الذكر: فضائله ومراتبه وآدابه وهيئاته (4)

الذكر: فضائله ومراتبه وآدابه وهيئاته (4)

islam wattan . نشرت في المدونة 4327 لاتعليقات

يبيِّن الإمام أبو العزائم أن الأعمال المشتركة بين القلب والجوارح محصورة في أعمال بدنية خاصة، أو مالية خاصة، أو بدنية مالية:

ونتناول بالذكر هنا الأعمال البدنية المشتركة بين القلب والجوارح: فالصوم والصلاة وذكر الله القلبي فكرًا واستحضارًا ويقينًا ورغبة ورهبة وتعظيـمًا وخشية وخوفًا وطمعًا وحبًّا…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

بيان الأعمال المشتركة بين القلب والجوارح:

يبيِّن الإمام أبو العزائم أن الأعمال المشتركة بين القلب والجوارح محصورة في أعمال بدنية خاصة، أو مالية خاصة، أو بدنية مالية:

ونتناول بالذكر هنا الأعمال البدنية المشتركة بين القلب والجوارح: فالصوم والصلاة وذكر الله القلبي فكرًا واستحضارًا ويقينًا ورغبة ورهبة وتعظيـمًا وخشية وخوفًا وطمعًا وحبًّا، وغير ذلك من مقامات اليقين، والجهاد في سبيل الله بالنفس للمعدم، ومعاونة المسلمين بغير المال: كالعيادة وتشييع الجنائز وإماطة الأذى عن الطريق وقيادة الأعمى والمساعدة بالجاه ورد غيبة المسلم، وكطلب العلم وتعليمه، وحفظ القرآن المجيد، والصلح بين الناس، وكغض البصر عن العورات، والبشاشة وحسن الإصغاء والمخاطبة، وحمل أحوال الإخوان على أجملها، والإحسان إلى المسيء بالقول الحسن، والعفو وكظم الغيظ والصبر عند لزومه.

وحب المسلمين، وبغض أعمالهم المخالفة للسنة بغضا يجعله يكره العمل ويكره أن يقع فيه، وينفر منه، وتنـزعج نفسه من رؤيته أمامه ولو كان العمل ملائما للطبع ولذة عاجلة أو خيرًا فانيًا من حظ أو شهرة أو سيادة أو مال أو أصدقاء ما دام هذا العمل منهيًّا عنه شرعًا، فيكون لبغضه فيه متمثلاً قبح صورته، ومستحضرًا عاقبته، ومشاهدًا عقوبته، وعالمًا أنه رذيلة؛ لأن الشارع I حرَّمه.

ويبغض الكافر، وينفر منه بقلبه وجوارحه، اللهم إلا أن يتقي منهم تقاة، فالمداراة أسلم، وليحذر ذات الله من أن توقعه الملابسة والمجالسة في المجانسة، فيبوء بسخط الله وغضبه، نعوذ بالله من ذلك، وليستحضر قوله تعالي: )قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِـنَ الْمَيِّتِ

وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ( (آل عمران: 26 – 27)، استحضارًا يعلم به سبل النجاة من السقوط فيما يسلب الإيمان من القلوب ولو كانت الأبدان عاملة بالطاعات، قال J: (إنَّ اللهَ لا ينظر إلى صوركم ولا إلي أموالكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وإلى أعمالِكم) “مسلم وأحمد”، والمداراة إما طمعًا في تأليف للدين أو دفعًا لمضرة لا قبل له بها، وليس هذا بالدعوى فإن علام الغيوب لا تخفي عليه خافية.

ومن الأعمال البدنية: النظافة لله، وتحسين الهيئة تحدثًا بنعمته، وتعلم حرفة أو صنعة أو عمل يعمله ليستغني عن سؤال الناس بالله تعالي، ومنها تعلم السباحة والرماية والكتابة وتدبير النفس والمنزل حتي يكون عضوًا عاملاً في الجسد الإسلامي، مقتديًا بالسلف الصالح وإمامًا لمن بعده.

والأعمال البدنية الخاصة بالبدن لا تخفى على بصير، خصوصًا أعمال الفطرة كإعفاء

اللحية، وحف الشارب، وقص شعر الرأس، ونتف الإبط، وقلم الأظفار، وحلق العانة، والختان والخفاض، ونظافة الجسم، وغير ذلك، مع النية بأن هذا العمل لله تعالى اقتداء بسنة رسول الله J حتى يتشبه به صلوات الله وسلامه عليه بقدر الاستطاعة.

ذكر المملكة الإنسانية:

وهو أن تذكر كل الحقائق الموجودة فى الإنسان حتى يكون مذكورًا بعد أن كان ذاكرًا، وفي هذا يقول الإمام أبو العزائم: “إذا ذكر اللسانُ سكنت النفس، وإذا ذكرت النفسُ سكن القلب، وإذا ذكر القلبُ سكنت الرُّوح، وإذا ذكرت الرُّوحُ سكن السر، وإذا ذكر السرُّ سكنت نفخة القدس، وإذا ذكرت نفخةُ القدسِ ذكر الله تعالى”.

