التكفير والتقليد (7)‏

التكفير والتقليد (7)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4750 لاتعليقات

وينبغى أن يعرفوا أن كل ما هو محل للنظر وموضع للاجتهاد يجب ألا يتنازع فيه الناس، فالأمر فيه واسع، فكم اختلف الصحابة والتابعون وتابعوهم مع محبة بعضهم لبعض، حتى قاسم الإمام مالك الإمام الشافعى ماله مرارًا، وقد خالفه فى أشياء كثيرة وهو تلميذه. وقد قالوا: إن المنكر لا يجب إنكاره إلا إذا كان مجمعًا على إنكاره…

المرحوم الشيخ يوسف الدجوي العالم بالأزهر الشريف

 جواز التقليد والرد على من يحرمه(3/3)

كلمة ختامية

إن أمثال هؤلاء المتهورين لا يصح أن يكونوا من أئمة الهدى ولا علماء الدين، فإن أخص أوصاف الأئمة والعظماء، الرزانة والأناة واحترام غيرهم من العلماء والشفقة على الأمة ووراثة الرسول صاحب النظر الواسع والحكمة البالغة والسماحة المتناهية.

وينبغى أن يعرفوا أن كل ما هو محل للنظر وموضع للاجتهاد يجب ألا يتنازع فيه الناس، فالأمر فيه واسع، فكم اختلف الصحابة والتابعون وتابعوهم مع محبة بعضهم لبعض، حتى قاسم الإمام مالك الإمام الشافعى ماله مرارًا، وقد خالفه فى أشياء كثيرة وهو تلميذه. وقد قالوا: إن المنكر لا يجب إنكاره إلا إذا كان مجمعًا على إنكاره.

وإنى أكرر عجبى منهم كيف يلزمون غيرهم باتباعهم وهو ينادى بخطئهم ويقيم البرهان من الكتاب والسنة والعقل والنقل على ذلك، بل نتنزل قليلاً ونقول لهم: أفتوجبون علينا تقليدكم وأنتم تحرمون التقليد، أم ماذا؟.

هذا والله غض من شأن الأمة وعلمائها وأئمتها، وهى تلك الأمة التى أدهشت التاريخ وأنطقت أعداء الإسلام بفضل الإسلام، وقد صورتموها يا حضرات المتفيهقين بصورة الأغنام التى تتبع كل ناعق، وهى من الحكمة والفلسفة بالمحل الذى لا ينكره منصف أوربى فضلاً عن عالم إسلامى.

وأما رميكم إياهم بأنهم كانوا يتبعون أئمتهم اتباعًا لا مناقشة فيه ولا تبصر معه ولا حياة فى ذويه فهو غير صحيح، فإنهم كانوا عقلاء حكماء مخلصين على بصيرة من أمرهم فكان كلٌّ يقف عند حده ولا يتخطاه، فإذا ظهر له الحق، اتبعه لا محالة، فإن المسلمين عمومًا لا يريدون إلا اتباع الرسول لا غير، وإذا اتبعوا إمامًا فإنما يتبعونه فى أن هذا هو سنة الرسول وشريعته فيما يعتقدون، ولا يتصور غير هذا.

أما كونه مخطئًا فى الواقع أو مصيبًا فذلك شىء لم يكلفهم الله به، ولا يخلو منه مجتهد ولا مقلد، والخطأ إلى من يجتهد وليس أهلاً للاجتهاد أقرب منه إلى من يقلد المجتهد الموثوق به المشهود له بالإمامة.

وهذا تنزل اقتضاه المقام، وإلا فاجتهاد من ليس أهلاً للاجتهاد من أكبر الكبائر وأعظم الجنايات على الدين وأهله.

على أن أتباع الأئمة لم يكونوا من تقليدهم على ما يزعم هؤلاء، فإنا نرى أبا يوسف ومحمد كثيرًا ما يخالفان أبا حنيفة، بل لا نكاد نجد مسألة لا يذكر فيها ذلك الخلاف الذى يبين استقلالهم وشدة حرصهم على اتباع الحق متى ظهر دليله.

وها هو ذا الإمام الشافعى يقرر فى مذهبه الجديد أن المغرب لا يمتد وقته إلى الشفق. ولكن أصحابه عدلوا عن قوله اتباعًا للدليل. وكذلك لا يرى صوم أحد عن الميت، وخالفه أصحابه اتباعًا للدليل. وكم لابن عبد البر وأبى بكر بن العربى المالكيين من مخالفات فى مذهب مالك، وكذا غيرهما، إلى آخر ما لا يسعه هذا المقال.

ولكن كانوا يعرفون درجتهم، فما يتبين لهم دليله اتبعوه وقالوا به ولو خالف الإمام، وما لم يتبين لهم فيه شىء كانوا فيه على رأى الإمام، وعلمًا بأنه أعلم منهم بالسنة وأعرف بروح الشريعة.

وهكذا يجب أن يلتزم كل إنسان حده ولا يتعدى درجته، فكان لكبار الأئمة الاستقلال التام، ولأكابر تابعيهم الاستقلال الجزئى من التضعيف والترجيح، وللعامة الاتباع، فإنه لا يصح فيهم غير هذا، وهو عين الحكمة.

