الإِمَامُ الحُسَيْنُ: عَابِدٌ فِى مِحْرَابِ السِّيُوفِ!!

الإِمَامُ الحُسَيْنُ: عَابِدٌ فِى مِحْرَابِ السِّيُوفِ!!

islam wattan . نشرت في المدونة 11562 1 تعليق

العبادة عمل جليل جدًّا تبتهج به النفوس الفاضلة، ونسبة شريفة تفتخر بها الأرواح الطاهرة، ومشهد لا يوصف جماله ولا كماله تسارع إليه الأرواح الملكية، ومواجهة لملك عظيم كبير متعال، وتمثل بين يدى واحد أحد، فرد صمد، منعم متفضل، رزاق كريم…

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

الإِمَامُ الحُسَيْنُ: عَابِدٌ فِى مِحْرَابِ السِّيُوفِ!!

يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم 0:

(لم يكلف الله الناس عبادته لينتفع هو تعالى بها انتفاع المولى باستعباد عبيده واستخدام خدمه, فإن الله غنى عن العالمين , ولا ليؤدبهم فقد قال تعالى: )يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ( (البقرة: 185) بل كلفهم سبحانه ليزيل أنجاسهم وأمراضهم النفسية, لينالوا بفضله ورحمته حياة أبدية, وسلامة باقية سرمدية, فإن من ولد يكون ميتًا بالإضافة إلى أصحاب الدار الآخرة, وفاقدًا للعين التى بها يعرفهم, والسمع الذى به يسمع تحاورهم, واللسان الذى به يخاطبونه وبه يخاطبهم, والعقل الذى به يعقل عنهم.

فليس تلكم الحياة العين والسمع وما للإنسان فى الحياة الدنيا, وكيف يكون ذلك وقد نفى الله ذلك عن الكفار وجعلهم أمواتًا وصُمًّا وبُكمًا وعُميًا؟….

ومن حكم العبادات شكر المنعم سبحانه على ما أنعم, فإن النفس إذا تطهرت من  نجاساتها وزالت عنها أمراضها أُهِّلت لأن تكون مرآة مصقولة لنقش حقيقة العلم فيها, فتنكشف لها حقيقتها التى بانكشافها لها تنبلج أنوار الحق, فتعلم علمًا نسبيًّا بعض المواهب والنعم المفاضة فضلاً من الله وهى لا تحصى عدًّا, ولا تستقصى حدًّا, ثم تكاشف بما أعده الله للإنسان من النعم التى لا تتصورها الخيالات, من شهود جمال إلهى, وتنعم بنعيم أبدى, ودوام بهجة لا تزول فتكون العبادة بعد تلك التزكية شكرًا لمنعم متفضل, ومسارعة إلى نيل رضوانه الأكبر, وفضله العظيم, ونعمته الحقيقية, قال الله تعالى: )اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا( (سبأ: 13) وقال سبحانه وتعالى: )وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ( (آل عمران: 133) فتكون العبادة جامعة لمعانى الكمالات كلها, فهى تزكية للنفوس, وشكر لمنعم متفضل وهاب, ومسارعة إلى نيل الخير الحقيقى والنعيم الأبدى والرضوان الأكبر. وهناك حكمة عالية أخرى, يشهدها أهل المعرفة بالله, لا يمكن أن يصرح بها إلا بالإشارة: العبادة عمل جليل جدًّا تبتهج به النفوس الفاضلة, ونسبة شريفة تفتخر بها الأرواح الطاهرة, ومشهد لا يوصف جماله ولا كماله تسارع إليه الأرواح الملكية, ومواجهة لملك عظيم كبير متعال, وتمثل بين يدى واحد أحد، فرد صمد، منعم متفضل، رزاق كريم)(1).

