الخِطَابُ ‏الدِّيْنِيُّ ‏مِنْ ‏التَّطْوِيرِ ‏إلَى ‏التَّثْوِيرِ ‏(1 /2)‏

الخِطَابُ ‏الدِّيْنِيُّ ‏مِنْ ‏التَّطْوِيرِ ‏إلَى ‏التَّثْوِيرِ ‏(1 /2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 4651 1 تعليق

تحتاجُ مجتمعاتنا العَربيَّة والإسلاميَّة إلى خطابٍ إسلاميٍّ جديدٍ، وليس مجرد التَّطوير في مظهرِه القَائم على فِكرةِ الطلاءِ الخَارجيِّ، وإنما يَتطلَّب فِعل التَّجديدِ تغييرًا نوعيًّا في بنيةِ الخِطابِ وأولوياتِه، وموضُوعاته، ومن ثمَّ إعادة صيَاغةِ أطروحاتِه، وتجديدِ وتحديثِ تقنياتِ هذا الخِطَابِ ووسَائِله، والأهم مِن ذَلك تَطويرِ قُدراتِ حَامِلي هذا الخِطَاب ومنتجيه أيضًا؛ من أجل تلبيةِ احتياجات الفردِ والمجتمعِ في ظل الظروفِ الآنيَةِ…

الدكتور بليغ حمدي

مقدمة

 التجديد والحاجة إليه

تحتاجُ مجتمعاتنا العَربيَّة والإسلاميَّة إلى خطابٍ إسلاميٍّ جديدٍ، وليس مجرد التَّطوير في مظهرِه القَائم على فِكرةِ الطلاءِ الخَارجيِّ، وإنما يَتطلَّب فِعل التَّجديدِ تغييرًا نوعيًّا في بنيةِ الخِطابِ وأولوياتِه، وموضُوعاته، ومن ثمَّ إعادة صيَاغةِ أطروحاتِه، وتجديدِ وتحديثِ تقنياتِ هذا الخِطَابِ ووسَائِله، والأهم مِن ذَلك تَطويرِ قُدراتِ حَامِلي هذا الخِطَاب ومنتجيه أيضًا؛ من أجل تلبيةِ احتياجات الفردِ والمجتمعِ في ظل الظروفِ الآنيَةِ، والإحدَاثيات المُتسَارعَةِ الراهنةِ، واستجابة للتَّحديات التي تواجه المجتَمعَات العربيَّة، في سياقِ حركةِ تفاعلِها مع مَا يَجري حولها وفق مُعطَياتِ التَّثوير التُّكنُولُوجي من نَاحية، والتَّوجُّهَات المعرفيَّة المُعاصِرة من ناحيةٍ أخرى.

ولقد جَاءَتْ الشَّريعَةُ الإسْلاميَّةُ بِمدحِ التَّجديدِ، وبيان أهميتِه، بَل إنَّ نُصوصَ الشَّرعِ الشَّرِيفِ ـ نفسها ـ تؤكِّد ذلك المَعنى، ” فتَارة يحدِّثنا الشَّرعُ الشَّريفُ عن التَّجديدِ باعتباره أمرًا واجب التنفيذِ، ويحث عليه المسلمين وذلك في مقامِ الإيمان، فإنَّ الإيمانَ نفسه يبلى ويخلق ويحتاج إلى أن يجددَ في قلوبِ الموحدين، وذلك في قولِ النَّبي J لأصحابِهِ: (جدِّدُوا إيمَانكم)، قِيل يا رَسولَ الله: وكَيف نجدِّد إيمَانَنا. قال: (أكثِروا من قَول لا إله إلا الله)، وتَارة يُحدثنا الشَّرعُ عن التَّجديدِ في الدِّين باعتبار أنَّه نعمةٌ يَمُن الله بِها على هذه الأمةِ الخاتمةِ”.

ولِهذه الأسباب، دَعت الحَاجة إلى خطابٍ دينيٍّ بنائيٍّ وليس إنشائيًّا؛ يدفع حركةَ المجتمع عبر الفرز بين قيمِ التَّحلِّي وقِيم التخلِّي، ويسعى ـ هذا الخطابُ الدينيُّ ـ إلى إدراك سننِ التَّغيرِ الحضاريِّ، بحيث يعيد للإنسانِ المسلم دوره وفاعليته وحُضوره في حَركةِ المجتمعِ، وهذا الخِطابُ ينبغي أنْ ينبعَ أولاً من طبيعةِ الإسلامِ الذي ينطوي على دَعوةٍ مستدامةٍ إلى التَّجديدِ، والتَّجديدُ لا يعني تغيير جوهرِ الدِّينِ أو أصوله، وإنما يعني إعَادته إلى النَّقاءِ الذي كان عليه يوم نشأتِه؛ حيث الأصالة الفكرية لأركانِهِ وثوابتِه، عن طَريقِ تَجديدِ الإيمَان به والالتزام بتعاليمه الصحيحة بعيدًا عما قد يعتريها من لَغطٍ وشوائب، فَضلاً عن قدرتهِ على استيعاب مُستجداتِ العَصرِ وتَوجهاته المعرفيَّة المعاصرة، وما تحمله من قضايا لم تكن معروفة من قبل، وهي بذلك بحاجة إلى بيان وتوضيح موقف الدين منها.

