الجهل وحب الدنيا .. جذور تعمق الخوارج!!

الجهل وحب الدنيا .. جذور تعمق الخوارج!!

islam wattan . نشرت في المدونة 15986 1 تعليق

إنَّ الإسْلاَمَ دِينٌ وَسَطٌ، قالَ تعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة: 143)، وتعَالِيمَهُ زَاخِرَةٌ بالتَّأْكِيدِ علَى الاعْتِدَالِ، وبالنَّظْرَةِ الشُّمُولِيَّةِ المُسْتَوْعِبَةِ، وبضَرُورَةِ الابْتِعَادِ عنِ الإفْرَاطِ، والنَّظْرَةِ الضَّيِّقَةِ الأُحَادِيَّةِ الجَانِبِ إلَى الأُمُورِ…

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

الجهل وحب الدنيا .. جذور تعمق الخوارج!!

إنَّ الإسْلاَمَ دِينٌ وَسَطٌ، قالَ تعَالَى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً( (البقرة: 143)، وتعَالِيمَهُ زَاخِرَةٌ بالتَّأْكِيدِ علَى الاعْتِدَالِ، وبالنَّظْرَةِ الشُّمُولِيَّةِ المُسْتَوْعِبَةِ، وبضَرُورَةِ الابْتِعَادِ عنِ الإفْرَاطِ، والنَّظْرَةِ الضَّيِّقَةِ الأُحَادِيَّةِ الجَانِبِ إلَى الأُمُورِ.

ولم يَزَلْ رَسُولُ اللهِ J يُنَبِّهُ علَى هذهِ الحَقِيقَةِ طِيلَةَ البَعْثَةِ المُبَارَكَةِ، فقَدْ كانَ J يقُولُ – ما ذَكَرَهُ المُتَّقِي الهِنْدِيُّ في كَنْزِ العُمَّالِ، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ[1]-: (إنَّ دِينَ اللهِ U لَنْ يَنْصُرَهُ إلاَّ مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ) ونَرَى تحَقُّقَ هذا في الأَئِمَّةِ المُجَدِّدِينَ.

ويُمْكِنُنَا أنْ نُدْرِكَ مِنْ هذا كُلِّهِ أنَّ الخُرُوجَ عَنْ جَادَّةِ الاعْتِدَالِ، والسُّقُوطَ في حَضِيضِ الإفْرَاطِ والتَّطَرُّفِ لا يَسْتَتْبِعُ إلاَّ الشُّذُوذَ، ورُبَّمَا الانْجِرَافَ معَ تيَّارِ الفسَادِ.

وقد مَثَّلَ الخَوَارِجُ – في نِطَاقِ الثَّقَافَةِ الإسْلاَمِيَّةِ – تَيَّارًا مُتَطَرِّفًا ذَا مَوَاقِفَ حادَّةٍ مُتَشَنِّجَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الاعْتِدَالِ، ونُعِتُوا في الأحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ بصِفَةِ التَّعَمُّقِ، قالَ J – ما ذكَرَهُ المُتَّقِي الهِنْدِيُّ في كَنْزِ العُمَّالِ، والإمَامُ السُّيُوطِيُّ في الجَامِعِ الصَّغِيرِ[2]-: (إيَّاكُمْ والتَّعَمُّقَ في الدِّينِ! فإنَّ اللهَ تعالَى قَدْ جعَلَهُ سَهْلاً، فخُذُوا مِنْهُ ما تُطِيقُونَ؛ فإنَّ اللهَ يُحِبُّ ما دَامَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وإنْ كانَ يَسِيرًا).

وبالتَّنْقِيبِ عَنْ مَوَاضِعَ اسْتِعْمَالِ كَلِمَةِ (التَّعَمُّقِ) في المَعَاجِمِ والأحَادِيثِ الإسْلاَمِيَّةِ وجَدْنَا المُرَادَ مِنْهَا: الإفْرَاطَ، والتَّطَرُّفَ، والخُرُوجَ عَنِ الاعْتِدَالِ.

وكانَ النَّبِيُّ J يُوصِي أصْحَابَهُ دَائِمًا ألاَّ يتَجَاوَزُوا حَدَّ الاعْتِدَالِ في أُمُورِ الدِّينِ، ولا يَحْرَجُوا أنْفُسَهُمْ، ولا يَفْقِدُوا حمَاسَهُمْ ونشَاطَهُمْ في العِبَادَةِ، وأنْ يُرَاعُوا حُدُودَ السُّنَّةِ، ونَذْكُرُ مِنْ ذلكَ قَوْلَهُ J – الذي ذَكَرَهُ المُتَّقِي الهِنْدِيُّ في كَنْزِ العُمَّالِ[3]-: (ألاَ وإنَّ لِكُلِّ عِبَادَةٍ شِرَّةً،، أيْ: حِدَّةً ونشَاطًا، ثُمَّ تَصِيرُ إلى فَتْرَةٍ، فمَنْ صَارَتْ شِرَّةُ عِبَادَتِهِ إلى سُنَّتِي فقَدِ اهْتَدَى، ومَنْ خالَفَ سُنَّتِي فقَدْ ضَلَّ، وكانَ عمَلُهُ في تَبَابٍ، أي: هَلاَكٍ وخَسَارَةٍ، أمَا إنِّي أُصَلِّي وأنَامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأضْحَكُ وأبْكِي؛ فمَنْ رَغِبَ عَنْ مِنْهَاجِي وسُنَّتِي فلَيْسَ مِنِّي).

وكانَ J ينْظُرُ في مِرْآةِ الزَّمَانِ إلى أفْرَادٍ مِنْ أُمَّتِهِ يُنَاهِضُونَ الحَقَّ لإفْرَاطِهِمْ وتَطَرُّفِهِمْ، ويُصِرُّونَ علَى مَوْقِفِهِمْ إصْرَارًا سُرْعَانَ ما يُبْعِدُهُمْ عَنِ الدِّينِ وحَقَائِقِهِ، ولِذَا قالَ في حَقِّهِمْ – ما أخْرَجَهُ الإمَامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ[4]-: (إنَّ أقْوَامًا يتَعَمَّقُونَ في الدِّينِ يَمْرُقُونَ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ).

