الجهاد (1)

الجهاد (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 9693 1 تعليق

الجهاد: هو بذل ما فى الوسع فى سبيل الله تعالى، وهو مقولة على معنيين: الأولى إعلاء كلمة الله تعالى، والثانية الرباط لحفظ أمور المسلمين ودفع العدو عند هجومه على جماعة المسلمين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*  يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (الصف: 10-12)….

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم

مقدمة([1])

الحمد لله سريع الألطاف، الذى يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. سبحانه, يغيث الضارع، ويلبى السائل، ويجعل من بعد عسر يسرًا وهو أرحم الراحمين.

والصلاة والسلام على الوسيلة العظمى والشفيع الأعظم يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وآله وورثته.

وبعد: فيقول خديم فقراء آل العزائم محمد ماضى أبو العزائم: إنى يسرنى أن أفرح بفضل الله ورحمته علىَّ وعلى جميع إخوتى المؤمنين لأنى عضو من الجسد الإسلامى.

ولمَّا تحققت بما ألمَّ بالمجتمع من الشدائد الفادحة: كالكساد فى محصولات الزراعة والتجارة، والفتن التى كقطع الليل المظلم، والخصومات التى بين الأقارب والجيران، والغفلة التى استولت على القلوب، فأنستها علام الغيوب، وأليم عقوبته سبحانه وتعالى وموقف يوم الحساب.

ورأيت النفوس – مع تلك البلايا – تجهل أسبابها حتى بلغت الغفلة مبلغًا، جعلت الناس يسارعون إلى إزالة البلايا بما يزيدها من المعاصى، فأحببت أن أوقظ قلوب إخوتى جميعًا إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ* وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (الشورى 30-31).

وإلى معنى قوله J فى الحديث القدسى: (إذَا عَصَانِى مَن عرفَنى سلَّطتُ عليه مَن لَمْ يَعْرِفْنِى) وقوله J: (مَن فُتِحَ لَهُ بابُ الدُّعاَء فُتِّحَتْ له أبْوَابُ الرَّحْمَةِ وما سُئِل الله شَيْئًا أَحَبُّ إليْهِ مَنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيةَ)([2]). وقوله J: (الدعاءُ يَنفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنزِلْ، فَعَلَيْكُم عِبَادَ الله بِالدُّعاء)([3]).

بينت ذلك ليسارع إخوتى – وفقنى الله وإياهم – إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، بالتوبة والابتهال والتضرع والدعاء، قال الله تعالى دليلاً على ذلك: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ (لقمان: 32).

ليس معنى ذلك أن العبد إذا سأل الله عند الشدائد أنجاه منها ولو كان كافرًا. وبما أن أسباب المصائب كلها هى معصية الله ومخالفة سنة رسوله, ومن المعصية اعتمادنا على القطن ومحاربة بعضنا بعضًا فى تأجير أرضه واغترار الملاك، ففسدت أخلاق الفلاحين مزاحمة لبعضهم، فأراهم الله عاقبة سوء أعمالهم.

ثم فسدت أخلاق التجار فاستحلوا الرِّبا، وحصلت المضاربة بينهم والحسد، وخالفوا ما أمر الله به من الإيثار والرحمة ومساعدة إخوتهم المسلمين، فعاقبهم الله بالسلب بعد العطاء.

اغتر الصناع فتجاهروا بالمعاصى، وأمنوا جانب الله تعالى، فأخذهم الله بكساد الأعمال وقلة المال.

جهل الناس أسباب البلايا، وهذه بيوت العاهرات وحوانيت الخمر ودور الميسر وأندية اللهو والخلاعة، تصعد منها ظلمات الكبائر فتحجب عنهم رحمة الرحمن، فأصبحت الغيبة صفة لازمة للعلماء، والكيد خلقًا من أخلاق النساء، والظلم خصوصية للحكام، والبخل للأغنياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فتنبهوا إخوتى وأقبلوا على الله قبل أن يشتد غضبه، واعتبروا بما أصاب الأمم السابقة عند التهاون بأحكام الله ونسيان أيامه والغفلة عن ذكر الله تعالى، فقد كفى ما نزل من البلايا، فشت الأمراض الفادحة، قست القلوب حتى انتزعت الرحمة من قلوب الآباء، والطاعة من قلوب الأبناء، وتبرج النساء فى الأسواق، وتفضح الرجال بقبيح الأعمال، فسلط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم, أصبح الرجل وابنه متخاصمين أمام من لا يرحمهما, والمرأة والزوج متعاديين وكأنهم صاروا كالوحوش فى الغابات فأين الرحمة الإسلامية، والعواطف الإيمانية والتعاون والتعاضد التى هى من صفات المسلمين؟ خربت المساجد فلا راكع ولا ساجد, وأقفلت أبوابها فى وجوه الفقراء، وازدحمت بيوت العاهرات حتى ضاقت بأهلها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

اعتبروا فقد ظهرت علامات انتقام الله ممن خالفه، وتلك بوادر غضب الله، فتداركوا قبل حصول الخطر الأكبر حيث لا تنفع التوبة. كثر الهرج والمرج، واحتقر الصغير الكبير، وظلم الكبير الصغير، وأصبحوا وكأن الإسلام لا يخطر ببالهم، نسيانًا لدينهم وغفلة عن ربهم، وجحدوا يوم الحساب، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه سبحانه.

