الجهود الأزهرية في دراسة الآثار النبوية (1)

الجهود الأزهرية في دراسة الآثار النبوية (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 9826 2 تعليقان

الأزهر المعمور بقعةٌ مباركة، وعلماؤه أئمةُ هدىٰ ومصابيح دُجىٰ، لم يَدَعوا في سبيل بيان الحق بابًا إلا طرقوه ولا دربًا إلا سلكوه، ولمَّا كان سيدُنا محمَّدٌ J أجلَّ خلق الله وأعظمَهم…

أ. أحمد عبد العاطي الأثاري

الأزهر المعمور بقعةٌ مباركة، وعلماؤه أئمةُ هدىٰ ومصابيح دُجىٰ، لم يَدَعوا في سبيل بيان الحق بابًا إلا طرقوه ولا دربًا إلا سلكوه، ولمَّا كان سيدُنا محمَّدٌ J أجلَّ خلق الله وأعظمَهم، فقد كانت آثاره J اللفظية والمادية محلَّ عناية أتباعه من المسلمين من لدُن الصَّحابة رضي الله عنهم إلىٰ زماننا هٰذا، والأدلة علىٰ ذٰلك في روايات المؤرِّخين والمُحَدِّثِين أكثر من أن نحصيها في هٰذا المقام، الذي هو مقام الحديث عن جهود علماء الأزهر الشريف في دراسة الآثار النبوية المادية المنقولة المنسوبة إليه J علىٰ مرِّ العصور وكرِّ الدُّهور، عنايةً منهم بكل ما يخص الجنابَ النبويَّ المعظَّمَ، وقد تنوعت هٰذه الجهود ما بين تصنيف كُتب وعَرضها وتقديمها، وذٰلك علىٰ النحو التالي:

أولاً جهود علماء الأزهر بالتأليف

كثرت جهود علماء الأزهر الشريف في دراسة الآثار النبوية بالتأليف والتصنيف فيها، بل إنَّ أولَ مؤلَّف في الآثار النبوية بلغنا خبرُه كان لِعالم أزهريٍّ، ورحم الله الشيخَ الجليلَ أبا الوفا المراغيّ، فقد قال عن كتابه المعجم الأصغر لعلماء الجامع الأزهر: “وإنَّ هٰذا المعجمَ سجلٌّ حافلٌ لأمجاد الأزهريين في خدمة العلم، ودليل حيٌّ علىٰ فضلهم في ميدان التأليف، يُفحِم من استطالت ألسنتُهم بالجحود والنكران لفضل علماء الأزهر في هٰذا الميدان”([1])، وفيما يلي بيانُ أسماء هٰؤلاء العلماء المصنِّفين في الآثار النبوية ونبذة عن مؤلفاتهم فيها.

ابن الملقِّن:

هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصَارِي الشافعيُّ، سِراج الدِّين، أبو حَفص، ابن النحويِّ؛ عالمٌ بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، مات أبوه وله من العُمر سنةٌ واحدةٌ، فتزوجت أمُّه بالشيخ عيسىٰ المغربي، مُلَقِّن القرآن بالجامع الطُّولوني، وقد نشأ شيخُنا في بيته، فعُرف بابن الملَقِّن نسبةً إليه، وكان رضي الله عنه يغضب منها، بحيث لم يكتبها بخطه قطّ، إنما كان يكتب ابن النحويِّ، وبها اشتهر في بلاد اليمن، والشيخ أصله من وادي آش بالأندلس، لكنَّ مولدَه ووفاتَه في القاهرة، حيث وُلد فيها سنة 723هـ وتوفي فيها أيضًا سنة 804هـ([2]).