والتَّعَمُّقُ هو التَّطَرُّفُ والإفْرَاطُ، وإذَا ما جُعِلَ مِيزَانًا لأفْعَالِ الآخَرِينَ فلا يُنْتِجُ إلاَّ الحُكْمَ الجَائِرَ؛ فيَرَى الحَقَّ دَوْمًا في جَانِبِهِ، وليسَ للآخَرِينَ حَظٌّ مِنْهُ، وهذا النَّوْعُ مِنَ الرُّؤَى هو الذي يُسَبِّبُ الفُرْقَةَ، ويَسْتَتْبِعُ الزَّيْغَ، ويُوجِدُ الشِّقَاقَ، وبالتَّالِي فيُصْبِحُ دِعَامَةَ الكُفْرِ، وحَسْبُنَا في المَقَامِ كلامُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ A في بيَانِ هذهِ الحقِيقَةِ، وأنَّ التَّعَمُّقَ أحَدُ أُسُسِ الكُفْرِ، إذْ يَقُولُ – في الحِكْمَةِ الحَادِيَةِ والثَّلاثِينَ مِنْ كِتَابِ (نَهْجِ البَلاَغَةِ) -:

[والكُفْرُ علَى أرْبَعِ دعَائِمَ: علَى التَّعَمُّقِ، والتَّنَازُعِ، والزَّيْغِ، والشِّقَاقِ.

– فمَنْ تعَمَّقَ لم يُنِبْ إلَى الحَقِّ.

– ومن كَثُرَ نِزَاعُهُ بالجَهْلِ دامَ عَمَاهُ عَنِ الحَقِّ.

– ومن زَاغَ ساءَتْ عندَهُ الحسَنَةُ، وحسُنَتْ عندَهُ السَّيِّئَةُ، وسَكِرَ سُكْرَ الضَّلاَلَةِ.

– ومن شَاقَّ وَعُرَتْ علَيْهِ طُرُقُهُ، وأَعْضَلَ علَيْهِ أمْرُهُ، وضَاقَ علَيْهِ مَخْرَجُهُ].

والمُؤْسِفُ أنَّ مُشْكِلَةَ الخَوَارِجِ الكُبْرَى قد تمَثَّلَتْ في تَوَجُّهَاتِهِمُ المُتَطَرِّفَةِ المُفْرِطَةِ اللاَّمُتَنَاهِيَةِ؛ لذلكَ آلَ أمْرُهُمْ إلَى حُكْمِهِمْ بالكُفْرِ علَى كُلِّ مَنْ لا يَرَى رَأْيَهُمْ، ولاَ يَعْمَلُ عمَلَهُمْ!. والسُّؤَالُ: ما هي نُقْطَةُ البِدَايَةِ في الانْحِرَافِ؟.

نُقْطَةُ البِدَايَةِِ في الانْحِرَافِ:

الجَوَابُ: إنَّ عدَدًا من المُسْلِمِينَ في صَدْرِ الإسْلاَمِ أفْرَطُوا في نَزَعَاتِهِمْ، حتَّى اجْتَرَؤُوا يُؤَاخِذُونَ النَّبِيَّ J، إذْ كانَ J في أحَدِ الأيَّامِ يقُومُ بتوْزِيعِ الغنَائِمِ، وقِسْمَتِهَا بمُرَاعَاةِ مَصَالِحَ مُعَيَّنَةٍ، فهَبَّ أحَدُ هؤُلاَءِ المُتَقَدِّسِينَ، وقد سَوَّلَتْ لهُ نَفْسُهُ أنَّهُ أعْدَلُ مِنْ رسُولِ اللهِ J في القِسْمَةِ بزَعْمِهِ، وطلَبَ مِنْهُ أنْ يعْدِلَ في التَّوْزِيعِ، وكانَ أثَرُ السُّجُودِ بَائِنًا علَى جَبْهَتِهِ، ورَأْسُهُ مَحْلُوقٌ علَى طَرِيقَةِ المُتَقَدِّسِينَ يومئِذٍ، ورفَعَ عَقِيرَتَهُ، أي: صَوْتَهُ، بغِلْظَةٍ وفظَاظَةٍ قائِلاً: يا مُحَمَّدُ، واللهِ ما تَعْدِلُ!.

فقال له النَّبِيُّ J مُغْضَبًا: (وَيْحَكَ! فمَنْ يعْدِلُ إذَا لم أعْدِلْ) وهَمَّ الصَّحَابَةُ بقَتْلِهِ، بَيْدَ أنَّ النَّبِيَّ J منَعَهُمْ، وحكَى لهُمْ صُورَةً عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ، وأنْبَأَهُمْ بأنَّهُ ورُفَقَاءَهُ بَعِيدُونَ عَنِ الحَقِّ مِنْ مُنْطَلَقِ التَّعَمُّقِ، وقَالَ – ما ذَكَرَهُ الإمَامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ([5])-: (سيَكُونُ لهُ شِيعَةٌ يتَعَمَّقُونَ في الدِّينِ حتَّى يخْرُجُوا مِنْهُ)، وقالَ في خَبَرٍ آخَرَ – ذكرَهُ المُتَّقِي الهِنْدِيُّ في كَنْزِ العُمَّالِ([6])-: (إنَّهُ يخْرُجُ هذا في أمْثَالِهِ وفي أشْبَاهِهِ وفي ضُرَبَائِهِ يأتِيهِمُ الشَّيْطَانُ من قِبَلِ دِينِهِمْ، يمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يتَعَلَّقُونَ مِنَ الإسْلاَمِ بشَيْءٍ).

