الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (26)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (26)

islam wattan . نشرت في المدونة 1661 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن القرآن أثبت أن النبي J أب لجميع الصحابة والمؤمنين روحيًّا وإيمانيًّا وقلبيًّا وليس عصبيًّا، أي أبوة السبب وليست أبوة النسب، فهو J كان أبًا روحيًّا وقلبيًّا وعقليًّا لزيد، ولم يكن والده، أي لم يكن أبًا بشريًّا جسديًّا له. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول

الدكتور فاورق الدسوقي

مقدمة

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن القرآن أثبت أن النبي J أب لجميع الصحابة والمؤمنين روحيًّا وإيمانيًّا وقلبيًّا وليس عصبيًّا، أي أبوة السبب وليست أبوة النسب، فهو J كان أبًا روحيًّا وقلبيًّا وعقليًّا لزيد، ولم يكن والده، أي لم يكن أبًا بشريًّا جسديًّا له. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

ثانيًا: معنى لفظ (ابن) في اللغة العربية:-

أما بالنسبة للفظ الابن فقد قال الأصفهاني (وابن: أصله بَنَوٌ لقولهم الجمع أبناء وفي التصغير: بُنَيَّ قال تعالى: )قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ( (يوسف: 5)، وقال تعالى: )فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى( (الصافات: 102). وقال تعالى: )وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ( (لقمان: 13).

ويُسَمَّىَ الولد ابنًا لكونه بنَاءً للأب، فإن الأب هو الذي بناه وجعله الله بَنَّاءً في إيجاده، ويقال لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره هو ابنه، نحو فلان ابن حرب، وابن السبيل للمسافر، وابن الليل، وابن العلم…..، وفلان ابن بطنه وابن فرجه، إذا كان همه مصروفًا إليهما، وابن يومه إذا لم يتفكر في غده.. وهكذا.

وكما أن الشيخ المربِّي أو المعلم أبٌ روحي للمريد، أو أب عقلي للتلميذ فكذلك الابن يمكن أن يكون ابنًا روحيًّا لأستاذه أو شيخه، كما أن الولد ابن لوالده أيضًا، فالبنوة تصدق بالنسب وبالسبب أيضًا كالأبوة سواء بسواء.

ثالثًا: معنى لفظيْ (الوالد والولد) في اللغة العربية:-

قال ابن فارس في معجمه (الواو واللام والدال أصل صحيح وهو دليل النجل والنسل، ثم يُقاس عليه غيره، من ذلك: الوَلَد وهو للواحد والجميع، ويقال للواحد: ولد أيضًا. والوليدة: الأنثى، والجمع ولائد.

وتَوَّلد الشيء عن الشيء: حصل عنه، واللِّدة نقصانه الواو لأن أصله ولدة)([i]).

رابعًا: الفروق اللغوية بين الأب والوالد:-

يتضح لنا مما سبق أن الوُلْدِيَّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بولادة الولد عن والديْن نسلا، فلا يصح هذا الوصف إلاَّ للعلاقة النسلية والرابطة العصبية، ولا يصَحُّ نسبة الولد إلاَّ للذي جاء من صلبه.

والوالدة هي التي جاء الولد من رحمها، فهي رابطة رحمية عصبية ولا تصح هذه الرابطة إلا بهذا.

ويلحق بهذه الرابطة الرحمية رابطة الرضاعة حيث يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، لكن المرضع لا تصير والدة الطفل الذي أرضعته؛ لأنها لم تلده من رحمها، بل تصبح أمه في الرضاعة، وكذلك زوجها يصبح أباه في الرضاعة، وأبناؤهما هم إخوته في الرضاعة، إن كان ذكرًا تحرم عليه أخواته من الرضاعة، وإن كانت أنثى فيحرم زواجها من إخوتها الذكور من الرضاعة وهكذا، وهذا توسع في دلالة لفظ الأب ولفظ الأم ولفظ الأخ ولفظ الأخت من غير العصب، مع تحديد وقصر لفظا الوالد على الصلة الرحمية فقط، فرابطة الأبوة والبنوة تتباين عن علاقة الوالديْن بالولد، والعكس من هذا الوجه صحيح، إذ لا يلزم أن يكون الابن من نسل أو صلب الذي يتخذه أبًا، كما لا يلزم أن يكون الأب والدًا للذى اتخذه ابنًا.

فالوالد أبٌ لولده، والولد ابن لوالده، والوالدة أم لولدها وولدها ابن لها، والولد ابن أيضًا لوالديْه.

ولكن الأبوين ليسا بالضرورة والدين، كما أن الابن ليس بالضرورة وَلدًا لأبيه، أو لمن يقول له: يا أبي أو يا أبت.

ورب العزة I أقسم بوالد وما ولد فقال تعالى: )لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ( (البلد: 1 -4).

والوالد كل من يلد من ذكر أو أنثى والولد كل مولود من ذكر أو أنثى.

والقسم بوالد وما ولد، قسم بعظيم؛ لأن تناسل الأجيال بعضها من بعض أي خروج الولد من والدية، ثم تحول الولد إلى والد وهكذا، هو آية عظمى من آيات الله تعالى في الخلق.

ولأن الوالدين هما السبب الطبيعي الأكبر والأوحد للولد، ثم هما بعد ولادته يربيانه حتى ينمو ويكبر فهما أحق الناس بأن يكونا أبويه بجانب كونهما والديه، فالوالدان أبوان أيضًا، ولكن الأب أو الأم ليسا بالضَّرُورة والدين، فكل والدين أبوان، وليس كل أبوين والدين، وبالتالي فكل والد أب لولده، وليس كل أب والدًا لابنه، وكذلك كل والدة أم لولدها وليست كل أم والدة لمن يقول لها يا أمي أي لابنها.

ويقال في الأم أو الوالدة ما يقال في الأب والابن بالنسبة للأبناء والأولاد.

وقد كان للشيخ الأكبر سلطان العارفين سيدنا محي الدين بن عربي شيخة عمرها تسعون عامًا خدمها وتتلمذ عليها فكانت تقول له: إن أمك عائشة هي أمك الترابية وأنا أمك الروحية.

وخلاصة هذا البحث اللغوي: أنه ليس كل أب والدًا في حين أن كل والد أبٌ.

وكذلك ليست كل أم والدة في حين أن كل والدة أمٌ.

خامسًا: رابطتا الأخوة:-

وكذلك الأخوة رابطتان كرابطتيْ الأبوة فقوله تعالى: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ( (الحجرات: 10). تثبت أخوة روحية بجانب الأخوة الرحمية النسبية أي بجانب أخوة الأشقاء.

أما الروحية فهي أخوة الإيمان والعقيدة والدين أو الملة فقوله تعالى: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ( دليل على هذه الرابطة، ومثلها قوله تعالى: )وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (الحجرات: 12) فكل شقيق أخ وليس كل أخ شقيق.

([i]) ابن فارس/ معجم مقاييس اللغة/ مجلد 6 صـ143.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.