الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (37)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (37)

islam wattan . نشرت في المدونة 6485 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن تسلسل الأجيال بعضها من بعض على صعيد الجانب الوراثي الجسدي فقط يسمى سلالة، أما تسلسل الأجيال بعضها من بعض في الجانب الوراثي الجسدي والروحي التوحيدي الديني والاعتقادي معًا فلا يكون إلا بالاصطفاء.. وفي هذا المقال نواصل الحديث..

الدكتور فاورق الدسوقي

مقدمة

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن تسلسل الأجيال بعضها من بعض على صعيد الجانب الوراثي الجسدي فقط يسمى سلالة، أما تسلسل الأجيال بعضها من بعض في الجانب الوراثي الجسدي والروحي التوحيدي الديني والاعتقادي معًا فلا يكون إلا بالاصطفاء.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

الدليل القرآنيُّ القاطع والبرهان الساطع على أن والديْ إبراهيم r ماتا مؤمنين موحدين

وكأني بكثير من هؤلاء المتهوَّكين المتسارعين فى تكفير والدى النبي J يقولون إن كل ما هو فى هذا الباب من أدلة تثبت أن جميع آباء وأجداد كل نبي ورسول فى أى عصر من عصور التاريخ الإنساني بداية من والدي أي نبي إلى آدم A مؤمنون موحدون مهتدون ويمتنع فى حقهم أن يكون فيهم مشرك واحد، كأني بهؤلاء المتسارعين يقولون إن هذه الأدلة ينقضها جميعًا كفر وشرك آزر أبى إبراهيم الذي تبرأ منه إبراهيم r، وثبت كفره بل وموته على الكفر عدوًّا لله U بنصِّ القرآن الكريم.

كذلك ينقضها الحديثان المذكوران عن أبوي النبي J، وهما الموضوع الرئيس لهذه المقالات.

والرد الملجم على هذين الاعتراضيْن هو أنه قد جاء فى القرآن الكريم فيمن كان يناديه إبراهيم الخليل r، بقوله له: “يا أبت ” وهو آزر من الآيات المحكمات ما يثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أنه ليس والده، ولا يمس إيمان والديه من قريب أو بعيد، وأن أباه آزر هذا لم يكن والده، وكلامنا عن (ذرية بعضها من بعض) إنما يخص الأبوين الوالدينْ لكل نبي ورسول، وليس الأبوين فقط حسب الدلالات اللغوية لهذين اللفظين كما بسطنا فيهما القول بمقال سابق، فلا يمتنع أن يكون للرسول أو النبي عَمًّا كافرًا من أعمامه وهذا ينتهى بنا، إتمامًا للبيان، إلى أن نتساءل:

هل كان آزر والدًا لإبراهيم وأبًا له A؟

أم كان آزر أبًا له فحسب وليس والده ؟

الإجابة فى السياق القرآنى التالى :-

قال تعالى: )وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا( (مريم: ٤١ – ٤٥) فآزر إذًا هو أبو إبراهيم بصريح النص المحكم الدلالة لقوله تعالى: )إِذْ قَالَ لأَبِيهِ( وفى سورة الإنعام: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ( (الأنعام: ٧٤).

فالذى كان يناديه إبراهيم r بقوله: (يا أبت) هو أبوه بنص القرآن الكريم، وكان مشركًا بعبادته الأصنام هو وقومه، بل إن إبراهيم r قد حذَّره من أنه على وشك أن يصير وَليًّا للشيطان؛ لأنه كان ممن يصنعون الأصنام.

فهل كان أبوه آزر هذا والدًا أبًا لإبراهيم r أم كان أبًا له فقط وليس والدًا له r؟

الإجابة فى الآيات القرآنية الكريمة التالية :-

قال تعالى: )وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ( (الأنبياء: ٥١ – ٥٢) فقوله تعالى: )وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ( أى: فى وقت مبكر من عمره، قيل: إن عمره كان سبع سنين عندما قال هذا لأبيه وقومه، وقيل أكثر من هذا والله تعالى أعلم.

وقال تعالى أيضًا: )وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ( (الشعراء: ٦٩ – ٨٩) هذا السياق يثبت أن آزر أبا إبراهيم وقومه كانوا مشركين بعبادتهم الأصنام، ودعاء إبراهيم ربه U بأن يغفر لأبيه قد علّله بقوله: )لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ( أى: أن شركه هذا بسبب ضلاله عن الحق وجهله وعدم تبين الرشد له، وظن أنه لو تبين له لا تبع الحق والهدى، فدعا له بالمغفرة على هذا الرجاء.

وهذا يدل على أن دعاء إبراهيم لأبيه هذا كان فى مقتبل عمره إذ كان فى مقتبل عمره إذ كان يأمل أو يرجو إيمانه.

فماذا حدث بين إبراهيم وآزر بعد أن رفض آزر الهدى والحق والإيمان بالله تعالى وحده وآثر إتباع الشيطان مُصرٍّا على عبادة الأصنام؟! بل صناعتها والاسترزاق من بيعها؟!

حذره إبراهيم r بأنه يخاف عليه أن يصل إلى مرحلة الكفر القلبى ويصير للشيطان وليًّا، فلا يكون فيه أمل فى العودة إلى الإيمان، قال تعالى حاكيًا تحذير إبراهيم r لأبيه: )يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا( (مريم: ٤٥)، وهذا كله طبعًا كان بعد أن اصطفاه الله تعالى للرسالة وأنقذه من النار.

فماذا كان موقف آزر من هذا التحذير؟ )قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا( (مريم: 46 – ٤٧)

أى أنه وعده بأن يستغفر ربه U له متشفعًا له، وهذا دليل على أن إبراهيم r كان يأمل حتى هذه المرحلة من الصراع العقدى الذى بينه وبين أبيه آزر، أن يكون فى قلبه بقيه خير تقوده للعودة للإيمان، ومن ثم قال له: )وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا( (مريم: ٤٨)، والمعنى أنه بعد أن هدد آزر إبراهيم A بأن يرجمه إن لم ينته عن دعوته، وأمره أن يهجره مليًّا أى بهجرة أبدية، فهجره إبراهيم r وترك بلده وموطنه العراق إلى أرض فلسطين واعدًا إياه أن يستغفر له الله U متشفعًا له بمكانته عنده بدليل قوله: )إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(.

وفعلا استغفر إبراهيم ربه U لأبيه آزر وفاءً لهذا الوعد له، وعلى أمل أن يكون فى قلبه بقية إيمان تعود به إلى الحق وأسدل الستار على هذه المرحلة من حياة خليل الله إبراهيم r بعد أن ترك أباه آزر فى العراق وعاش هو فى فلسطين، لكنه بلا شك كان يتابع أخباره ويدعو له بالاستغفار على رجاء أو على أمل أن يعود للإيمان  حتى تبرأ منه، فمتى تبرأ إبراهيم من آزر وتوقف عن الاستغفار له ؟.

بعد أن مات آزر على شركه وعلم إبراهيم بموته من غير العودة للإيمان.  فقد (أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس في قوله تعالى: )فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ( (التوبة: 114)، يقول: لما مات على كفره)([i]).

([i]) عن الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام السيوطي رحمه الله المجلد الثالث صـ308 مطبعة الأنوار المحمدية.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.