تَحْلِيلُ المَوْقِفِ:

ونرَى عِدَّةَ ملْحُوظَاتٍ علَى هذَا المَوْقِفِ، كمَا يَلِي:

الملْحُوظَةُ الأُولَى: أنَّ الخَوَارِجَ جوَّزُوا علَى الرَّسُولِ J نَفْسِهِ أنْ يَجُورَ ويَضِلَّ في سُنَّتِهِ، ولم يُوجِبُوا طَاعَتَهُ ومُتَابَعَتَهُ، وغَالِبُ أهْلِ البِدَعِ والخَوَارِجِ يُتَابِعُونَهَمُ في الحَقِيقَةِ علَى ذلكَ، فإنَّهُمْ يَرَوْنَ أنَّ الرَّسُولَ لو قالَ بِخِلاَفِ مقَالَتِهِمْ لَمَا اتَّبَعُوهُ، وإنَّمَا يدْفَعُونَ عنْ نُفُوسِهِمُ الحُجَّةَ، إمَّا بِرَدِّ النَّقْلِ، أو بتَأْوِيلِ المَنْقُولِ، فيَطْعَنُونَ تَارَةً في الإسْنَادِ، وتَارَةً في المَتْنِ.

المَلْحُوظَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الخَوَارِجَ أعْطَوْا لأنْفُسِهِمْ حَقَّ الطَّعْنِ والتَّضْلِيلِ لأئِمَّةِ الهُدَى، وعلَى رأْسِهِمْ رَسُولُ الهُدَى J وتَجَلَّى هذا فيمَا قالَهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ: يا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ. فقد عَدَّ ذُو الخُوَيْصِرَةِ نَفْسَهُ أوْرَعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ J، وحكَمَ علَى رَسُولِ اللهِ J بالجَوْرِ والخُرُوجِ على العَدْلِ في القِسْمَةِ، وإنَّ هذهِ الصِّفَةَ قد لازَمَتْهُمْ عَبْرَ التَّارِيخِ، وقد كانَ لهَا أسْوَأُ الأثَرِ لِمَا ترَتَّبَ علَيْهَا مِنْ أحْكَامٍ وأعْمَالٍ.

الملْحُوظَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الخَوَارِجَ أعْطَوْا لأنفُسِهِمْ حقَّ سُوءِ الظَّنِّ بالآخَرِينَ، وتجلَّى هذا في حُكْمِ ذي الخُوَيْصِرَةِ الجَهُولِ على رسُولِ الهُدَى J، حيثُ قالَ: والله إنَّ هذهِ لقِسْمَةٌ ما عُدِلَ فِيهَا، وما أُرِيدَ فيهَا وَجْهُ اللهِ([7]).

فذُو الخُوَيْصِرَةِ الجَهُولُ لمَّا رأَى رسُولَ اللهِ J قد أعْطَى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، لم يَحْمِلْ هذا التَّصَرُّفَ علَى المَحْمَلِ الحَسَنِ، بل أسَاءَ الظَّنَّ لمَرَضِهِ النَّفْسِيِّ، وحاوَلَ أنْ يسْتُرَ هذهِ العِلَّةَ بسِتَارِ العَدْلِ، وبذَلِكَ ضَحِكَ مِنْهُ إبْلِيسُ، واحْتَالَ علَيْهِ، فأوْقَعَهُ في مصَايِدِهِ، بعدَ أنْ زَيَّنَ لهُ العَمَلَ السَّيِّئَ بغُلاَفٍ حَسَنٍ برَّاقٍ، وبرَّرَ السُّلُوكَ القَبِيحَ باسْمِ مبَادِئِ الحَقِّ، فذُو الخُوَيْصِرَةِ الذي اسْتَحْوَذَ علَيْهِ الشَّيْطَانُ لم يَكُنْ عِنْدَهُ أثَارَةٌ من عِلْمٍ، أو ذَرَّةٌ مِنْ فَهْمٍ؛ لذلكَ سقَطَ في هذا المُنْزَلَقِ.

القُرَّاءُ:

والعَجَبُ أنَّ هَؤُلاَءِ قد تقَمَّصُوا الزُّهْدَ وعلَيْهِمْ سِيمَاءُ العَابِدِينَ أوْ هَيْئَةُ الزَّاهِدِينَ، بَيْدَ أنَّهُمْ – مِنْ مِنْظَارِ رَسُولِ اللهِ J – مِنَ الدِّينِ خَارِجُونَ، وعَنِ الحَقِّ والحَقِيقَةِ بَعِيدُونَ، وهُمُ الذينَ كَانُوا يُسَمُّونَ أنْفُسَهُمُ (القُرَّاءَ) أيْضًا، في حِينِ أبَانَ النَّبِيُّ J هذهِ الصِّفَةَ وجلَّى طَبِيعَتَهَا أيضًا، فقد قالَ J – ما أخرجَهُ البُخَارِيُّ، ومُسْلِمٌ([8])-: (يقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهَمْ أو حَنَاجِرَهُمْ).

ثُمَّ تفَرَّقَ القُرَّاءُ في مكَّةَ، والمَدِينَةِ، والشَّامِ، والكُوفَةِ، لكِنَّ مُعْظَمَهُمْ كانَ في الكُوفَةِ، ولم يَشْتَرِكُوا في الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ غَالِبًا، بَيْدَ أنَّهُمْ طَفِقُوا ينْتَقِدُونَ سَيِّدَنَا عُثْمَانَ 0 في أيَّامِ خِلاَفَتِهِ، ولم يُطِقِ انْتِقَادَهُمْ وتَعْنِيفَهُمْ فنَفَاهُمْ، ولَهُمْ في الثَّوْرَةِ علَيْهِ دَوْرٌ أيْضًا.