لذا تجدر الإشارة إلى أن المقصودَ بالتجديدِ هنا هو تجديد الخطاب ِوالفكر الإسلاميِّ، ويحسن التَّمييز بين النَّصِ الدينيِّ من ناحية، والفكر والخطابِ الدينيِّ من ناحيةٍ أخرى. فالنص يتمثل في القرآنِ الكريمِ والحديثِ الشَّريفِ الصَّحيحِ والثَّابت وهما أصلان يتسمان بالثبات المطلق والأصالة، وهو نص يحمل بين طياته التجدد التلقائي، الأمر الذي يسمح له بالوفاء بالاحتياجات الطارئة والمستقبلية. أما الخطَاب الديني، فهو ما يتعلق بالفكر الذي اجتهد في استنباط أحكامه من النص الثابت، وهذا الخطاب هو أولى بالتجديد نظرًا لعوامل أعاقت تجديده وتطويره. ووفقًا لهذا، فإنَّ التَّجديدَ لا يعني المَساسَ بثوابتِ العقيدةِ والعباداتِ ونصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، إنما يعني إعمال العقل في المشكلات المعاصرة لاستنباط الأحكام الشرعية المُناسبة، والحلول الملائمة لوضع الأمة الإسلامية على طريق النهوض الحضاري.

أهمية قضية تجديد الخطاب الديني

ولا شك أن قضيةَ تجديدِ الخطابِ الدينيِّ تحتل أهميةً بالغةً في وقتنا الرَّاهن؛ نَتيجة لما يرتبط بهذا الخطاب من التباسٍ، وبما يكتنف بعضه من غُموضٍ قد يخرجه – أحيانا – عن جادةِ الصَّوابِ، من قبل فريقٍ يسعى جاهدًا بأدواتٍ فقيرةٍ استغلال قضية تجديدِ الخطابِ الدِّينيِّ للعبث بأصولِ الدِّين وثوابته وأعمدته الرَّئيسة، وفي مقابل هذا الفريق نرى فريقًا آخر يجلس على الشاطئ المقابل يرى أنَّ أية محاولةٍ لفتحِ بابِ التَّجديدِ هو خروج عن الإسلامِ ويجب مقاومته والتصدي له. بينما يشير البعض إلى ظهور تيارين في ظل تصاعد الحديث عن قضيةِ تجديدِ الفكرِ الدينيِّ؛ أحدهما يرفض الإصلاح عامة، واختار طواعية طريق العنف والتطرف والإرهاب، فقدم بذلك صورة سلبية ومسيئة عن الإسلام، والآخر تيار إصلاحي وسطي يسعى إلى تقديم خطابٍ دينيٍّ يؤكد على إعمالِ العقل، والتجديد المستدام وموافقة التغييرات المعاصرة، ويجعل من تجديد الخطاب الديني حتمية وسبيلاً للتعبير عن الإسلام الصالح لكل زمان ومكان.

أزمة الخطاب الديني المعاصر

ولكن الواقع يؤكد أن الخطاب الديني المعاصر رغم محاولات تجديده يعاني من أزمة حقيقية ترتبط بشكل وثيق بالأزمة الحضارية التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية؛ لذلك ترجع ضرورة تجديد الخطاب الديني إلى الحالة التي تعيشها مجتمعاتنا الإسلامية اليوم من انتكاسة أفقدتها الكثير من منهجيتها وصوابها؛ حيث انحسر شهودها الحضاري، وعجزت عن التقويم والمراجعة ومعرفة أسباب القصور، وتوقفت عن أداء رسالتها في الشهادة على الناس والقيادة لهم.

ويرى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أن التجديد خاصة لازمة من خواص دين الإسلام، نبه عليها النبي J في قوله الشريف: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها)، وهذا هو دليل النقل على وجوب التجديد في الدين، أما دليل العقل فهو ” أننا لو سلمنا أن رسالة الإسلام رسالة عامة للناس جميعًا، وأنها باقية وصالحة لكل زمان ومكان، وأن النصوص محدودة، والحادثات لا محدودة؛ فبالضرورة لا مفر لك من إقرار فرضية التجديد آلة محتمة لاستكشاف حكم الله في هذه الحوادث.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.