وأهل البيت D هم الذين يجسدون المثل الأعلى فى الالتزام الدينى –  وخصوصًا الجانب العبادى منه – فى حركاتهم وسكناتهم، ومن هنا ندرك أنَّ نهضة الإمام الحسين u كانت تكليفًا إلهيًّا، ووظيفة شرعية، وعبادة عالية، لا تقاس بها عبادة من العبادات، وكذلك أفعال سائر الأئمة D وتروكهم، وجميع أفعالهم وحركاتهم.

ويظهر البعد العبادى جليًّا فى نهضة عاشوراء من خلال صلاة الإمام الحسين u فى كربلاء تحت أسنَّة الحراب، وإكثاره من الدعاء والاستغفار، وتمسكه بالقرآن تلاوةً وعملاً من خلال محاوراته وسلوكه، والآن ننتقل من الإجمال إلى التفصيل.

صلاة الإمام الحسين فى كربلاء[1]

يقول الأستاذ عباس الذهبى([2]): كان أهل البيت يولون الصلاة عناية فائقة، لإدراكهم الواعى والعميق لأبعادها وأسرارها وفضيلتها، وتفاعلهم معها وانفعالهم بها، تقول كتب السيرة بأن أهل البيت D عندما يدخلون الصلاة يرتعدون ارتعاد المحموم، ويرتجفون كريشة فى مهب الريح، ويقفون فى الصلاة بكل خضوع وخشوع.

وعندما ننتخب الإمام الحسين u – وهو أحد أقطاب آل البيت D – نموذجًا لمعرفة مدى صلتهم بالصلاة، حينئذ نرى عجبًا، نرى هذه الشخصية الكبيرة تنصهر تمامًا فى بوتقة الصلاة، على الرغم من المعاناة التى كان يقاسيها، والمأساة التى نسجت من حوله خيوطها السوداء فى كربلاء.

كان – مع ذلك – عندما يقف للصلاة ينسى ما حوله ومن حوله، مما دعا العرفاء الذين نظروا إلى النهضة الحسينية من زاويتها العرفانية أو ما فوق العقلية أن يطلقوا عليها تسمية مدرسة العشق.

ففى تلك الليلة العصيبة- ليلة العاشر من المحرم- اجتمعت كل الظروف والعوامل التى تبعث على اليأس والوهن والضعف، تراه يبدأ خطبته فى مثل هذه الظروف بروح مختلفة تمامًا، فجمع الإمام الحسين u أصحابه عند قرب المساء. قال سيدنا عليُّ بن الحسين زين العابدين u: (فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبى يقول لأصحابه: أثنى على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إنى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا فى الدين، وجعلت لنا أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين).

إذًا (فى ظل تلك الظروف الصعبة والعسيرة، ترى الإمام الحسين u ينطق بالرضا والتسليم للظروف والعوامل الموضوعية، لماذا؟؛ لأنه يعيش ظروفًا معنوية عالية، إنه موحِّد لله عقيديًّا وعمليًّا، وعابد وساجد لله).

هذا الثبات المنقطع النظير هو ثمرة يانعة من ثمار العبادة والصلاة اللتين جعلتا وجهه يتلألأ كالبدر كلما سقط شهيد جديد من أهل بيته أو أصحابه، حتى أن هذا الأمر قد أذهل أعداءه وكانوا يتجنبون التقرب إليه لشدة سطوع الأنوار المنبعثة من محياه وقسمات وجهه، وكان وجهه يزداد إشراقًا كلما ازدحمت الخطوب وتكاثر الأعداء المحيطون به، حتى أن أحدهم أبدى دهشته وإعجابه بقوله: (والله ما رأيت مكثورًا قط قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشًا، ولا أمضى جَنانًا منه u، إن كانت الرَّجَّالة لتشدُّ عليه فيشدُّ عليها بسيفه، فتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المِعزى إذا شدَّ فيها الذئب).