وكانَ القُرَّاءُ – بسَابِقَتِهِمُ الفِكْرِيَّةِ والسِّيَاسِيَّةِ والاجْتِمَاعِيَّةِ هذهِ – يُشَكِّلُونَ قِسْمًا لافِتًا للنَّظَرِ من جَيْشِ الإمَامِ عَلِيٍّ A، وعُرِفُوا بالشَّجَاعَةِ والإقْدَامِ والقِتَالِ، وكانَ لهُمْ مَوْقِعٌ في جَيْشِهِ، بحَيْثُ إنَّهُمْ لمَّا أُبِيدُوا في النَّهْرَوَانِ ترَكُوا فرَاغًا مشْهُودًا في الجَيْشِ.

انْقِلاَبُ القُرَّاءِ إلى المَارِقِينَ:

أجلْ، تحقَّقَتْ نُبُوءَةُ رسُولِ اللهِ J؛ وإذَا الذين كانُوا بالأمْسِ وُجُوهَ المُسْلِمِينَ البَارِزَةَ، ومِمَّنْ جمَعُوا في حيَاتِهِمْ بينَ الجِهَادِ والقِتَالِ، والزُّهْدِ والعِبَادَةِ، يَقِفُونَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ أمَامَ الدِّينِ وإمَامِ المُسْلِمِينَ بسَبَبِ إصَابَتِهِمْ بدَاءِ التَّعَمُّقِ والتَطَرُّفِ؛ مُتَذَرِّعِينَ بذَرِيعَةِ الدِّفَاعِ عَنْ سَاحَةِ القُرْآنِ وحَرِيمِ الدِّينِ. وهكَذَا أخْرَجَهُمْ دَاءُ الإفْرَاطِ والتَّطَرُّفِ من الدِّينِ حتَّى لم يبْقَ في نُفُوسِهِمْ للدِّينِ مِنْ أثَرٍ.

وهكَذَا اسْتَحَقُّوا عُنْوَانَ المَارِقِينَ الذي كانَ رَسُولُ اللهِ J قد وصَفَهُمْ بِهِ مِنْ قَبْلُ. ومِمَّا كانَ J قد قالَهُ للإمَامِ A وذكَرَهُ الطُّوسِيُّ في أمَالِيهِ([9]): (يا عَلِيُّ!، لَوْلا أنْتَ ما قُوتِلَ أهْلُ النَّهْرِ) قالَ: [فقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ! ومَنْ أهْلُ النَّهْرِ؟ قالَ: (قومٌ يمْرُقُونَ مِنَ الإسْلاَمِ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)].

المُبَاهَاةُ باجْتِثَاثِ الفِتْنَةِ:

اتَّضَحَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ إلى الآنَ حَوْلَ تيَّارِ (التَّعَمُّقِ) والوُجُوهِ المُنْتَمِيَّةِ إليْهِ أنَّ الاصْطِدَامَ بهِ كانَ عمَلاً صَعْبًا، وحقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ اسْتِئْْصَالَ جُذُورِ هذهِ الفِتْنَةِ – التي كانَتْ في ظَاهِرِهَا تَيَّارًا وَطِيدًا في التَّدَيُّنِ – عمَلٌ في غَايَةِ الإعْضَالِ، وكانَ الإمَامُ عَلِيٌّ A يرَى أنَّ إبَادَةَ هذا التَّيَّارِ، واقْتِلاَعَ جُذُورِ الفِتْنَةِ مِنْ مَفَاخِرِ عَصْرِ خِلاَفَتِهِ، فقد قالَ A في الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ والتِّسْعِينَ من كِتَابِ (نَهْجِ البَلاَغَةِ): [أيُّهَا النَّاسُ، فإنِّي فقَأْتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ، ولم يَكُنْ ليَجْتَرِئَ علَيْهَا أحَدٌ غَيْرِي].

وهُنَا يطْرَحُ السُّؤَالُ نَفْسَهُ: ما هِيَ جُذُورُ التَّعَمُّقِ؟.

أو بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: مِنْ أيْنَ ظَهَرَ هذا التَّيَّارُ، وكَيْفَ، ولِمَاذَا؟.

جُذُورُ التَّعَمُّقِ

للجَوَابِ نَقُولُ: إنَّ دِرَاسَةَ جُذُورِ هذا التَّيَّارِ، والوُقُوفَ علَى بَوَاعِثِ انْحِرَافِ أصْحَابِهِ مِنْ أهَمِّ مَوْضُوعَاتِهِ، وتتَجَلَّى أهَمِّيَّةُ هذهِ الدِّرَاسَةِ بمُلاَحَظَةِ إخْبَارِ النَّبِيِّ J والإمَامِ عَلِيٍّ A باسْتِمْرَارِ هذا التَّيَّارِ عَبْرَ التَّارِيخِ الإسْلاَمِيِّ، وأنَّ مُقَارَعَةَ التَّطَرُّفِ والإفْرَاطِ، واليقَظَةَ والحَذَرَ مِنْهُمَا حاجَةٌ لازِمَةٌ للأُمَّةِ الإسْلاَمِيَّةِ.

قالَ النَّبِيُّ J في اسْتِمْرَارِ هذَا التَّيَّارِ الفِكْرِيِّ – ما ذكَرَهُ أبُو دَاوُدَ في مُسْنَدِهِ، والمُتَّقِي الهِنْدِيُّ في كَنْزِ العُمَّالِ([10]): (كُلَّمَا قُطِعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ، ثُمَّ يخْرُجُ في بَقِيَّتِهِمُ الدَّجَّالُ)، يعني آخِرُهُمْ سيكونُونَ أعْوَانًا للدَّجَّالِ.

وعند ما أُبِيدَ الخوَارِجُ في النَّهْرَوَانِ، وقِيلَ للإمَامِ: هلَكَ القَوْمُ بأجْمَعِهِمْ، قالَ A – ما ورَدَ في كتابِ نهْجِ البلاغَةِ الخُطْبَةِ التَّاسِعَةِ والخمسينَ -: [كلاَّ واللهِ، إنَّهُمْ نُطَفٌ في أصْلاَبِ الرِّجَالِ وقرَارَاتِ النِّسَاءِ؛ كُلَّمَا نجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لصُوصًا سَلاَّبِينَ].

