التكفير والتقليد (6)‏

التكفير والتقليد (6)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4580 لاتعليقات

وإذا تأملت بنور الله فى ذلك الموضوع بهرك ما فى تلك الشريعة من السعة والرحمة والحكمة. وقد كان o حريصًا على التخفيف على أمته غاية الحرص، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم. حتى أنه لما نزل القرآن على حرف ما زال يتشفع حتى نزل على سبعة أحرف…

االمرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف

 جواز التقليد والرد على من يحرمه(2/3)

وإذا تأملت بنور الله فى ذلك الموضوع بهرك ما فى تلك الشريعة من السعة والرحمة والحكمة. وقد كان o حريصًا على التخفيف على أمته غاية الحرص، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم. حتى أنه لما نزل القرآن على حرف ما زال يتشفع حتى نزل على سبعة أحرف.

وكان يكره المتشددين المنفرين ويغلظ القول لهم، وينكر على من يبحث عن البواطن، أو يشتد على عباد الله غلوًّا وتعمقًا وجهلاً بمقاصد الشريعة، ولذلك اشتد على أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله، مع كون أسامة 0 كان متأولاً، ولكن حكمته o أعلى وأتم، علمًا بأن ذلك أليق بضعفهم وجهلهم، وأقرب إلى إصلاحهم، فهو يتدرج بهم بحكمته الكبرى حتى يوصلهم من الكمال إلى ما قدر لهم عن طيب نفس من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

ولو أردنا أن نبين آثار رحمته ومزيد حكمته التى اقتضت بقاء شريعته واندراج الكافة فى سلك أمته لضاق المجال وطال المقال.

وإنى أعجب لهؤلاء كيف لا يجيزون للعامة أن يتدخلوا فى دقائق السياسة، ولا للجاهل بصنعة من الصنائع أن يتولاها بلا تعلم ومزاولة، ثم يجيزون بل يوجبون عليهم أن يخوضوا فى الكتاب والسنة بأفهامهم وأوهامهم التى تشبه أوهام الأطفال ولا ترتكز إلاَّ على الخيال:

ولكنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب

وليت شعرى هل لهذا الجاهل الذى أباحوا له أخذ الحكم من الكتاب والسنة أن يخالف علماء المسلمين، ويستظهر على سائر الأحكام التى ثبتت بالقياس فى عهد الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين حيث يجد لها دليلاً من الكتاب والسنة على زعمه؟!، وما أظن أحدًا من ذوى الدين والعلم يستطيع أن يقول ذلك غير تلك الفرقة المجازفة التى تخطت طورها ولم تعرف قدرها.

وهل فى الكتاب والسنة ما يدل على جميع الحوادث وأحكامها دلالة وضعية بدون حاجة إلى الاستنباط والقياس المستلزم لمعرفة العلة وشروطها ومسالكها وقوادحها وغير ذلك، أم يقولون إن العامى يمكنه أن يعرف ذلك ولا يخطئ فيه بدون علم ولا بصيرة؟!.

ولعمر الله، إنى لا أرى هذا الرأى إلا فتحًا لباب الأهواء التى تجعل الكتاب والسنة لعبة لأولئك المتهوسين الذين هم من ذوى الجهل المركب والخيالات الفاسدة.

ومما لا شك فيه أن الأهواء تختلف جد الاختلاف، وأن الجهال إنما يستمدون من العواطف والأوهام، لا من العقول والأفهام. فماذا يكون الحال إذا سلطناهم على الشريعة يفهمونها بآرائهم، ويلعبون فيها بأهوائهم؟!.

هذا ومعلوم أن المستفتى لا يسأل العالم عن رأيه ولا ما يستحسنه بمحض هواه، ولكن يسأله عن حكم الله فى المسألة، وسؤاله لأهل الذكر عن حكم الواقعة إنما هو ليجيبه المسئول بما يعلمه من الكتاب والسنة، فسؤاله عن حكم الله لا عن آراء الرجال التى لم تستند إلى كتاب أو سنة كما يتوهمون ثم يشنعون.

وكيف تجىء هذه الخيالات أو تروج تلك الترهات فيمن لا يدين إلا بقول النبى o، ولا يعتقد حلالاً إلا ما أحلَّه الله ورسوله ولا حرامًا إلا ما حرَّمه الله ورسوله؟، لكن لما لم يكن له علم بما جاء عنه o، ولا بطريق الجمع بين المختلفات من كلامه، ولا بطريق الاستنباط من دلالة الإشارة مثلاً، سأل عالمًا راشدًا، معتقدًا أنه مصيب فيما يقول: فإن خالف ما يظنه أقلع من ساعته عما أفتاه به.