لابن الملقِّن رحمه الله نحو ثلاث مئة مُصَنَّف، يهمنا منها مُصنَّفُه في الآثار النبوية، وهو أوَّل مصنَّف فيما نعلم في آثار النبي J، وقد ألَّفه ابن الملقِّن تبيانًا لحُكْم الآثار التي اشتراها الوزير الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين محمد بن بهاء الدين علي بن سليم بن حِنَّا الحجازي من بني إبراهيم الشجري من أشراف يَنْبُع، وأودعها رباط الآثار بمصر القديمة؛ قال المؤرخ الكَبير تقيُّ الدين أحمد بن علي المقريزيُّ: “وكان  شيخُنا سراج الدين عُمَر ابن عليٍّ الأنصاري المعروف بابن الملقِّن الشافعي يطعن في هٰذه الآثار، وذكر لي أنَّ له فيها مُصنَّفًا، ولم أقِفْ عليه”([3])، وهٰذا المصنَّف مفقودٌ([4])، ويا ليتنا نظفر به ولو أنفقنا في سبيله اللؤلؤ والمرجان.

وقد نَسب العلامة ابن العجمي في كتابه تنزيه المصطفىٰ المختار عمَّا لم يثبت من الآثار كتابَ ابن الملقن إلىٰ البُلقيني، حيث حكىٰ عن الإمام المقريزي أنه قال: “وكَان شيخُنا السراج البُلقِينيُّ، وهو بضَمِّ الموحَّدة وكَسرِ القَاف عَلاَّمةُ الدُّنيا كما في القامُوس، يطعَن في هٰذه الآثار، ويَذكُر أنَّ له فيها مُصَنَّفًا ولَم أطَّلِعْ عَلَيه”، وقد كان هٰذا الزللُ([5]) كون كلا الشيخين لُقِّبَ سراج الدين، وكلاهما كان شيخًا للمقريزي، والصَّواب ما قاله المقريزيُّ بنفسه في كتابه الخطط، والذي نقلتُه بتمامه فيما سبق.

ابن العجمي:

هو العلاَّمة الشهاب أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي العجمي الشافعيُّ الأزهريُّ، وُلد في 13 رجب سنة 1014هـ، ابتدأ طلب العلم الشريف سنة 1027هـ، فلازم علماء الجامع الأزهر سنين طويلة، وكان كثير الكتب بحيث إنه لم يكن في عصره في مصر أكثر منه كتبًا، كما كان سمحًا بها لأهل العلم، وكانت وفاته بمصرَ ليلة الأربعاء 18 من ذي القعدة الحرام سنة 1086هـ، وصلىٰ الظهرَ يومها بالجامع الأزهر إمامًا بالناس الشيخُ علي الشبراملسي في مشهد عظيم، ودُفن بتربة المجاورين. له من المصنَّفات شرح ثلاثيات البخاريِّ، وذيل لب الألباب في تحرير الأنساب للسيوطي، وتنزيه المصطفىٰ المختار عمَّا لم يثبت من الآثار، وغيرها([6]).