مِنْ هُنَا، ينْبَغِي التَّوَفُّرُ قبْلَ كُلِّ شَيْءٍ علَى دِرَاسَةِ نَفْسِيَّاتِ المَارِقِينَ، والتَّنْقِيبِ عَنْ جُذُورِ التَّعَمُّقِ، واسْتِقْصَاءِ مُمَهِّدَاتِ هذا التَّطَرُّفِ، لعَلَّ في ذلكَ عِبْرَةٌ لمُعْتَبِرٍ في عصْرِنَا هذا وجميعِ الأعْصَارِ.

وقد تبَيَّنَ من خلالِ البَحْثِ والتَّنْقِيبِ عن جُذُورِ التَّعَمُّقِ، أنَّهَا تنْحَصِرُ في: الجَهْلِ وحُبِّ الدُّنْيَا.. وللتَّفْصِيلِ نقُولُ:

أوَّلاً: الجَهْلُ

لا منَاصَ مِنْ عَدِّ الجَهْلِ أوَّلَ عامِلٍ في دِرَاسَةِ جُذُورِ التَّعَمُّقِ، وقد نصَّتِ الرِّوَايَاتُ علَى هذهِ النُّقْطَةِ؛ فإنَّنَا نَلْحَظُ الإمَامَ عَلِيًّا A ينْظُرُ إلى الجَهْلِ مَصْدَرًا للإفْرَاطِ والتَّفْرِيطِ، والتَّطَرُّفِ والتَّلَكُّؤِ، حيثُ يقُولُ: [لا يُرَى الجَاهِلُ إلاَّ مُفْرِطًا أو مُفَرِّطًا] (الحكمة 68 من نهج البلاغة).

وعدَّهُ الإمَامُ البَاقِرُ أسَاسَ تطَرُّفِ الخَوَارِجِ، فقد سَأَلَ إسْمَاعِيلُ الجَعْفِيُّ الإمَامَ البَاقِرَ عنِ الدِّينِ الذي لا يسَعُ العِبَادَ جهْلُهُ؟ فقَالَ: [الدِّينُ وَاسِعٌ، ولكِنَّ الخوَارِجَ ضيَّقُوا علَى أنْفُسِهِمْ مِنْ جَهْلِهِمْ]([11]).

وعدَّهُ الإمَامُ المُجَدِّدُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ مَاضِي أبُو العزَائِمِ حِجَابًا عنِ اللهِ ورَسُولِهِ فقَالَ: [النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: جَاهِلٌ مَحْجُوبٌ، وضَالٌّ مُبْعَدٌ، وعَارِفٌ مُتَمَكِّنٌ]([12]).

وقد ذَكَرَ ابنُ حجَرٍ العَسْقَلانِيُّ في فَتْحِ البَارِي([13]): أنَّ ابنَ عُمَرَ 5 كان يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللهِ، وقالَ: إنَّهُمُ انْطَلَقُوا إلى آيَاتٍ نزَلَتْ في الكُفَّارِ، فجَعَلُوهَا علَى المُؤْمِنِينَ.

وذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ في كِتَابِهِ (الاعْتِصَامِ)([14]): أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ إذَا سُئِلَ عَنِ الحَرُورِيَّةِ؟ قال: يُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ، ويَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ، ويَنْكِحُونَ النِّسَاءَ في عدَدِهِمْ، وتَأْتِيهِمْ المَرْأَةُ فيَنْكِحُهَا الرَّجُلُ مِنْهُمْ ولَهَا زَوْجٌ، فلا أعْلَمُ أحَدًا أحَقَّ بالقِتَالِ مِنْهُمْ.

وذَكَرَ ابنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البَارِي([15]) أنَّ حُرْمَةَ الخِنْزِيرِ عِنْدَهُمْ أعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ المُسْلِمِينَ. وأضَافَ([16]): اسْتَبَاحُوا دِمَاءَهُمْ، أي: المُسْلِمِينَ، وتَرَكُوا أهْلَ الذِّمَّةِ…. وهذا كُلُّهُ مِنْ آثَارِ عِبَادَةِ الجُهَّالِ الذينَ لَمْ تَنْشَرِحْ صُدُورُهُمْ بنُورِ العِلْمِ، ولم يتَمَسَّكُوا بحَبْلٍ وَثِيقٍ مِنْهُ.

وهكذا كانَ الخوَارِجُ في خِفَّةِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ؛ فإنَّهُمْ لَمْ يلْجَؤُوا إلى رُكْنٍ وثِيقٍ في الدِّينِ مع جَمِيعِ ما كانُوا علَيْهِ مِنَ العِبَادَةِ، وهذا كُلُّهُ لم يُؤَدِّ دَوْرًا تكَامُلِيًّا في عقَائِدِهِمْ، فقد حاولَ بعضُهُمْ أنْ يُخَالِفَ أهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ J في عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ النَّقِيَّةِ الصَّافِيَةِ، فجَاءُوا بعَقَائِدَ وَثَنِيَّةٍ يَظْهَرُ فيها التَّجْسِيمُ والتَّشْبِيهُ، ويُحَاوِلُونَ فرْضَهَا علَى المسلمِينَ بزَعْمِ أنَّهَا التَّوْحِيدُ الصَّحِيحُ.

فيُسَمُّونَ أنْفُسَهُمْ أبْنَاءَ التَّوْحِيدِ، ومسَاجِدَهُمْ مسَاجِدَ التَّوْحِيدِ، وكذلكَ شَرِكَاتِهِمْ، ومَحَلاَّتِهِمْ.

وهذا ما يجْعَلُهُمْ دَائِمًا في مِرْيَةٍ وشَكٍّ من أمْرِهِمْ، فقد سَمِعَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ A رَجُلاً مِنَ الحَرُورِيَّةِ يتَهَجَّدُ ويقْرَأُ، فقَالَ – ما وَرَدَ في كِتَابِ نهْجِ البَلاَغَةِ الحِكْمَةِ الثَّالِثَةِ والتِّسْعِينَ -: [نَوْمٌ علَى يَقِينٍ، خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ].

