التكفير والتقليد (3)‏

التكفير والتقليد (3)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 3960 لاتعليقات

ولا بأس أن أفكهك بشىء طريف له مغزى شريف عن بعض هؤلاء المجتهدين العصريين، ثم نردفهم برؤسائهم المتقدمين الذين كانوا من سعة العلم بالذروة العليا، ولكن ليس فيهم أناة الأئمة ولا تحريهم ولا رزانتهم ووقارهم، بل كانوا أنانيين متبجحين، وقلما يأتى المتبجح بخير أو يهدى إلى صواب وقد قال تعالى: )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدة: 24)…

االمرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف

الحكم على المسلمين بالكفر

 شبهة جسيمة وتشبيه فاسد وحكم باطل (3/4)

ولا بأس أن أفكهك بشىء طريف له مغزى شريف عن بعض هؤلاء المجتهدين العصريين، ثم نردفهم برؤسائهم المتقدمين الذين كانوا من سعة العلم بالذروة العليا، ولكن ليس فيهم أناة الأئمة ولا تحريهم ولا رزانتهم ووقارهم، بل كانوا أنانيين متبجحين، وقلما يأتى المتبجح بخير أو يهدى إلى صواب وقد قال تعالى: )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدة: 24).

أما هؤلاء الطائشون فلا يعرفون الصبر ولا الإيقان، وعلى الجملة فالأمانة تحتاج إلى استعداد خاص فى طينة النفس وتكوينها (والناس معادن كمعادن الذهب والفضة)([i]) والنحاس لا يكون ذهبًا أبدًا وإن راقتك صفرته وخفيت عنك حقيقته.

وقد شط بنا القلم، فلنعد إلى تلك الفكاهة: سئل بعض مجتهدى العصر عن قوله تعالى: ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ…. ( (المائدة: 3) هل يبقى التحريم فى لحم الخنزير إذا أوصلناه من الغليان إلى درجة تقتل كل ما فيه من الديدان التى اكتشفوها الآن؟. فأجاب مجتهدنا الظريف بأنه لا وجه للتحريم حينئذ، ويمكننا أن نستنبط ذلك من آخر الآية حيث تقول: )إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ( (المائدة: 3)، والتذكية هى التطهير، فحيث طهر لحم الخنزير مما فيه كان حلالاً داخلاًً فى هذا الاستثناء.

ولم يفرق حضرته بين التذكية بالذال وهى الذبح، وبين التزكية بالزاى وهى التطهير: )خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا( (التوبة: 103)، ولا حقق ما يرجع إليه الاستثناء فى الآية، وهذا من البدهيات التى يعرفها صغار الطلبة، فماذا تقول فى هذا الاجتهاد وذلك التجديد العصرى: أليس هذا أشبه شىء بقول من قالت: إن النساء أفضل من الرجال بنص القرآن، ثم استدلت بقوله تعالى: )أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ( (الصافات: 153) غير مفرقة بين همزة الوصل وهمزة الإنكار فظنت أنه إخبار عن فضلهن؟ فلا أكثر من هؤلاء المجتهدين ولا هؤلاء المجتهدات!.

لون آخر:

جاء فى تفسير ابن كثير هذا الحديث الذى رواه الحاكم عن عبادة بن الصامت أن النبى o قال: (أيكم يتابعنى على ثلاث؟) ثم قرأ قوله تعالى: )قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ….( (الأنعام: 151) إلى آخر الآيات الثلاث، ثم قال: (فمن وفَّى فأجره على الله.. إلخ) قال الحاكم: صحيح على شرط البخارى ومسلم، ولم يخرجاه.

فعلق عليه ذلك المجتهد بقوله: لكنه غير صحيح المعنى فإن الوصايا خمس لا ثلاث، ولم يبين حضرته فى الحديث علة تقدح فى صحته غير ما أبداه من فهمه السقيم، فإنه فهم أن الثلاث هى الوصايا مع أن النبى o يريد بها الآيات لا الوصايا، والآيات ثلاث بلا شك، وقد جاء التصريح بذلك فى رواية غير الحاكم، فقد رواه الترمذى وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبرانى وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، وفيه: (أيكم يتابعنى على الآيات؟) ثم تلا: )قُلْ تَعَالَوْاْ.. ( إلى ثلاث آيات.

فانظر إلى تسرع الشيخ واجتهاده الذى يبنيه دائمًا على شفا جرف هار، وكم لهؤلاء من أمثال هذه التعليقات الحمقاء، فرحم الله امرءًا عرف قدره فلم يتعد طوره.

ولنترك هذه الطبقة المتفيهقة المتشدقة على ما بهم من جهل وسخافة، ولنرجع إلى من قبلهم من رؤسائهم وأئمتهم لنرى إمامهم ابن تيمية الذى قدموه على جميع الأئمة، وهم فى تلك النزعات الخبيثة على الرغم من دعوى الاجتهاد، مقلدون له فانون فى تقليده، كيف منع من شد الرحال لزيارته o وجعل السفر للزيارة سفر معصية لا يصح فيه قصر الصلاة، خارقًا بذلك إجماع المسلمين، غير مستحى من سيد المرسلين!، ودليله الذى استند إليه واستنبط منه ما لم يستنبطه أحد من الأولين والآخرين هو منعه o من شد الرحال إلا لأحد المساجد الثلاثة، ففهم من ذلك النهى أن الرحال لا تشد للزيارة بناء على خيال قام برأسه أن القصر حقيقى لا إضافى، ولو كان كما فهم ذلك المجتهد الكبير لكان شد الرحال لصلة الرحم أو زيارة الإخوان أو التجارة أو غير ذلك محرمًا، فإذًا تقف مصالح العالم، وتتعطل أمور الدين والدنيا!.

