التكفير والتقليد (5)‏

التكفير والتقليد (5)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4498 لاتعليقات

فعندنا طائفة ليس لها شغل إلا بالحط من قدر الأئمة والطعن عليهم، وذم مقلديهم بأقبح الذنب، وهم ينادون بتحريم التقليد وأنه من الكبائر. وبعضهم يجعله كفرًا مثل كفر الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ويقولون: إن الواجب على العامى أن يطلب من العالم الذى يستفتيه ذكر الدليل من الكتاب أو السنة، ويجب على العالم أن يذكر له ذلك وينهاه عن تقليده أو تقليد غيره، فإنه لا يجوز اتباع آراء الرجال، ويجب الرجوع فى كل شىء إلى الكتاب والسنة…

االمرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف

 جواز التقليد والرد على من يحرمه(1/3)

حضرة خادم السنة والإسلام، وعلامة العلماء الأعلام، صاحب الفضيلة سيدى الشيخ يوسف الدجوى. أبقاكم الله تعالى فى سعادة وأمان، راغمين أنف كل زائغ فتان.

وبعد: فعندنا طائفة ليس لها شغل إلا بالحط من قدر الأئمة والطعن عليهم، وذم مقلديهم بأقبح الذنب، وهم ينادون بتحريم التقليد وأنه من الكبائر. وبعضهم يجعله كفرًا مثل كفر الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ويقولون: إن الواجب على العامى أن يطلب من العالم الذى يستفتيه ذكر الدليل من الكتاب أو السنة، ويجب على العالم أن يذكر له ذلك وينهاه عن تقليده أو تقليد غيره، فإنه لا يجوز اتباع آراء الرجال، ويجب الرجوع فى كل شىء إلى الكتاب والسنة.

فنسألكم بالله U أن تغيثونا ببيان الحق، فإنهم شوشوا على العامة وآذوا الخاصة إيذاء بليغًا. وليس لنا إلا (الأزهر الأنور) وعلماؤه الذين يرجع إليهم فى المهمات، وتكشف بهم جميع المعضلات. أبقاكم الله حصنًا للدين وملجأ للمسلمين – آمين.

عبد الله بن رابح

الجزائر

الجواب:

الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.

هذه نزعة من شر النزعات التى ابتلى بها المسلمون من أولئك الذين يدعون الاجتهاد، ويثيرون فى الأرض الفساد، ويبذرون بذور الشقاق والانقسام، ويهونون أمر سلفنا الصالح فى نفوس العامة – شأن الخوارج الذين هم شر الطوائف – ويزجون بأولئك الجهال فيما لا يحسنونه، فيعرضونهم بذلك لكل خطر وفتنة.

وهى شنشنة نعرفها من إخوانهم عندنا بمصر )إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ( (غافر: 56). وكنا نود أن يكونوا من الذين يقولون: )رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا( (الحشر: 10)، ولكن أخبرنا رسول الله o أنه سيلعن آخر هذه الأمة أولها، وأن ذلك من علامات الساعة، وسيتخذ الناس فى آخر الزمان رؤساء جهالاً فيسألونهم فيفتون بغير علم، فيضلون ويضلون، وما كانوا رؤساء إلا لتلك الدعاوى الكاذبة.

وقد روى عن علىٍّ 0: إذا أعرض الله عن العبد أورثه الإنكار على أهل الدين. وروى عنه o: (أخوف ما أخاف على أمتى كل متفيهق عليم اللسان).

أما أئمة الإسلام المتقدمون فلا يضرهم ذلك شيئًا؛ لأن الأمة كلها على توقيرهم وإجلالهم ومعرفة فضلهم، إلا تلك الشرذمة التى لو أنفق أحدهم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه:

وسعى إلى بعيب عزة نسوة       جعل المليك خدودهن نعالها

وأما اختلاف الأئمة وما يطنطنون به حوله فهو من الرحمة الكبرى بهذه الأمة. وقد قال عمر بن عبد العزيز: ما يسرنى أن أصحاب محمد o لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رحمة. وقد قال يحيى بن سعيد وهو من كبار المحدثين من التابعين: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فلا يعيب هذا على هذا. على أن الناس لو أخذوا من القرآن والسنة كما يريد هؤلاء لما وقف بهم الاختلاف عند حد، ولأصبحت المذاهب أربعة آلاف بدلاً من أربعة، ويومئذ يكون الويل كل الويل للمسلمين. – لا أرانا الله ذلك اليوم -.