وبسَبَبِ جَهْلِ الخَوَارِجِ اسْتَمَرَّ هذا الشَّكُّ حتَّى في اللَّحَظَاتِ الأخِيرَةِ مِنْ يَوْمِ النَّهْرَوَانِ، وهذهِ مِنَ النِّقَاطِ المُهِمَّةِ في تَحْلِيلِ شَخْصِيَّتِهِمْ، فلمَّا هلكَ أحَدُهُمْ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ قالَ: حَبَّذَا الرَّوْحَةُ إلَى الجَنَّةِ!، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ: ما أدْرِي أإلَى الجَنَّةِ أمْ إلى النَّارِ؟ فقالَ رجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ: إنَّمَا حضَرْتُ اغْتِرَارًا بهذا، وأرَاهُ قَدْ شَكَّ!! فانْخَزَلَ بجَمَاعَةٍ مِنْ أصْحَابِهِ، ومَالَ إلى نَاحِيَةِ أبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ([17]).

ومِنْ ثَمَّ، فإنَّهُمْ لا ينْطَلِقُونَ في تحَرُّكِهِمْ من وَحْيِ عَقِيدَةٍ راسِخَةٍ، بل من وَحْيِ عَوَاطِفَ بَاطِنِيَّةٍ دعَتْهُمْ إلى اتِّخَاذِ مِثْلِ هذهِ المَوَاقِفِ، وهذا ما أكَّدَهُ الإمَامُ الصَّادِقُ A حينَ سألَهُ رَجُلٌ: الخَوَارِجُ شُكَّاكٌ؟ فقال: نعَمْ. قال: كيفَ وهُمْ يَدْعُونَ إلى البِرَازِ؟ قال: ذلكَ مِمَّا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ([18]).

وهذهِ نُقْطَةٌ شَدِيدَةُ الإثَارَةِ للتَّأَمُّلِ، فقد يحدُثُ أنْ يقَعَ الإنْسَانُ أسِيرًا لعَوَاطِفِهِ في الموَاطِنِ المُثِيرَةِ إلى دَرَجَةٍ يتَعَطَّلُ معهَا عَقْلُهُ بغْتَةً، ثم يُفِيقُ بعدَ ذلكَ ويُظْهِرُ نَدَمَهُ على ما فَعَلَ.

ثَانِيًا: حُبُّ الدُّنْيَا

أمَّا العَامِلُ الثَّانِي من جُذُورِ التَّعَمُّقِ وانْحِرَافِ الخوَارِجِ هُوَ حُبُّ الدُّنْيَا، وهو أهَمُّ عامِلٍ في زَيْغِ النَّاسِ في عَصْرِ الإمَامِ عَلِيٍّ A، وقد تعَرَّضَ إلى هذهِ الحَقِيقَةِ في كَلاَمٍ عَمِيقٍ لهُ وَرَدَ في الخُطْبَةِ الثَّالِثَةِ من نَهْجِ البلاغَةِ، حيثُ قالَ:

[فلمَّا نهَضْتُ بالأمْرِ نكَثَتْ طائِفَةٌ، ومرَقَتْ أُخْرَى، وقسَطَ آخَرُونَ، كأنَّهُمْ لمْ يسْمَعُوا كلامَ اللهِ حيثُ يقُولُ: )تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (القصص: 83). بلى واللهِ. لقد سمِعُوهَا ووَعَوْهَا، ولكنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا في أعْيُنِهِمْ، ورَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا]، أي: حِلْيَتُهَا وزِينَتُهَا.

ولعَلَّ ما جَاءَ في التَّارِيخِ حَوْلَ الخَوَارِجِ يجْعَلُ التَّصْدِيقَ بهذا المَوْضُوعِ عَسِيرًا بعضَ العُسْرِ، ذلكَ أنَّ قَوْمًا اتَّخَذُوا الزُّهْدَ شِعَارًا لهُمْ، وظهَرُوا بمَظْهَرِ العَارِفِينَ عنِ الدُّنْيَا، وأتْعَبُوا أنْفُسَهُمْ في العبِادَةِ، وجَاوَزُوا حَدَّ الاعْتِدَالِ فيهَا، ورَغِبُوا عن مادِّيَّاتِ هذه الحيَاةِ، وكانُوا يُبْلُونَ بلاءً حَسَنًا في مَيَادِينِ القِتَالِ، كيفَ يكُونُ لحُبِّ الدُّنْيَا مِنْ معْنًى بالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ؟!.

وهُنَا ينْبَغِي أنْ نَقُولَ: ها هُنَا ألْفُ مَسْأَلَةٍ هي أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ. فللإقْبَالِ علَى الدُّنْيَا معَالِمٌ ووُجُوهٌ، ذلك أنَّ منْهُمْ مَنْ يتَشَدَّدُ فيها علَى نَفْسِهِ حِينًا، ويَعْنُفُ بها؛ لكي يكُونَ مَشْهُورًا محْبُوبًا بينَ النَّاسِ، ويَذِيعَ صِيتُهُ، ويتحَدَّثَ المُتَحَدِّثُونَ بِاسْمِهِ!.

وصَدَقَ القَائِلُ:

كُلُّ مَنْ فِي الوُجُودِ يطْلُبُ صَيْدًا

إنَّمَا الاخْتِلاَفُ فِي الشَّبَكَــاتِ

وليسَ للمَرْءِ أن يُخْلِصَ دَخِليَتَهُ فيها ما لم يَخْلَصْ مِنْ حِبَالَةِ النَّفْسِ وفَخِّ الشَّيْطَانِ، ومِنَ الوَاضِحِ أنَّ الإقْبَالَ علَى الدُّنْيَا – إذا كانَ في قَالَبِ التَّدَيُّنِ ولِبَاسِ أهْلِ الآخِرَةِ – أخْطَرَ بكَثِيرٍ مِمَّا إذا كانَ في قَالَبِ حُبِّ الدُّنْيَا واللَّهَثِ ورَاءَهَا، وفي زِيِّ الإتْرَافِ. ذلكَ أنَّ من العسِيرِ إدْرَاكَ هذهِ الحَقِيقَةِ مِنْ وَرَاءِ ذلكَ الظَّاهِرِ.