أجل كان رابط الجأش، علمًا بأنه كان يقاتل وهو فى أشد حالات العطش. ما هو السر يا ترى؟. لا يمكن تفسير ذلك وفق المقاييس المادية، وإنما يمكن إرجاعها إلى الزخم المعنوى الهائل الذى يحصل عليه الإمام الحسين u من خلال جسر العبادة التى أخذت تُغذى بمائها المعنوى عروقه اليابسة وشفاهه الذابلة، كما يُغذى ماء الحياة العود اليابس.

صلاة تحت الحِراب

يقول الرّواة: (لما حلَّ وقت الظهر يوم العاشر من المحرم، أمر الإمام الحسين u زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفى، أن يتقدما أمامه بنصف من تخلف معه، ثم صلى بهم صلاة الخوف، فوصل إلى الإمام الحسين u سهم، فتقدَّم سعيد ابن عبد الله الحنفى ووقف يقيه بنفسه… حتى سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهمَّ العنهم لعن عاد وثمود، اللهمَّ أبلغ نبيك عنِّى السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإنى أردت ثوابك فى نصر ذرية نبيك، ثم قضى نحبه رضوان الله عليه، فَوُجِدَ به ثلاثة عشر سهمًا سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح).

علمًا بأن الإمام الحسين u حاول ليلة العاشر من المحرم تأجيل القتال عندما بدأ جيش العدو يزحف باتجاه معسكره، فأرسل أخاه العباس بن عليٍّ 0، ليتفاوض مع القوم حتى يُرجئوا القتال إلى الغد، ولم يكن ذلك خوفًا من الموت أو خدعة من أجل البحث عن مخرج، بل لكى يجد متسعًا إضافيًّا من الوقت يصلِّى فيه لربه ويكثر من الدعاء والإنابة إليه، فقد قال لأخيه العباس 0: (ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى الغُدوة وتدفعهم عنَّا العشيَّة لعلنا نصلى لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلمُ أنى قد أُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه والدُّعاء والاستغفار).

لقد أظهر الإمام الحسين u بلسان الحال بأن الصلاة هى أثمن ما فى الحياة، وبأن لها نكهة خاصة فى الظروف غير الطبيعية، حيث تُزوّد الإنسان المقهور بشحنات من النور، ودفقات من الحرارة الروحية، فتشد من عزيمته وتخفف من وطأة الخطوب عنه، تأسيًا بجده المصطفى J الذى كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

والمفارقة العجيبة التى حصلت فى واقعة الطف، أن الإمام الحسين u الذى صلى الظهر – كما أسلفنا – صلاة الخوف، كان أعداؤه يخافون من صلاته؛ لأنهم وجدوا فيها سلاحًا فعًّالاً لتأجيج المشاعر وصحوة الضمائر عند مرتزقتهم، لذلك حاولوا بشتى السبل والحيل أن يمنعوه من إقامة شعائر الصلاة، لولا المعارضة التى أبداها بعض قادة وجنود الجيش الأموى، وخشيتهم من انقلاب الأوضاع لغير صالحهم.

محاولات منع المظاهر العبادية

وفى ظل هذه الأجواء، فإننا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن القيادة اليزيدية سعت إلى عرقلة ومنع تلك المظاهر العبادية بشتى الأساليب وأقسى التدابير، وعند استقرائنا لتلك الإجراءات وجدنا أن الوثائق التاريخية تؤيد وتؤكد بأن القيادة قد اتبعت أسلوبين أساسيين، هما:

