصوفي وتحليل بلاغة الصورة الشعرية وفق مذهب لغوي شديد المعاصرة هو ما عُرف بأيديولوجيا اللغة، وأشار كل من خضر الأغا في كتابه “ما بعد الكتابة نقد أيديولوجيا اللغة” (2008م)، وعبد القادر فيدوح في دراسته الموسومة بـ “سمت النص الصوفي” (2018م) إلى أن المقصود بأيديولوجية اللغة هو مذهب اللغة لا اللغة نفسها استطاع عبر صياغته المتماسكة أن يجعل العالم قاطرة تجرها أحصنة اللغة، فتحول النص، وتاليًا العالم.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.