ومِنَ الصَّعْبِ تمْيِيزُ النَّمَاذِجِ المَاثِلَةِ لطُلاَّبِ الدُّنْيَا بخَاصَّةٍ طُلاَّبُهَا الذين علَيْهِمْ مَسْحَةُ التَّوَجُّهِ إلى الآخِرَةِ، فهذا اللَّوْنُ مِنَ التَّوَجُّهِ لا يَظْهَرُ إلاَّ عندَ محَطَّاتِ الاخْتِبَارِ، وفي مُنْعَطَفَاتِ الحيَاةِ الوَعِرَةِ، وهناكَ تتَجَلَّى جوْهَرَةُ الباطِنِ، ونِعْمَ ما قالَهُ الإمَامُ في هذا المجَالِ – في الحِكْمَةِ الثَّالِثَةَ عشْرَةَ بعدَ المِائَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كِتَابِ نهْجِ البَلاَغَةِ-: [في تَقَلُّبِ الأحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ].

إنَّ إدْرَاكَ الحَقِيقَةِ المُسْتَخْفِيَةِ ورَاءَ حِجَابِ الرِّيَاءِ والتَّدْلِيسِ أمْرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ؛ فهو يتَطَلَّبُ بَصِيرَةً عَمِيقَةً ثَاقِبَةً كبَصِيرَةِ مَالِكٍ الأشْتَرِ، حتَّى يتَسَنَّى أنْ يَرَى حُبَّ الدُّنْيَا كامِنًا ورَاءَ السَجَدَاتِ الطَوِيلَةِ والنَّزَعَاتِ الخَادِعَةِ ببَرِيقِ قدَاسَتِهَا المُفْتَعَلَةِ.

لقد كانَ مالِكٌ علَى مشَارِفِ النَّصْرِ في صِفِّينَ، وتقدَّمَ حتى اقْتَرَبَ من خَيْمَةِ طُلاَّبِ السُّلْطَةِ، لكِنَّهُ أُكْرِهَ علَى التَّقَهْقُرِ تحْتَ ضَغْطِ “القُرَّاءِ”. وحِينَ عادَ خَاطَبَهُمْ بحُرْقَةٍ وألَمٍ، فقالَ لَهُمْ – ما ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ في تاريخِهِ([19])-: يا أصْحَابَ الجِبَاهِ السُّودِ، كُنَّا نَظُنُّ صَلَوَاتِكُمْ زَهَادَةً فى الدُّنْيَا، وشَوْقًا إلى لِقَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فلا أرَى فِرَارَكُمْ إلاَّ إلَى الدُّنْيَا مِنَ المَوْتِ. ألا قُبْحًا يا أشْبَاهَ النِّيبِ الجَلاَّلَةِ، أى: النَّاقَةِ المُسِنَّةِ التى تَتَبَّعُ النَّجَاسَاتِ.

من هو الرجل الحق؟

وهذا اللَّوْنُ من طلَبِ الدُّنْيَا وضُرُوبِ حُبِّهَا، والرُّكُونِ إليها ورَدَ أيضًا في كلامٍ ترْبَوِيٍّ للإمَامِ زَيْنِ العابِدِينَ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ A، يبعَثُ علَى التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ، فلنَقْرَأْهُ مَعًا – كما ورَدَ في كِتَابِ الاحْتِجَاجِ للطَّبْرَسِيِّ([20])-:

[إذَا رأيْتُمُ الرَّجُلَ قد حَسُنَ سَمْتُهُ وهَدْيُهُ، وتمَاوَتَ في مَنْطِقِهِ، وتخَاضَعَ في حركَاتِهِ، فرُوَيْدًا لا يَغُرَّنَّكُمْ، فما أكْثَرَ مَنْ يُعْجِزُهُ تنَاوُلُ الدُّنْيَا ورُكُوبُ المحَارِمِ منها لضَعْفِ نِيَّتِهِ، ومهَانَتِهِ، وجُبْنِ قَلْبِهِ؛ فنَصَبَ الدِّين َفخًّا لهَا، فهُوَ لا يَزَالُ يَخْتِلُ النَّاسَ بظَاهِرِهِ، فإنْ تمَكَّنَ مِنْ حَرَامٍ اقْتَحَمَهُ.

وإذَا وجَدْتُمُوهُ يَعِفُّ عَنِ المَالِ الحَرَامِ فرُوَيْدًا لا يَغُرَّنَّكُمْ، فإنْ شهَوَاتِ الخَلْقِ مُخْتَلِفَةٌ، فما أكْثَرَ مَن ينْبُو عَنِ المَالِ الحَرَامِ وإنْ كَثُرَ، ويَحْمِلُ نفْسَهُ علَى شَوْهَاءَ قَبِيحَةٍ، فيأْتِي مِنْهَا مُحَرَّمًا.

فإذَا وجَدْتُمُوهُ يَعِفُّ عنْ ذلكَ، فرُوَيْدًا لا يَغُرَّنَّكُمْ حتى تنْظُرُوا ما عقَدَهُ عقْلُهُ، فما أكْثَرَ مَنْ ترَكَ ذلكَ أجْمَعَ، ثُمَّ لا يَرْجِعُ إلى عَقْلٍ متِينٍ فيَكُونُ ما يُفْسِدُهُ بجَهْلِهِ أكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ بعَقْلِهِ.