الباب الأول

الجهاد وأحكامه وأساسه وأنواعه

الفصل الأول: الجهاد

تعريف الجهاد([4]):

الجهاد: هو بذل ما فى الوسع فى سبيل الله تعالى، وهو مقولة على معنيين: الأولى إعلاء كلمة الله تعالى، والثانية الرباط لحفظ أمور المسلمين ودفع العدو عند هجومه على جماعة المسلمين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*  يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (الصف: 10-12).

وبعبارة أخرى: هو استفراغ ما فى الوسع لمحو ما لا يرضاه الله ورسوله, ولا يرضاه العلماء الرَّبَّانيون الراسخون فى العلم.

من العدو الذى أحاربه؟([5]):

العدو مأخوذ من عدا, أى: تجاوز فى ظلمه الحد, وكل من ظلم غيره بسلب حقه أو أوقعه فى مضرة أو أعانه على ارتكاب ما يغضب الله تعالى أو سلط عليه قويًّا ظالمًا, أو دعاه إلى عقوق أو قطيعة أو فعل منكر فهو عدوه، ويجب أن يحاربه بقدر ما ارتكبه من المظالم. والحكماء يتحفظون من الأعداء قبل تمكنهم من قصودهم, وهذا التحفظ يكون بطول اليقظة ودوام الفكرة ورعاية العبرة, ومن أهمل حتى مكن منه عدوه أوقع نفسه تحت مخالب السبع, ومتى علم الإنسان عدوه وحبيبه احتاط من عدوه بأقوى السلاح, واحترس من حبيبه.

وأهل الحكمة يخفون عن الحبيب ما يخفون عن العدو، تحرزًا من الحبيب أن يكون وقتًا ما عدوًّا، أو أن يبيح بما علمه لغير أهله، قال رسول الله J: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَن يَكٌونَ بَغِيضَكَ يَومًا مَا، وَأبٌغِضٌ بَغِيَضَك هَوٌنًا مَا عَسَى أَن يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا)([6]).

الأعداء ثلاثة([7]):

أولاً: أعداء ملازمون:

فالعدو الملازم: هو أعدى عدوك الذى يجب أن تُعد له ما استطعت من قوة ومن رباط الخيل ترهبه به، وهو نفسك التى بين جنبيك، وجنودها: جوارحها المنفذة لأغراضها، وقائد تلك الجنود (اللسان)، وجواسيسه (العينان والأذنان)، وأنصاره المنفذون (اليدان والذَّكَرُ والرجلان)، وقوته المطالبة (البطن).

وتلك الأعداء فى الحقيقة ونفس الأمر هى التى تولد الأعداء الخارجية، ومن أهمل محاربة تلك الأعداء، عاش عدوًا لنفسه، فكيف يكون صديقًا لغيره؟! أو يكون له صديق؟! إن هذه الأعداء بعينها هى التى جعلت الإنسان يفتح على نفسه أبواب الشرور كلها؛ لأنه بإطاعة نفسه يتخذ العدو صديقًا والبغيض حميمًا ويسارع إليه ويأمنه ويستسلم له، ويعادى النصحاء والأمناء الأَوِدَّاء، حتى يمتزج بأعدائه الألداء ويتحد بهم، ويفارق أحبابه النصحاء ويعاديهم فلا يلبث إلا وقد أضاع مجده وشرفه ودينه ودنياه. ولديها ينكشف الستار عن الحقيقة فلا يجد له ملجأ يلتجئ إليه – بعد الله تعالى – إلا الاستغاثة بمن عاداهم والاتحاد بمن عصاهم من أقاربه، والالتجاء إلى من ظن بهم السوء، فيسارعون فى نصرته ويبادرون إلى دفع الظلم عنه؛ لأنهم يرون أن خيره خيرهم، وسعادته سعادتهم، كل ذلك بسبب العدو الملازم وإهمال محاربته.