ولقد كان كتابُ ابن العجميِّ المَوْسُوم بـ تنزيه المصطفىٰ المختار عمَّا لم يثبت من الآثار([7]) مُشاركةً مِن عالِم مسلم لمشاكل مُجتمعه، حيث كَان الكِتابُ رسالةً أجَابَ فِيها عن سؤال موجَّه له حولَ صحَّة أثر القدمِ الموجُود برِباطِ الآثار؛ قال رحمه الله: “هٰذه فوائد اقتضىٰ جمعَها الحالُ في خصوص الآثار المشهورة بمصر حين كثر عنها السؤال، متحرىً فيها الصدق صدعًا بالحق”، ثم قسَّم كتابه إلىٰ مقدمة ونتيجة وخاتمة؛ وخصَّ المقدمة ببيان حكمة الله تعالىٰ في تأييد رُسُله بالدلائل والمعجزات ليصدقهم الناس، وعرَّف المعجزة وأوضح الفرق بين المعجزة والآية والكرامة، وأما النتيجة وهي المقصود بالذَّات في بيان أنه هل ثبت أن الصخر والحجر لانا له J؟، وهل نسبة الأحجار التي بمصر وغيرها إليه J صحيحة أم لا؟، ونقل اختلاف أهل العلم في ذٰلك، ثم قال: “وحاصل جميع ما تقدم الاعتراف بأن ذٰلك لا سند له وأنه علىٰ مجرد الشُّهرة، وهو غير كافٍ في إثبات نسبتها إليه J؛ لأن الخصوصيات لا تثبت بالاحتمالات؛ لأنها من الأمور السمعية المحضة التي لا مجال للعقل فيها بنفسه، فما وجدنا فيه نصًّا نتحدث به ونعتقده، وما لا نص فيه نكِل علمه إلىٰ الله تعالىٰ وإلىٰ رسوله J، ولا نتكلم به لعدم استقلال العقل فيه بنفسه دون نص”، أما الخاتمة فقد بيَّن فيها أن الغرض من نفي الأحجار المنسوبة إليه J تنزيهُ جنابه الرفيع عن أن ينسب إليه ما لم يثبت أصلاً ولا ورد لا قولاً ولا فعلاً([8]).

([1]) كتاب الشيخ أبي الوفا مخطوطٌ لم أقِفْ عليه، وقد نقلتُ عبارته من جمهرة أعلام الأزهر الشريف لأسامة الأزهري 1: 58.

([2]) ترجمته في الضَّوْءِ اللامع للسخَّاويِّ 6: 100، ودرر العقود الفريدة للمقريزيِّ 2: 429، وذيل طبقات الحفاظ للسُّيوطي ص244، والبدر الطالع للشوكَاني 1: 508، والأعلام للزِّرِكْلِيِّ 5: 57.

([3]) المواعظ والاعتبار بذكر الخِطط والآثار، المعروفُ بالخطط المقريزية، لتقيِّ الدين المقريزي، تحقيق أيمن فؤاد سيِّد 4: 804..

([4]) وقد ثبت أن ابنَ الملقِّن رحمه الله أُبتلي في آخر عمره باحتراق مكتبته واحترق معها الكثيرُ مِن مُسَوَّدَاته ومُصَنَّفَاته.

([5]) وقع هٰذا الخطأُ في جميع النُّسخ الخطية التي بلغنا خبرُها من كتاب العلامة ابن العجمي الموسومِ بتنزيه المصطفىٰ المختار.

([6]) ترجمته في خلاصة الأثر للحمويِّ 1: 176، وفوائد الارتحال للحمويِّ 2: 408، وأسانيد المصريين للأزهريِّ ص291.

([7]) حُقّق الكتابُ مرتين؛ المرة الأولىٰ سنة 2019م في رسالة ماجستير للباحث مصطفىٰ العلوي في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، والثانية سنة 2020م على يد الدكتور محمد بن محمد خير هيكل ونشرته مؤسسة الرسالة ناشرون الدمشقية، وهو خاضع الآن للتحقيق للمرة الثالثة وبصدر هٰذا التحقيق ترجمةٌ جديدةٌ للعلامة ابن العجمي.

([8]) تنزيه المصطفىٰ المختار عمَّا لم يثبت من الآثار لابن العجميِّ، ومنه نسخ بمكتبة الدولة ببرلين وبدار الكتب المصرية بالقاهرة.

 

تعقيب من موقعك.

التعليقات (2)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    هل هذا الدعاء الجليل يصلح لاي وقت آخر غير ليلة النصف من شعبان اجيبونا اثابكم الله خيرا

    رد

  • ايمان محمد جويلي

    |

    فعلا الصيام هو صلاح الجسد وتنقيته من السمرم وله فوائد اخري عديدة فمابالك للروح سبحان الله نحند الله باننا مسلمون وان الله من علينا بهذه النعم …وعرفنا مولانا الامام ابو العزائم بارك الله فيه وفي الخليفة القائم

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.