فإذَا وجَدْتُمْ عقْلَهُ مَتِينًا فرُوَيْدًا لا يَغُرَّنَّكُمْ حتَّى تنْظُرُوا أَمَعَ هوَاهُ يكُونُ علَى عَقْلِهِ، أو يكُونُ معَ عَقْلِهِ علَى هَوَاهُ؟ وكَيْفَ محَبَّتُهُ للرِّئَاسَاتِ البَاطِلَةِ وزُهْدُهُ فِيهَا؟ فإنَّ في النَّاسِ مَنْ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخِرَةَ، يتْرُكُ الدُّنْيَا للدُّنْيَا، ويَرَى أنَّ لذَّةَ الرِّئَاسَةِ البَاطِلَةِ أفْضَلُ من لذَّةِ الأمْوَالِ والنِّعَمِ المُبَاحَةِ المُحَلَّلَةِ، فيَتْرُكُ ذلكَ أجْمَعَ طلَبًا للرِّئَاسَةِ، حتَّى إذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ، أخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإثْمِ فحَسْبُهُ جهَنَّمُ ولبِئْسَ المِهَادُ؛ فهو يخْبِطُ خَبْطَ عشْوَاءَ، يَقُودُهُ أوَّلُ بَاطِلٍ إلى أبْعَدِ غايَاتِ الخَسَارَةِ، ويُمِدُّهُ رَبُّهُ بعدَ طَلَبِهِ لِمَا لا يقْدِرُ علَيْهِ في طُغْيَانِهِ، فهُوَ يُحِلُّ ما حَرَّمَ اللهُ، ويُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لا يُبَالِي بِمَا فَاتَ من دِينِهِ، إذَا سَلِمَتْ لهُ رِئَاسَتُهُ التي قد شَقِيَ مِنْ أجْلِهَا، فأُولَئِكَ الذينَ غَضِبَ اللهُ علَيْهِمْ ولعَنَهُمْ وأعدَّ لهُمْ عذَابًا مُهِينًا.

ولكنَّ الرَّجُلَ كُلَّ الرَّجُلِ نِعْمَ الرَّجُلُ هُوَ الذي جعَلَ هوَاهُ تَبْعًا لأمْرِ اللهِ، وقُوَاهُ مَبْذُولَةً في رِضَى اللهِ، يَرَى الذُّلَّ معَ الحَقِّ أقْرَبَ إلى عِزِّ الأبَدِ معَ العِزِّ في البَاطِلِ، ويعْلَمُ أنَّ قَلِيلَ ما يَحْتَمِلُهُ مِنْ ضَرَّائِهَا يُؤَدِّيهِ إلى دَوَامِ النَّعِيمِ في دَارٍ لا تَبِيدُ ولا تَنْفَدُ، وأنَّ كَثِيرَ ما يلْحَقُهُ من سَرَّائِهَا – إنِ اتَّبَعَ هوَاهُ – يُؤَدِّيهِ إلى عذَابٍ لا انْقِطَاعَ لهُ ولا زَوَالَ، فذَلِكُمُ الرَّجُلُ نِعْمَ الرَّجُلُ، فبِهِ فتَمَسَّكُوا، وبِسُنَّتِهِ فاقْتَدُوا، وإلى رَبِّكُمْ بهِ فتَوَسَّلُوا، فإنَّهُ لا تُرَدُّ له دعْوَةٌ، ولا تُخَيَّبُ لهُ طَِلبَةٌ].

ويَخْتَصِرُ الإمَامُ المُجَدِّدُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ ماضِي أبُو العَزَائِمِ كُلَّ تلكَ المَعَانِي التي ذكَرَهَا الإمَامُ زَيْنُ العابِدِينَ في حكْمَةٍ مُجْمَلَةٍ بكِتَابِهِ (مِنْ جوَامِعِ الكَلِمِ)([21])، قائلاً:

[لَيْسَ الرَّجُلُ مَنْ كَثُرَ مَالُهُ، وَلاَ مَنْ نَفَذَتْ كَلِمَتُهُ، وَلاَ مَنْ نَالَ شَهْوَتَهُ، وَلاَ مَنْ حَصَّلَ أَغْرَاضَهُ وَعِلَلَهُ، إِنَّمَا الرَّجُلُ: مَنْ كَانَ عَدُوُّهُ نَفْسَهُ، وَحَبِيبُهُ رَبَّهُ].

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى، الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

===========================

([1]) كَنْزِ العُمَّالِ للمُتَّقِي الهِنْدِيُّ 10/171 ح28886، ومُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ للدَّيْلَمِيُّ 1/234 ح897

([2]) كنز العُمَّال للمُتَّقِي الهِنْدِيّ 3/35 ح5348، والجَامِع الصَّغِير للإمَام السُّيُوطِي 1/452 ح2933.

([3]) كَنْز العُمَّال للمُتَّقِي الهِنْدِي 16/276 ح44439

([4]) مسند الإمَامُ أحْمَدُ 4/318 ح12615.

([5]) مسند الإمام أحمد 2/681 ح7059.

([6]) كنز العمال للمتقي الهندي 11/306 ح31587.

([7]) فتح الباري 12/290.

([8]) صحيح البُخَارِي 6/2540 ح6532، وصحيح مُسْلِم 2/743 ح147.

([9]) أمالي الطوسي ص200 ح341.

([10]) مسند أبُو دَاوُدَ ص303، وكَنْز العُمَّال للمُتَّقِي الهِنْدِي 11/316 ح31609

([11]) الكافي 2/405 ح6.

([12]) جوامع الكلم ص148، حكمة 1311.

([13]) فتح الباري لابن حجر العسقلاني 12/282

([14]) الاعتصام للشاطبي 2/183 – 184.

([15]) فتح الباري لابن حجر 12/285.

([16]) فتح الباري لابن حجر 12/301.

([17]) شرحِ نهجِ البلاغَةِ لابن أبي الحديد 3/91 – 92.

([18]) تهذيب الأحكام للطوسي 6/145 ح251.

([19]) تاريخ الطبري 3/10.

([20]) الاحتجاج للطبرسي 2/159 ح192.

([21]) من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم ص119، حكمة رقم (1048).

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.