وأما دعواهم حرمة التقليد فيردها العقل والنقل – ومن العجب العجاب أنهم يحرمون التقليد ولكن يدعون الناس إلى تقليدهم! -.

ولو لم نسمع تلك الأصوات المنكرة ما صدقنا أن أحدًا فى الوجود يحرم التقليد ويوجب على الناس على اختلاف طبقاتهم وتفاوت استعدادهم أن يأخذوا من الكتاب والسنة.

وأنه ليدل على فساد ما قالوا المعقول والمنقول، فإن العامى مكلف بالأحكام قطعًا، ولا يمكنه أن يأخذ الأحكام من الكتاب والسنة قطعًا لما سنبينه.

وأما النقل: فقد كان الصحابة والتابعون يفتون السائلين بالحكم فتارة يذكرون مأخذه إذا اقتضت الحال ذلك، وتارة يقتصرون على ذكر الحكم، وذلك معلوم على القطع من حالهم، ولو كان الأمر على ما زعم هؤلاء لالتزموا ذكر الدليل لأولئك السائلين الذين كان يمكنهم أن يفهموه ولا يضلوا فيه لأنهم من أهل اللغة.

وكذلك كانت رسله o إلى البلدان، كمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى: يعلمون الناس الأحكام من غير التزام ذكر الدليل. بل قال معاذ للنبى o: أنه إذا لم يجد الحكم فى كتاب الله ولا سنة رسول الله اجتهد رأيه، وأقره o على ذلك. وخيًّر عمر شريحًا، فى أن يجتهد رأيه فيما اشتبه عليه وأن يراجعه فيه، وإن كان ذلك أحب إلى عمر.

ويقول الله تعالى: )فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (النحل: 43) أى عما اشتبه عليكم لا عن دليله، فلم يشترط القرآن غير أن يكون المسئول من أهل اذكر.

ولا شك أن الأئمة المسلمين من أهل الذكر الموثوق بأمانتهم وعدالتهم، ودينهم وعلمهم، وليس يسألهم المستفتى عن آرائهم البحتة بالضرورة، وإنما يسألهم عن حكم الله المأخوذ من كتاب الله وسنة رسول الله، ولكونهم أعلم به منه، بخلاف الأحبار والرهبان، فإنهم كانوا يحللون ويحرمون بأهوائهم.

والمدار على أن يحصل للمستفتى ظن قوى بأن هذا هو حكم الله، فإذا حصل له ذلك الظن بموجب ثقته بإمامه الذى اتبعه، وجب عليه العمل به ولا يجوز له مخالفته بوجه من الوجوه.

وما أدرى كيف يبيحون لكل إنسان أن يأخذ دليل الحكم من الكتاب والسنة.

وكيف يأخذ الحكم من الحديث مثلاً وهو لا يمكنه أن يعرف درجة الحديث ولا ماله من معارض ولا ما فيه من تخصيص عام أو تقييد مطلق أو نسخ ناسخ، ولا ما بينه وبين غيره من ترجيح إلخ إلخ..

فإذا قالوا: إنه يسأل العالم عن ذلك كله فقد هدموا ما بنوا، ورجعوا إلى التقليد الذى فروا منه، فإن العالم إنما يتكلم فى ذلك كله برأيه، فلم يخرجوا من تقليد آراء الرجال كما يقولون.

ولو كانت الشريعة جاءت بهذا الحرج لكلفت الناس شططًا، ولم تكن شريعة سمحة تسع الأمم كلها وتصلح للأزمان كلها، ولم يقل الله فى شأنها: )لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا( (البقرة: 286)، فعجبًا لأولئك الذين يعمدون لأكبر ميزة للشريعة الإسلامية فينقمونها عليها.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.