الأول: أسلوب التشكيك

من خلال الإدعاء بأن صلاة الإمام الحسين u لا تقبل؛ لأنه – حسب زعمهم –  قد شقَّ عصا الطاعة، وفارق الجماعة، ورفض البيعة ليزيد بن معاوية، وقد برزت تلك المزاعم الواهية بصورة علنية عندما استأذنهم الإمام u لأداء فريضة صلاة الظهر، وطلب منهم أن يمهلوه حتى نهاية الصلاة، فقال له الحصين وهو أحد أقطاب الجيش اليزيدى: إنها لا تُقبل منك!. فردَّ عليه الصحابى الجليل حبيب بن مظاهر الأسدى وقال له: زعمت أنها لا تقبل من آل رسول الله، وتقبل منك يا حمار!([3])، فحمل الحصين عليه، فخرج إليه حبيب بن مظاهر وضرب وجه فرس الحصين بالسيف فشبَّ به الفرس، ووقع عنه، فحمل أصحابه وجعل حبيب يحمل فيهم، فودَّع حبيب الإمام الحسين u – وهو لم يكمل صلاته بعد – فقال للإمام الحسين u: يا مولاى إنى أحب أن أُتم صلاتى فى الجنة، فاستشهد 0.

ولما قتل حبيب قال الإمام الحسين u بحقه مقولة خالدة: (يرحمك الله يا حبيب، لقد كنت تختم القرآن فى ليلة واحدة وأنت فاضل)([4]).

الثانى: أسلوب التخويف

بلغ هذا الأسلوب أقسى أشكاله، عندما انهالت السهام على الإمام وصحبه وهم منهمكون فى أداء شعيرة الصلاة، علمًا بأن الإمام الحسين u ومن معه ألقوا السلاح، وأظهروا السلام واستسلموا للصلاة، واستأمنوهم لذكر الله.

يتساءل الشهرستانى فيقول: فهل ترى مظهرًا للدين والحق أصدق من هذا؟ أفلا تُحترم الصلاة وهى حرم الله؟! أو لم يسمعوا كلام الله )وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا( (النساء: 94) [نهضة الحسين: 125].

الصلاة الخاصة

لم تقتصر صلاة الإمام الحسين u على الصلاة المعروفة بزمن محدد وشرائط مقررة، والمشتملة على الركوع والسجود وما إلى ذلك، بل كانت له صلاة خاصة – إن صحَّ التعبير – تستغرق جلَّ وقته، ويسهم فيها كل كيانه، وهى مناجاته الدائمة والمستمرة لربه، التى لم تنقطع فى الرخاء والشدة يقول: (اللهم أنت ثقتى فى كل كرب، ورجائى فى كل شدة، وأنت لى فى كل أمر نزل بى ثقةٌ وعدةٌ، كم من همٍّ يضعُفُ فيه الفؤاد، وتقلُّ فيه الحيلة، ويخذُلُ فيه الصديق، ويشمت فيه العدوّ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة منى إليك عمن سواك، ففرَّجته وكشفته، وأنت ولىُّ كل نعمةٍ، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة).

العبادة الفاعلة

يمكننا تقسيم العبادة إلى نوعين: عبادة مستكنة تبعث الفرد المسلم إلى الانزواء والاستكانة، والانشغال بالنفس والابتعاد عن المحيط الاجتماعى وتبعاته.

وهناك عبادة فاعلة تبعث المسلم نحو الجهاد ومقاومة الظلم فى المجتمع، وتدفع الفرد نحو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهذا الشكل من العبادة ينطبق تمامًا على عبادة الإمام الحسين u، فليس خافيًا بأن الإمام الحسين u كان يملك القدرة على الانزواء للعبادة ومكانه من الجنة مضمون، ولكنه لم يكن من طينة أولئك الذين اختاروا العبادة طريقًا إلى الجنة بدلاً عن الجهاد والتضحيات؛ لأنه يدرك أن الطريق الأكمل إلى الله هو طريق الحق، وطريق الحق هو الجهاد والنضال والالتزام بمبادئ الثورة الإسلامية وتعاليمها، وإذا جاز على غيره من صلحاء المسلمين أن ينزوى فى المساجد للعبادة ويتخلى عن النضال والجهاد فلا يجوز ذلك على الإمام الحسين u، وارث الرسول J والإمام على u، بأن يتخلى عن وعيه النضالى ويلجأ إلى زوايا المعابد تاركًا الجاهلية الجديدة تستفحل فى بطشها بقيم الحق والعدل وكرامة الإنسان.