ولولا ذلك لصار الدين لعبة بيد الجهال، وهذا ما نخاف منه ونحاول القضاء عليه، وليس معنى ذلك أننا نقول بعدم جواز الاجتهاد، أو أنه أغلق بابه كما يقولون، فإن أبواب فضل الله لا تغلق، وهل هذا إلا حجر على الله U؟ ولكن هناك فرق كبير بين إمكان الشىء ووقوعه، وبين إسناده إلى أهله وإسناده إلى غير أهله.

وقد أصبحنا فى زمان ضاعت فيه الحدود، وتعدى كل إنسان طوره، ولم يعرف قدره، وهى أكبر مصائبنا وأعظم بلايانا التى نئن منها ولا نعلم منتهاها:

ليت شعرى عواقب الأمر ماذا وإلى ما بنا المآل يئول

وإنا نحكم القراء الكرام بيننا وبينهم، فنبسط وجهة نظرنا ونظرهم، وطريقتنا وطريقتهم بالاختصار، عسى أن ينقطع المراء والجدال:

نحن نرى أن الناس على درجات شتى فيما وهبهم الله من الاستعداد الفطرى، وفيما أحاط من ضروب التربية المختلفة والبيآت المتنوعة، وما قدر لهم من فنون الشواغل، وما عنوا به مما أقامهم الله فيه.

نرى أن كل طبقة لها حكم يخصها، فمن وصل إلى درجة الاجتهاد وجب عليه الاجتهاد وكان آثمًا بتركه، ومن وصل إلى درجة الترجيح وجب عليه ذلك.

ومن قعد به استعداده أو تربيته أو بيئته، أو ما أحاط به فى شواغل المعيشة أو الوظيفة، فعليه أن يقلد من يثق به ويعلم أنه غير جاهل بدين الله ولا غاش فيه ومتى انقدح فى ظنه أن هذا هو حكم الله وجب عليه اتباعه ولا يجوز له مخالفته، فهو مثل المجتهد سواء بسواء متى ظن أن هذا هو حكم الله وجب عليه اتباعه ولا يجوز أن يخالف ظنه، بل ذلك غير معقول، فإنه إذا لم يكن يعتقد أن هذا هو حكم الله فكيف يتبعه؟ وقد قال العلماء: أن ذلك علم ويقين وإن كان فى طريقه ظنون وهذا ما فى الوسع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وليس من المعقول أن يظن أن حكم الشريعة هو كذا مثلاً ثم يعدل عنه إلى غيره.

أما إخواننا [أصحاب النهضة الحديثة والطفرة غير المعقولة] فيرون وجوب الأخذ بالكتاب والسنة بلا مراعاة لشروط الاجتهاد، ولا تفرقة بين ضروب الاستعداد.

وهذا مبدأ خطر جدًّا، إذا جرينا عليه عمت الفوضى وفسد أمر الدنيا والآخرة، فمن المحتم لصلاح المجتمع وتمام النظام أن يعرف كل إنسان قدره ولا يتعدى طوره، وأن توزع الأعمال، فهذا للتجارة وهذا للزراعة، وهذا للعلم وذاك للاجتهاد، وغيره للتقليد وهلم جرَّا.

وعلى هذا بناء الوجود وصلاح العالم، والقاعدة واحدة فى أمور الدين والدنيا وقد خلق الإنسان ضعيفًا )وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا( (البقرة: 148)، )مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ( (الأحزاب: 4).

وإنى لأعجب لهؤلاء كيف يجعلون أمر الاجتهاد أقل من جميع الصنائع التى لا يجتهد صاحبها إلا إذا كان له فيها علم واسع وعمل متكرر، حتى يعرف أسرارها ودقائقها، ويصبح من ذوى التبريز فيها، وكأن مسألة الدين أصبحت من أقل المسائل لدينا وأهونها علينا.

وقد رأيت لبعضهم ردًّا يحمل سقوطه فى طياته فلم أعبأ به ولم ألتفت إليه، وما قامت قيامة هذه الطائفة إلا من قولنا لهم: إنه يجب إعطاء المراتب حقًّا.

ثم بالغنا فى التصريح ولم نستعمل السياسة ولا المواربة فقلنا لهم: إنكم لا تصلحون للاجتهاد ولا بلغتم درجته، واجتهادكم لا يأتى إلا بشر الغايات وأعظم الآفات، فاعرفوا قدر أنفسكم واتقوا الله فيها.

ثم نقول لمزيد الإيضاح بعد ذلك كله: إن من المقرر أنه لا يجوز خرق الإجماع، ومن الذى يستطيع ذلك إلا من عرف أقوال العلماء وأحاط بمواقع الخلاف والاتفاق، إلى غير ذلك من المهامة الفيحاء التى تنقطع فيها أعناق المطى ويضل فيها الخريت.

وقد ذكروا أن المرجحات التى توجب تقديم بعض الأحاديث على بعض عند التعارض تزيد على الخمسين فكيف نلزم الناس بالاجتهاد ونحرم عليهم التقليد بعد ذلك كله؟.

أسأل الله أن يرزقنا الإنصاف، ويجنبنا الاعتساف، ويجعلنا من أهل الرحمة والحكمة، بمنِّه وكرمه.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.