فكيف ينكر هذا أحد، مع أن الاستفتاء والإفتاء لم يزالا فى المسلمين من عهد النبى o؟، ومن الذى يعتقد أن هناك فقيهًا أوحى الله إليه؟، فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك لعلمنا بأنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله، ولولا ذلك ما قلد مؤمن مجتهدًا.

وعلى كل حال فمن ذهب إلى هذه النزعة الحمقاء فقد أنكر على كل من فوق البسيطة من جميع المسلمين الذين قلدوا الأئمة وأخذوا بكتب الفروع، وما كتب الفروع إلا شرح للكتاب والسنة، فما الذى يوجب التنفير والتحذير مما مرجعه إلى الكتاب والسنة؟، وهل يمكن للعامة أن يفهموا الكتاب والسنة لولا ما كان من أئمة الهدى 7، فكيف وفيهما المجمل والمبين، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك؟.

وقد قال ابن عباس: إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضى عجائبه، ولا تبلغ غايته. وعرفنا o أن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًّا ومطلعًا، ولكن هؤلاء يريدون أن يطلعوا بغير مطلع، ويجتهدوا بغير عقل. وكم سر وحكمة نبهت عليهما الإشارة ولم تبينهما العبارة.

ولعمرى إن أكثر من يدعون العلم اليوم لا يفهمون وجه الدلالة ولا مدرك الأئمة، خصوصًا إذا كان الدليل ذا مقدمات يتوقف تقريب الاستدلال بها على أمور قلما يكون لأمثالهم إلمام بها. فما أبعد ما طوحت بهم الطوائح، وما أعجب ما بلغ بهم الإعجاب.

إن الأخذ من القرآن والسنة يحتاج إلى علم واسع ونور ساطع يفرق صاحبه به بين الحق والباطل، فضلاً عما يحتاج إليه من لغة ونحو وصرف، ومعان وبيان وأصول.. إلخ. وقد رأينا المعتزلة يقولون: إن القرآن يشهد لمذهبهم، والخوارج يدعون أن القرآن ناطق بنحلتهم، والباطنية يزعمون أن للقرآن معنى آخر غير معناه الظاهر، والبابية يعتقدون أن له معنى غير ما فهمه الجميع، إلى آخر الفرق الضالة والنحل الزائفة. فهذه الفرق كلها كانت تستمد من القرآن على زعمها، فكيف ندعه بعد ما رأينا ذلك كله لأهواء الجهلاء وآراء الأغبياء؟.

وقد كان كبار المحدثين المخلصين يقلدون الأئمة المجتهدين، علمًا منهم بأن رواية الحديث بمنزلة الصيدلى، والمجتهد بمنزلة الطبيب. ولقد رأينا من الناس من ضل بظواهر المتشابهات من القرآن والأحاديث.

الخلاصة

والخلاصة أن أقوال المجتهدين المأخوذة من الكتاب والسنة ضرب من البيان والتفسير.

وقد عرَّفوا الاجتهاد بأنه: استنفاد الجهد بالنظر فى المآخذ الشرعية لتحصيل علم أو ظن بحكم شرعى.

أما دعوى وجوب الأخذ من الكتاب والسنة لكل أحد فباطلة بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد والنظر كما قلنا، وذلك معلوم بالضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم. وأيضًا الإجماع منعقد على أن العامى مكلف بالأحكام، وتكليف طلب رتبة الاجتهاد تكليف بالمحال، فليس عليه إلا أن يعرف حكم الله بأى طريق على مقتضى ظنه. ووجوب العمل بالحكم عند الظن معلوم لا نزاع فيه.

ومن المعلوم أن تقليد الأئمة ليس تركًا للآيات والأحاديث، بل هو عين التمسك بهما، فإن الآيات والأحاديث ما وصلت إلينا إلا بواسطتهم، مع كونهم أعلم ممن بعدهم بصحيحها وحسنها وضعيفها، ومرفوعها ومرسلها، ومتواترها ومشهورها، وأحاديها وغريبها، وتأويلها، وتاريخ المتقدم والمتأخر منها، والناسخ والمنسوخ، وأسبابها ولغاتها، وسائر علومها مع تمام ضبطهم وتحريرهم لها، وكمال إدراكهم وقوة ديانتهم؛ واعتنائهم وورعهم ونور بصائرهم، فتفقهوا فى القرآن والأحاديث، واستنبطوا منها فى ذلك، واستخرجوا أسرار القرآن والأحاديث، واستنبطوا منها فوائد وأحكامًا، وبينوا للناس ما يخفى عليهم على مقتضى المعقول والمنقول، فيسروا عليهم أمر الدين، وأزالوا المشكلات باستخراج الفروع من الأصول ورد الفروع إليها، فاستقر من الدين لأمة سيدنا محمد o بسببهم الخير العميم كما قال إمام الحرمين.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.