قرآن ناطق

كان تعلق الإمام الحسين u بالقرآن شديدًا، يتلوه فى حلِّه وترحاله، ويجادل ويحاجج به أعداءه، فمثلاً (لما وجد الإمام الحسين u مروان بن الحكم فى طريقه ذات يوم، فأراد منه مروان أن يبايع يزيد، ولما كشف له الإمام عن معايب يزيد، غضب مروان من كلام الإمام الحسين ثم قال: والله لا تفارقنى حتى تبايع ليزيد صاغرًا، فإنكم آل أبى تراب قد ملئتم شحناء، وأشربتم بغض آل بنى سفيان، وحقيق عليهم أن يبغضوكم، فقال الإمام الحسين: إليك عنى فإنك رجس، وإنى من أهل بيت الطهارة، وقد أنزل الله فينا )إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا( (الأحزاب: 33)، فنكس مروان رأسه ولم ينطق)([5]).

فلما خرج من المدينة ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستين ببنيه وإخوته وبنى أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية أخذ يتلو هذه الآية: )فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( (القصص: 21)، وتابع الإمام الحسين u حالة التمثل بسيدنا موسى u، فلما وصل إلى مكة قرأ آية: )وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ( (القصص: 22).

وكانت إجاباته انتزاعات قرآنية، فلما خرج من مكة واعترضه عمرو بن سعيد أمير الحجاز ليرده ويمنعه من المسير إلى العراق، ردَّه ردًّا قرآنيًّا حاسمًا، بقوله u: )فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ( (يونس: 41).

ولما انتهى إلى قصر مقاتل نزل ورأى فسطاطًا مضروبًا لعبيد الله بن الحر الجعفى، فدعاه إلى نصرته لكنه امتنع، عندها أعرض الإمام u عنه قائلاً: )وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا( (الكهف: 51).

وقد حذر الجيش الأموى من الخسران وسوء العاقبة، فلما طلب منه قيس بن الأشعث أن ينزل على حكم يزيد، قال له الإمام الحسين u ولمن معه: عباد الله )إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ( (غافر: 27).

ومع ذلك لم يستجيبوا لدعوته الحقة بعدما غشيت الأطماع أبصارهم، وغشى الجهل بصائرهم.

ولما تناهى إليه وهو فى طريقه إلى الكوفة خبر مقتل سفيره قيس بن مسهّر الصيداوى، تلا الآية الشريفة: )مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً( (الأحزاب: 23)، وأثنى على وفاته، وترحم عليه.

وردد نفس هذه الآية عندما تناهى إلى سمعه مصرع مسلم بن عوسجة، فمشى إليه ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الإمام u: (رحمك الله يا مسلم)، ثم قرأ: )فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً( (الأحزاب: 23).

وعن الضحاك بن عبد الله المشرقى، قال: (فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون، قال: فتمر بنا خيل لهم تحرسنا، وإن حسينًا ليقرأ: )وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ( (آل عمران: 178، 179). فسمعها رجل من تلك الخيل التى كانت تحرسنا، فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون، مُيِّزْنا منكم. قال: فعرفته فقلت لبُرير بن خُضَير: تدرى من هذا؟ قال: لا، قلت: هذا أبو حرب السّبيعى عبد الله بن شهر، وكان مضحاكًا بطَّالاً… فقال له برير بن خضير: يا فاسق، أنت يجعلك الله فى الطيبين!)([6]).

يبدو أن الإمام الحسين u كان يتعمَّد رفع صوته عند قراءة القرآن بغية التأثير فى نفوس الأعداء، ولكن المطامع قد سدت منافذ السمع لديهم.

ولما لمح الإمام ابنه على الأكبر u وهو يصول ويجول فى الميدان، رفع شيبته نحو السماء قائلاً: )إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (آل عمران: 33، 34).