آداب الذكر:

وضع الإمام أبو العزائم للذكر آدابًا يتجمل بها السالك بحسب الزمان والمكان الذي يذكر فيه، وإليك بعض تفصيلها:

آداب الذكر باللسان

1- إذا كان في خلوة منفردًا:

فَالأوْلَى أن يكون على طهارة، وأن يكون مستقبل القبلة، وأن يكون له راتب معلوم، والأوْلَى أن يكون تلقنه من مرشد عالم، وأحب أن يكون على مزيد في كل ليلة ولو بزيادة كلمة، وأن يفتتح بالقرآن ويختتم بالقرآن، وبعد تمامه يغمض عينيه، ويستحضر أنه مأذون بهذا الراتب من المرشد المتصل سنده برسول الله J ليحصل له اتصال بوجهٍ بالمعية المحمدية، فتَرِد على قلبه لطائف الذكر، من فهم لمعاني الكلمات، أو فقه لأسرار الآيات، أو شهود لغيب المعاني، وبيان أسرار المغاني، أو ذوق مقامات المرشد، أو التجمل ببعض أحواله، وهذا كله دليل على حضور القلب وعلى ابتداء يقظته، ويكون ذكر اللسان في هذا الوقت مفتاحًا لذكر القلب.

2- إذا كان في المجتمع:

يلزم أن يكون المكان طاهرًا، وأن يكون بعيدًا عن الغوغاء والأسواق وأماكن اللهو، والأَوْلى أن تُفتتح مجالس الذكر أولاً بقراءة القرآن، ثم بالتهليل – أي: لا إله إلا الله -، بشرط المحافظة على اللفظ الوارد شرعًا، والتوسط في الصوت، ويكون المفتَتِح للذكر أخشعهم قلبًا، شديد الملاحظة لمعاني المذكور، حتى يمدهم بروحانية الذكر، وأن يكون شديد الحضور والمراقبة.

فإذا ظهر أن الذكر نبه القلب؛ يَكتفي بالتنبيه فيغير اللفظ، ويلزمه أن يتوسط فلا يطيل الذكر إطالة تخرج السالك عن حد الاعتدال، ولا يقصر تقصيرًا لا يبلغ به تنبيه القلب؛ لأن المراد من الذكر في المجتمع: الخروج من الغفلة وتنبيه القلب.

ويجب أن يراقب حفظ نظام المجلس، وتوحيد الكلمة، ومساواة الصوت والحركة، فإذا رأى أن أحد الإخوان وَجَد – يقال: بهِ وَجْدٌ؛ أي: اعتراه حال من الشغف والحب – يلزمه أن يغير الذكر لفظًا أو حركة، وإن وَجَد الجميع يلزمه أن يُجلسهم حفظًا لحالة التوسط، قال الله تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا( (البقرة: 143).

3- مراعاة المعاني القلبية:

ومن آداب الذكر أن يعتقد الذاكرون أنهم إخوان في الله، وأنهم اجتمعوا لله، وأنهم  ذكروا الله إما لفقرهم إليه سبحانه ليغنيهم، أو بتوبة ليغفر لهم، أو باضطرار إليه ليجيبهم، أو بشكر لنعماه ليزيدهم.

ولا تظهر تلك المعاني للقلوب إلا إذا نزع الله ما في صدورهم من غل لبعضهم، وقد يُحجب الإمداد عن الذاكرين لوجود رجل منهم سيئ السريرة أو حسود أو مفسد، قال الله تعالى: )وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً( (الأنفال: 25).

وعلى الإخوان في وقت الذكر وبعده أن يتناسوا حظوظهم وأغراضهم؛ لأن الذاكر جليس الله، قال الله تعالى: )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ( (البقرة: 152).

ويجب أن يكون الأخ الذي قدمه المرشد منظورًا بعين التعظيم؛ لأن المراد منه اجتماع الكلمة، فتقبل نصيحته، ويطاع أمره فيما هو واجب أو مندوب أو مستحب، وتُقبل معذرته إذا أخطأ واعتذر، ويُنَبَّه إذا نسي، وَيُذَكَّر إذا سها، ويُنصح إذا غفل بحالة مقبولة، والواجب عليه أن يكون حسن  الكلام، بشوش الوجه، محترمًا لجميع إخوانه معظمًا لهم، مسارعًا إلى خيرهم، أرحم بالواحد منهم من نفسه، يغض بصره عن عيوبهم التي لا تضر شرعًا، ويقبل اعتذارهم، ويجتهد في دوام الألفة والمحبة.

ويلزم أن يكون الذكر لغير غرض عاجل، من مال أو شهرة أو عناد أو تفرقة أو إرضاء للخلق أو طلب للدنيا، أو لإشهار عمل من أعمال الناس غير الذكر، فإن الذكر أفضل العبادات على الإطلاق إذا كان كاملاً بمعناه، قال الله تعالى: )وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ( (العنكبوت: 45)، وإنما يذكر العبد ليتقرب إلى المذكور سبحانه فكيف يعصاه بذكره ويبعد عنه بما يتقرب به إليه؟!، قال رسول الله J: (مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ طلب الدُّنيا بعمَلِ الآخرة)، وإنما هي النيات ولكل امرئ ما نوى.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.
 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.