وكم أذل العدو الداخل نفسًا عزيزة، وأضاع مجدًا تليدًا، وفرق مجتمعًا فاضلاً، وقطع أرحامًا موصولة. كل ذلك لأنه أطاع نفسه وهواه، وأحب الأثرة بالمال والفوز بالملاذ والشهوات، فكره من ينصحه وعادى من يشاركه, ممن له حق عليه، وصادق أعداءه. والفرد الواحد فى الحقيقة ونفس الأمر هو مملكة عظيمة, وكل مجتمع يمثل بالفرد الواحد, فإذا أطاع الفرد نفسه وهواه احتقر بعد التعظيم، وامتهن به بعد الإكرام، وأضرب لك مثلاً: لو أن رجلاً عظيمًا فى قومه، مهابًا فى عشيرته، موثوقًا به فى قرابته، أطاع حظَّه فارتكب نقيصة من لذة فانية، أو شهوة دنيئة، لم تبح له شرعًا ولا عقلاً، يكون كسراج منير هبَّ عليه عاصف فأطفأه، فبكم أضاع هذا المجد؟.

الجواب: بدنيئة يستنكف أدنى الناس أن يرتكبها بمال قليل. ولو تبصر المسكين لسارع إلى قطع العضو الذى أضاع منه هذا المجد، فإن الإِنسان إذا أضاع مجده كان فقد الحياة أجدر به. ظهر لك أن الأعداء الخارجين لم يتمكنوا من الإِنسان إلا إذا أطاع نفسه وهواه، وخالف مولاه Y.

ثانيًا: أعداء مفارقون:

وهم أعداء تخفى عداوتهم ويكونون من الزوجة والأولاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: 14)، فإن الزوجة قد يطيعها الإنسان، فيعق والديه، ويترك أرحامه، ويترك الفضائل – اشتغالاً بها – ويرتكب الدنايا لجلب ما يرضيها، ما لم يقف عند الحد الوسط. وكذلك الأولاد فإنهم سبب فى البخل والجبن والفساد, وقد يهمل تربيتهم الشرعية حُبًّا فيهم, فيكونون شروره فى الدنيا وعذابه فى الآخرة.

وعداوة هؤلاء تكون بالفتنة، ومنها حب الرجل زوجته وأولاده حُبًّا يشغله عن شكر والديه المفروض عليه كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14). أو يحبهم حُبًّا يجعله يحرص على الدنيا فيطلبها من وجوهها وغير وجوهها, ويبخل بالمال فيجعله يجبن عن قتال العدو حرصًا على البقاء لتربية الأولاد والتلذذ بالزوجة، قال رسول الله J: (الولد مجبنة مفسدة مبخلة)([8]).

وقد تكون عداوتهم ظاهرة، كفساد أخلاقهم بسوء تربية الوالد؛ لأن خير تربية الأبناء قهرهم على التمسك بالدين فى الصغر ورعايته أخلاقهم من الطفولة. ومجاهدة هذا العدو لا يقوم بها إلا الأفراد الذين جملهم الله تعالى بالشجاعة الدينية، ومنحهم النفوس المؤثرة، ولذلك قيل فى المثل: الرجل يسوس مملكة بحكمته، ويعجز عن سياسة زوجته. وما ذلك إلا لأن للشهوة سلطانًا قاهرًا، قال هارون الرشيد:

مَلَكَ الثَّلاثُ الغانياتُ عَنَانى

وحَلَلْنَ مـِنْ قَلْبِى بكُلِّ مَكَانِ

مَاِلى تُطَاوِعُنِى الَبريَّةُ كُلُّهَا

وأُطِيعُهُنَّ وَهُنَّ فِى عِصْيَانِى

مَا ذَاكَ إلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهَوى

وَبِهِ قَضَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطانِى

فأكمل الحكماء حقًّا من جاهد نفسه وساس زوجته وأولاده، والبيت الصغير مملكة كبيرة؛ لأن رئيسه ملك مطلق لا يتقيد بدستور, وعلى مقدار تربية البنين الصغار تكون منزلة الأمة بين العالم؛ لأن الأمة تتكون من عائلات، وعلى حسب آداب العائلات يكون شرف الأمة أو ذلها، ومتى كثر أهل الحق قهروا أهل الباطل، وهى سنة العمران حتى مع رسول الله J قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: 64)، وكل مجاهد معه الحق منصور وإن كثر عَدد عدوِه وعُدده.

 ثالثًا: أعداء خارجون:

أما العدو الخارج فهو الذى يتجاوز الحد فى الظلم، ويكون إما مظاهرًا علنيًّا أو مداهنًا سياسيًّا:

1 – العدو المظاهر العلنى: وهو وإن كان أنكى فى العداوة إلا أنه يوقظ الهمة، وينبه إلى التحفظ، فيعلم الإنسان مالم يكن يعلم من أبواب الحيل والمدافعة والاستعداد.

