التكفير والتقليد (4)‏

التكفير والتقليد (4)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4246 لاتعليقات

وبالجملة فهؤلاء الأئمة قد نظروا فى الشريعة نظر العالم المدقق والأمين الحذر، فما وجدوه مجمعًا عليه عضُّوا عليه بالنواجذ، وما كان فيه اختلاف أَخذوا منه الأقوى والأرجح، لكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس قوى، أو تخريج صحيح من الكتاب والسنة…

االمرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف

الحكم على المسلمين بالكفر

 شبهة جسيمة وتشبيه فاسد وحكم باطل (4/4)

وبالجملة فهؤلاء الأئمة قد نظروا فى الشريعة نظر العالم المدقق والأمين الحذر، فما وجدوه مجمعًا عليه عضُّوا عليه بالنواجذ، وما كان فيه اختلاف أَخذوا منه الأقوى والأرجح، لكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس قوى، أو تخريج صحيح من الكتاب والسنة.

وقد كان هذا ميسرًا للطراز الأول من المجتهدين حين كان العهد قريبًا والعلوم غير متشعبة ومذاهب الصحابة والتابعين معروفة، على أنه لم يتيسر ذلك أيضًا إلا لنفوس قليلة، ومع ذلك فقد كانوا مقتدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفهم فى العلم صاروا مستقلين.

وكيف يقيس عاقل هؤلاء الأئمة على أولئك الرهبان الذين لم يدعوا لأنفسهم منصب النبوة فحسب، بل تخطوا ذلك إلى منصب الإلهية!، فإن النبى لا يقول من عند نفسه، )وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى( (النجم: 3، 4)، ولذلك قالت الآية: )اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ( (التوبة: 31) كما اتخذوا المسيح ابن مريم، فسوت بينهما، وقالت فى آخرها: )سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ( (يونس: 18).

فهل ترانا أشركنا الأئمة بالله تعالى، أم ذلك كلام من يرسل لقلمه العنان بما يوجب سخط الله والملائكة والناس أجمعين؟.

وقد استتبع ذلك ما لا يحصى من المفاسد التى يرتكبها هؤلاء الجهلة ويتشدق بها أغمار من ينتسبون إلى العلم من زعانف القوم وأراذلهم. وقد جر ذلك إلى استباحة الأعراض بل الأموال والدماء، فهى من السيئات الباقيات التى عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

فإن تشبثوا بالقياس والاستنباط، قلنا: ذلك لا بد منه على رغم أنوفهم بمقتضى الدلائل العقلية والنقلية، حتى قال بعضهم: إن من لا يقول بالقياس لا يعد من العلماء ولا يعتبر من أهل الإجماع.

وإجمال القول أنهم إذا قالوا إن كل إنسان يأخذ من الكتاب والسنة ولو لم يعرف الفاعل من المفعول فضلاً عن دلالة الإيماء والاقتضاء ومسالك العلة وقوادحها، ومعرفة المنطوق والمفهوم وما فيه من جدل وكبير عمل، ومعرفة ما صح وما يعمل به فى فضائل الأعمال، وما يحتج به فى الحلال والحرام، وما قيل فى المرسل والمسند، إلى غير ذلك فضلاً عما قيل فى الرجال من تعديل وتجريح، وهو بحر لا ساحل له، وما عسى أن يكون فى الحديث من علة خفية، مع معرفة تاريخ الأحاديث ليتميز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة المرجحات عند التعارض ومواقع الاختلاف والاتفاق، حتى لا يخرقوا الإجماع… إلخ.

نقول: إذا أباحوا للناس أن يأخذوا من الكتاب والسنة مع الجهل بذلك كله، فقد عرضوا الدين للضياع والشريعة للهزء والسخرية،- وكان ذلك منهم جنونًا أو فوق الجنون، وإن قالوا إنه يقلد العالم فى ذلك كله، فقد هدموا ما بنوا، وقوضوا ما شيدوا فأين يذهبون؟!!.

