التكفير والتقليد (2)‏

التكفير والتقليد (2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 3887 لاتعليقات

هذه النزعة – نزعة تكفير المسلمين، والاستهانة بدمائهم – هى نزعة الخوارج الذين هم شر الطوائف، حتى ذهب كثير من العلماء (وتشهد لهم الأحاديث الصحيحة) إلى تكفيرهم، وما نرى طائفة على نقيض ما جاء به الأنبياء من الشفقة والرحمة والمحبة والوئام وعدم الانقسام مثل هذه الطائفة…

االمرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف

 الحكم على المسلمين بالكفر  شبهة جسيمة وتشبيه فاسد وحكم باطل (2/4)

هذه النزعة – نزعة تكفير المسلمين، والاستهانة بدمائهم – هى نزعة الخوارج الذين هم شر الطوائف، حتى ذهب كثير من العلماء (وتشهد لهم الأحاديث الصحيحة) إلى تكفيرهم، وما نرى طائفة على نقيض ما جاء به الأنبياء من الشفقة والرحمة والمحبة والوئام وعدم الانقسام مثل هذه الطائفة.

وبعد فالقول بوجوب الاجتهاد وتحريم التقليد على كل واحد يجافى المعقول قبل أن يخالف المنقول، فما أدرى بأى قلم يكتبون وبأى عقل يتفكرون، فإن الناس خلقوا على درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الله (وإنما العلم بالتعلم) ومبنى هذا الوجود على أن الصغير يرجع إلى الكبير، والجاهل يرجع إلى العالم، والضعيف يرجع إلى القوى.

وقد قال o: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العيى السؤال) قال ذلك فى قوم أفتوا مجروحًا أن يغتسل ويغسل جرحه ولا يتيمم فمات. رواه أبو داود وابن ماجه([i]) وقال تعالى: )وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ( (النساء: 83)، وقال: )فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (النحل: 43، الأنبياء: 7)، فعلَّة الأمر بالسؤال هو الجهل، والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها، ومعلوم أن العلماء لم يزالوا يستفتون فيفتون ويتبعهم الناس من غير إبداء المستند، ثقة بدينهم وأمانتهم، ومزيد معرفتهم، حتى شاع وملأ البقاع ولم ينكره أحد، فكان إجماعًا.

ولو أوجبنا على كل أحد أن يؤهل نفسه للأخذ من الكتاب والسنة وما يجب لذلك لأدى الأمر إلى إبطال المعايش والصنائع، ولكان تكليفًا بما لا يطاق.

ولا يمكننا أن نطيل فى النصوص الآن، ولا فيما ورد من خطر تكفير المسلم وعدم احترام دمه وماله وعرضه، ولكن نقول: إن سنة الله فى البشر أن يرجع الناس فى كل شىء إلى العارفين به المبرزين فيه، ولو لم يفعلوا ذلك لاختلت أمورهم وفسد نظامهم، ولأصبح العالم فوضى، ولكان الهلاك أسرع إليه من السلامة.

وانظر لو اجتهد كل إنسان برأيه فى الطب أو ذهب المريض إلى من لا يحسن علاجه، فماذا تكون النتيجة؟، وكيف يكون الحال إذا ألقينا بقيادة الحروب إلى الجهال الأغرار أو الجبناء الأغمار، أو خولنا كل أحد حرية الرأى ورسم الخطط فى مجالدة الأعداء والذود عن بيضة الإسلام، أفلا تكون النتيجة خراب البلاد وهلاك العباد؟!.

وقل مثل ذلك فى التجارة والزراعة وكل حرفة من الحرف وصنعة من الصنائع، وها أنت ذا ترانا إذا أردنا طبيبًا لمرض من الأمراض لم يقنعنا أن نذهب إلى طبيب عام بل إلى الطبيب المختص بذلك الفرع الذى وجه كل عنايته إليه، علمًا منا بسعة العلم وأن الأمور تشتبه، وأن الجهل غريزة فى البشر، والضعف طبيعة فى الإنسان، وشعورًا بأنه لا يكاد يخلص من سلطان الوهم وظلمات المشكلات والمتشابهات إلا من قتل العلم بحثًا، وأحاط بمناحى التفكير خبرًا، وعرف ضعف نفسه فلم يسارع إلى أول رأى فطير ولا أسبق خيال طائش.

هذا كله مركوز فى الطباع يعرفه الجاهل والعالم والصغير والكبير والرجل والمرأة. فليت شعرى هل أصبحت الشريعة أهون من ذلك كله مع ما فيها من الأسرار الدقيقة، والمشكلات الخفية، والمتعارضات القوية، والمرجحات المختلفة، والمنسوخات المتروكة، والمطلقات المقيدة، والعمومات المخصصة، والمفاهيم المعطلة، والمجملات التى قد يخفى بيانها، والظواهر التى لا يراد ظاهرها، والمجازات التى تدق قرينتها، والكنايات التى تخفى إشارتها وتبعد غايتها، ومواقع الإجماع والاختلاف، ومباحث القياس المتشعبة، ومسالك العلل الخفية، وقوادحها المترامية، إلى أقوال الصحابة المختلفة وآرائهم المتباينة، وما يحتاج إليه ذلك كله من دقة الفهم وإصابة الرأى وأهلية الحكم، وسعة الاطلاع وطول الباع، بعد معرفة اللغة العربية وفنونها، إلى آخر ما ذكره الأصوليون فى مباحثهم الطويلة العريضة، خصوصًا شروط الاجتهاد المبينة هناك، حتى قال كثير منهم: إن الاجتهاد لا يتجزأ لجواز أن يكون لبعض الأبواب علاقة بغيره، إلى آخر ما قالوا.

فلابد إذًا من الرسوخ فى جميع الأبواب والإحاطة بمظانها، وما عسى أن يكون فيها مقيد ومخصص ومعارض ومرجح، إلى غير ذلك، وهذا بحر لا ساحل له، ومهامه فيحاء يضل فيها الخريت، ولذلك كان كثير من السلف الصالح يتحرجون من الفتيا غاية التحرج (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار).

وقد عرض الخليفة المنصور العباسى وحفيده هارون الرشيد على الإمام مالك أن يحملا الناس على الموطأ فأبى، وإذا حلَّلت ذلك الإباء وبحثت عن سره وجدته الإخلاص البالغ والدين القيم، واتهام النفس وعدم تقديسها، فهو يجوِّز على نفسه أن يكون مخطئًا وأن يكون الحق مع غيره، تاليًا قوله تعالى: ) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ( (يوسف: 53) وقوله U: )وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا( (النساء: 28)، )إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً( (الأحزاب: 72).

وإن من أول شروط الاجتهاد – عندى – نور البصيرة وصفاء الذوق وقوة الإخلاص وشدة الخوف والمراقبة، واتهام النفس الباعث على شدة التحرى ومزيد الاحتياط، ولا يكفى فى ذلك سعة العلم ولا كثرة الاطلاع.

وكم قد رأينا من كبار الحفاظ من هو أكثر حديثًا من بعض المجتهدين، ولكن لم يسمح له دينه أن يدعى الاجتهاد، علمًا منه بأنه لم يخلق له ولا وجد فيه استعداده الذى يعرف به روح الشريعة فى كل شىء وذوقها فى أحكامها ومراميها، وقد قالوا: إن المحدث كالصيدلى والمجتهد كالطبيب.

([i]) وكان من حقه – على مذهب هؤلاء – ألا يرثى له، فإنه اتخذ هؤلاء المسئولين الجاهلين أربابًا من دون الله فكان حقه أن يسخط عليه وأن يحذر من مثل فعله.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.