وكذلك متى تنبهت العائلة أو الأمة للعدو الخارج اتحدت بكليتها إلى دفعه عنها بكل أنواع القوة، وعادت من شذ منها وابتدأت بنصيحته أو محاربته إن أبى، حتى تتفرغ للعدو الخارج.

2 – العدو المداهن السياسى: وهو العدو المحتال المخادع، أى: أنه العدو حقًّا الذى يفسد الحياة الشريفة والعيشة الهنية، بتعاطى المخدرات أو بمسارعته إلى تيسير الحظوظ والأهواء الفانية، أو يبسط بساط الآمال وإظهار إرادة الخير والسعادة. أو بإظهار أنه يريد تنفيذ ما يحبه الإنسان من أذية عدو، أو نيل مشتهاته من مال أو سيادة أو جاه، حتى يتمكن منه فيأكل لحمه ويمتص دمه, ثم ينقلب عليه – كما تنقلب الأفعى – بالقوة القاهرة ظلمًا وطغيانًا، منكرًا عليه ما يدعيه لنفسه، مثبتًا كل ذلك له مع المِنَّةِ عليه؛ لأنه أصلح وأحسن وكان الواجب شكره، فيتنبه من رقدة غروره وشهواته، بصيرًا بعد العمى، معتقدًا الحقيقة بعد الجهالة. قد انكشفت له حقيقة أعدائه وأحبابه، فيفر من أعدائه بعد العيان، وإن لم يكن قد انتفع قبل بالبيان. ويعلم أن عداوته لأحبابه كانت بسبب الخسران، وأن تمكين أعدائه منه بسبب طاعته لنفسه وشهواته، ومتى استيقظ الإنسان لمحاربة نفسه وحظه تمكن منها، فملكها بطول مجاهدتها ومحاربتها حتى يقهرها فتلين له.

وإنَّا فى زمان قد جهلنا فيه أعداءنا فاستنمنا لهم، وجهلنا فيه أحبابنا فنفرنا منهم، يفرح الرجل منا بمال الربا، وبمجالس اللهو، والنظر إلى الفتيات، ويحب من يعينه على الفساد والضلال، غير ملتفت إلى عدو ما بعد الغد، فلا يحفظ دينًا ولا شرفًا، ولا يدخر مالاً ولا تحفًا، ويسترسل فى هذا حتى يصبح يقلب كفيه، فاقدًا ما لديه، ويرى ملكه العظيم فى يد عدوه، أو مجده الأثيل عند أخصامه، ويرى من يعتمد عليهم أنشبوا أظفارهم فى كبده، وداسوه بنعالهم. وهذا جزاء من يجهل عدوه فيصادقه لحظٍّ يفنى وشهوة توبق فى العذاب، فينخدع بحلاوة لفظه، ويفرح بأضاليل وعده، ويعادى أصدق أصدقائه طمعًا فى نيل ما أطمعه فيه العدو، فيخسر كل شئ حتى أصدقاءه، والموت خير لهذا من الحياة.

قال الشاعر:

ومن يجعل الضِّرغامِ بَازًا لصيِده

تصيَّده الضِّــرغَامُ فيمن تصيَّدا

وقال آخر:

كلُّ له غـرضٌ يسْعَى ليُــدْرِكَهُ

والحُرُّ يَجْعَلُ إدراكَ العُلا غَرَضًا

([1]) راجع مجلة السعادة الأبدية العدد الخامس السنة الثامنة الصفحة 129.

([2]) أخرجه الترمذى (5/552، رقم 3548)، والحاكم (1/675، رقم 1833) وقال: صحيح الإسناد.

([3]) أخرجه أحمد (5/234 ، رقم 22097)، والطبرانى (20/103 ، رقم 201).

([4]) راجع كتاب النور المبين للإمام أبى العزائم ص 212.

([5]) راجع مجلة السعادة الأبدية العدد السابع السنة العاشرة ص 102.

([6]) أخرجه الترمذى (4/360 ، رقم 1997)، وأخرجه الطبرى فى تهذيب الآثار (مسند على ص 285 ، رقم 443) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (5/260 ، رقم 6595)، وابن حبان فى الضعفاء (1/351 ، ترجمة 455 سويد بن عمرو الكلبى).

([7]) راجع مجلة السعادة الأبدية العدد السابع السنة السابعة ص 202.

([8]) أخرجه الحاكم عن الأشعث بن قيس (4/266، رقم 7596) بلفظ: (إنهم لمبخلة مجبنة محزنة وإنهم لثمرة القلوب وقرة العين)، والطبرانى فى معجمه الكبير (24/241، رقم 614) بلفظ: (الولد محزنة مجبنة مجهلة مبخلة).

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    بارك الله فيك نحن بحق في امس الحاجة لمثل هذا المقال اللهم انا نسألك الوحدة والاتحاد اللهم جمع شملنا ولا تفرقنا

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.