ولو تبصر قليلاً لعلم ما أراد o من أن المساجد متساوية فى الفضل فكلها سواء إلا هذه المساجد الثلاثة، وذلك ظاهر لا خفاء فيه، فإن الأصل أن الشىء يستثنى من جنسه القريب، فإذا قلنا: ما مات إلا زيد، كان معناه: ما مات إنسان إلا زيد، وليس معناه: ما مات حيوان إلا زيد، ومن فهم ذلك كان من الحيوان لا من الإنسان.

على أننا لو جعلنا القصر حقيقيًّا لفسدت أمور العالم كما قلنا، والشريعة إنما جاءت بالصلاح لا بالفساد.

ويلتحق بذلك ما رأيناه فى (فتح البارى) من قول ابن تيمية المذكور: إنه لم يجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم فى رواية من الروايات التى وردت فى تعليم الصلاة عليه o حين سئل عن ذلك، مع أن الجمع بينهما وارد فى البخارى، وهو لدى الحفاظ بمنزلة الأجرومية فى النحو، إلى غير ذلك مما هو معروف عنه.

وهو من كبار – أو كبير – أولئك المجتهدين، ولو لم يكن له إلا ما هو معروف عنه وعن تلميذه ابن القيم خصوصًا فى نونيته من إثبات الجهة لله تعالى أخذًا بالمتشابهات واغترارًا بظواهر الآيات لكان كافيًا لكل منصف فى تقدير ما لهم من علم وعقل([ii]).

ثم انظر بعد ذلك كله إلى كلام الشوكانى([iii]) الذى ذكره السائل، وإلى فهمه الكاسد وقياسه الفاسد، وهو من كبار هؤلاء أيضًا.

فإن الأحبار والرهبان كانوا يحللون ويحرمون من عند أنفسهم قائلين: ما حللناه فى الأرض فهو محلول فى السماء، وما ربطناه فى الأرض فهو مربوط فى السماء، كما هو معروف عنهم ومسطر فى كتبهم المقدسة، فضلاً عن تاريخ الكنيسة أو التاريخ العام.

وأما أئمة المسلمين فلم يدعوا لأنفسهم ذلك المنصب الذى لا ينبغى أن يكون إلا لله، حاشاهم أن يقولوا ذلك أو يصدوا عن غير قول المعصوم وسنته التى هم أعرف الناس بها وأحرصهم عليها.

وقد صرحوا بذلك فقالوا: إذا خالفنا الحديث الصحيح فاضربوا بقولنا عرض الحائط.. فكيف يحل له بعد ذلك أن يقول: إنكم اتبعتم آراءهم ولم تتبعوا الكتاب والسنة، وكل إنسان يعلم أنهم لم يقولوا من عند أنفسهم، وإنما يقولون: هذا قول رسول الله وذاك فعله وتلك سنته، وهم أعرف الناس بذلك وأقدرهم على تعرف ما جاء فيه.

وقد وثق الناس بهم فلم يتهموهم فى دينهم ولا علمهم ولا أمانتهم بعد ما عرفوا أنهم يتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله o.

وحاشاهم أن يشرِّعوا من عند أنفسهم وهم خير القرون، فإن لم يجدوا شيئًا فى كتاب الله ولا سنة رسوله، اجتهدوا ما استطاعوا. وهم أعرف بروح الشريعة ومقاصدها ومناط أحكامها، ولو لم يفعلوا ما فعلوا لكانت الشريعة الآن لعبة بيد الجهال كما رأيت فيما تلوناه عليك.

([i]) رواه العسكرى مرفوعًا، وأخرجه الطيالسى وابن منيع والحارث والبيهقى فى حديث بلفظ آخر.

([ii]) ومن الاجتهاد المضحك قول بعضهم: إن الأمة إذا زنت جلدت مائة إن كانت بكرًا لدخولها فى عموم قوله تعالى: ) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ( (النور: 2) فإن تزوجت جلدت خمسين بقوله: )فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ( (النساء: 25) فالمحصنة عنده أقل من غير المحصنة، فانظر إلى هذا الاستنباط العجيب، وأعجب منه ما تقل بعضهم عن ابن حزم من أن الإنسان إذا بال فى الماء الراكد نجسه لورود النهى فى الحديث عن ذلك، فإن بال فى إناء ثم صبه فيه لم يتنجس، إلى غير ذلك من المضحكات المبكيات من أولئك المجتهدين الذين لا يأخذون إلا من الكتاب والسنة, وما أحسن قول ابن الجوزى فى حقهم:

لعمرى لقد أدركت منهم مشايخًا            وأكثر من أدركته ما له عقل

([iii]) لما تولى الشوكانى القضاء قال بعض علماء اليمن: وإنا لا ندرى أشرًّا أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا، وهناك ما هو أشد من هذا من أقوال العلماء فى حقه، ولا داعى إلى نقلها.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.