وعندما دنا الجيش من معسكر الإمام، دعا الإمام براحلته فركبها، ونادى بأعلى صوته: (أيها الناس اسمعوا قولى ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علىَّ وحتى أعذر إليكم، فإن أعطيتمونى النصف كنتم بذلك أسعد، وإن لم تعطونى النصف من أنفسكم )فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ( (يونس: 71)، ثم قرأ: )إِنَّ وَلِيِّـيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ( (الأعراف: 196).

وكان أصحابه كذلك يستشهدون بالقرآن، فمثلاً: (أن حنظلة بن أسعد الشبامى قام بين يدى الإمام ونادى بأعلى صوته: )يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ( (غافر: 30 – 33)، يا قوم لا تقتلوا حسينًا )فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى( (طه: 61)، فقال الإمام الحسين: يا ابن أسعد رحمك الله، إنهم قد استوجبوا العذاب حيث ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق)([7]).

كلمة أخيرة

مما تقدم انكشف لنا طبيعة عبادة الإمام الحسين u فى كربلاء القائمة أساسًا على الصلاة التى أقامها فى أُتون هذه المأساة، وقراءة القرآن الذى كان يكثر من قراءته، والاحتجاج به، وتشخيص مصاديق بشرية تنطبق عليها آياته، وما تخلل ذلك من دعاء واستغفار بقى الإمام الحسين u يلهج به حتى لفظ آخر أنفاسه الكريمة.

هذا التنوع فى العبادة يكشف سره الإمام المجدد أبو العزائم 0 فيقول:

تَنَوَّعَـتِ الْعِبَـادَةُ لِلتَّـدَانِي

لِتُشْرِقَ شَمْسُ أَسْرَارِ الْقُرَآنِ

ظُهُورُ الْمَثْنَوِيَّةِ حَالَ جَمْعِي

وَمَحْوُ الْبَيْنِ فِي فَرْقِ الْبَيَانِ

بِهَا النَّسَبُ الْقَرِيبُ مَقَامُ عَبْدٍ

يَصِحُّ لِـمَنْ تَحَصَّنَ بِالأَمَانِ

وَأَهْلُ الْقُرْبِ قَدْ فَقِهُوا فَقَامُوا

فَجَمَّلَهُمْ بِأَنْـوَارِ الْمَعَـانِي

صَلاَةٌ فِي صِيَامٍ فِـي قِيَـامٍ

جِهَادٌ لِلشُّهُودِ لَدَى الْـكِيَانِ

أَرَانِي فِي الْعِبَادَةِ عَبْدَ رَبِّي

أَرَاهُ ظَاهِرًا عَيْـنَ الْعِيَـانِ

يُوَفِّقُنِي لِمَا يُرْضِيـهِ عَنِّي

وَيُرْضِينِي بِرِضْوَانِ الْجِنَانِ

لذلك لابد أن نحيا ثورة الإمام الحسين u لأنها تتجدد على مرِّ العصور والأيام فى صورة الأفراد الورثة من أهل البيت.

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

======================

([1]) الإسلام دين الله، دار الكتاب الصوفى – القاهرة، ط3 – 1992م، ص118، 119.

([2]) أبعاد النهضة الحسينية، مركز الرسالة، ط1 – 1425ﻫ، ص 33 – 51 بتصرف.

([3]) انظر: تاريخ الطبرى 6/237، حوادث سنة إحدى وستِّين.

([4]) ينابيع المودة 2/167، الباب الحادى والستون، طبع مؤسسة الأعلمى – بيروت.

([5]) مقتل الخوارزمى 1/85 – الفصل التاسع.

([6]) تاريخ الطبرى 6/226، حوادث سنة إحدى وستين.

([7]) انظر: تاريخ الطبرى 6/240، حوادث سنة إحدى وستين.

 

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.