وهل هذا إلا رجوع للتقليد الذى منعوه وتفسير للماء بعد الجهد بالماء([i]).

وبعد فإنى أعجب كيف يكلفون أرباب الحرف والصناع وعامة السوقة المشتغلين بمعاشهم وعيالهم أن يأخذوا من الكتاب والسنة، وليس ذلك فى وسعهم ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها؟.

ولا أرانى محتاجًا بعد ذلك للإضافة فى الدلائل النقلية والكلام عليها، فإن الأمر أوضح من الشمس وأبين من الحس. ولولا ظهور تلك الطائفة التى اقتدت بأسلافها من الخوارج الذين هم أسرع إلى تكفير المسلمين واستباحة دمائهم من الفراش إلى النار، لما تحرك به قلم ولا تفكر فيه أحد.

ولنختم كلمتنا هذه بتلك الحكاية التى تخفف عنك ما لاقيت من تلك الترهات التى يخجل منها العلم ويبكى لها الدين.

قال مولانا الشيخ محمد عليش رحمه الله فى فتاويه: إن ابن حزم كان له مناظرات مع الباجى وهو من كبار علماء المالكية. فلقى أخاه إبراهيم بن خلف الباجى يومًا فقال له: ما قرأت على أخيك؟، فقال: قرأت عليه كثيرًا،. فقال له: هلا اختصر لك العلم فأقرأك إياه فى سنة أو أقل؟، فقال: أويصح هذا؟، فقال: أنا أقرئك العلم فى سنة، فقال: أنا أحب ذلك. فقال له: أو فى شهر، فقال له: ذلك أشهى إلىَّ. فقال له: أو فى جمعة أو دفعة، فقال: هذا أحب إلىَّ من كل شىء. فقال له: إذا أوردت عليك مسألة فاعرضها على الكتاب، فإن وجدتها فيه وإلا فاعرضها على السنة، فإن وجدت ذلك فيها، وإلا فاعرضها على مسائل الإجماع، فإن وجدتها وإلا فالأصل الإباحة فافعلها.

فقال له إبراهيم الباجى: أرشدنى إلى ما يفتقر إلى عمر طويل وعلم جليل؛ لأنه يفتقر إلى فهم الكتاب ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومؤوله وظاهره، ومنصوصه، ومطلقه ومقيده، وعمومه وخصوصه، إلى غير ذلك من أحكامه، ويفتقر أيضًا إلى حفظ الأحاديث، ومعرفة صحيحها من سقيمها، ومسندها، ومرسلها ومعضلها، وتأويل مشتبهها، وتاريخ المتقدم والمتأخر منها، إلى غير ذلك، ويفتقر إلى معرفة مسائل الإجماع وتتبعها فى جميع أقطار الإسلام، وقلَّ من يحيط بهذا. أ.ﻫ.

وقد قال الإمام أبو بكر بن العربى فى حق هذه الطائفة فى (العواصم من القواصم): إنها أمة سخيفة تسورت مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكم على 0 يوم صفين، فقالوا: لا حكم إلا لله، وما أدرى أيهما أجهل وأخطر: أطائفة الباطنية أم طائفة الظاهرية؟.

هذا وإنى ألفت نظرك إلى ما أتى به الخوارج والروافض والمعتزلة والظاهرية والوهابية مما تقشعر منه الأبدان وتتبرأ منه الأديان بناء على اجتهادهم المبنى على الوهم دون الفهم.

ولنقهر القلم على ترك الجولان فى هذا الميدان، إشفاقًا على القارئ. وربما عدنا إليه مرة أخرى..

([i]) وليت شعرى ماذا يريدون منا؟ إيريدون أن نقلدهم فيما يقولون وهم يحرمون التقليد، أم يريدون أن ينازعونا ونحن مجتهدون كما أنهم مجتهدون؟.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.