الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (38)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (38)

islam wattan . نشرت في المدونة 7258 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن لا حجة للمتهوكين المسارعين في تكفير والدي النبي J تحت زعم كفر وشرك آزر أبي إبراهيم الذي تبرأ منه إبراهيم r، وثبت كفره بل وموته على الكفر عدوًّا لله؛ لأنه كان أبًا لإبراهيم وليس والدًا له.. وفي هذا المقال نواصل الحديث..

الدكتور فاورق الدسوقي

مقدمة

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن لا حجة للمتهوكين المسارعين في تكفير والدي النبي J تحت زعم كفر وشرك آزر أبي إبراهيم الذي تبرأ منه إبراهيم r، وثبت كفره بل وموته على الكفر عدوًّا لله؛ لأنه كان أبًا لإبراهيم وليس والدًا له.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

بقية: الدليل القرآنيُّ القاطع والبرهان الساطع على أن والديْ إبراهيم r ماتا مؤمنين موحدين

إذًا فالذي حدث هو أن إبراهيم قد علم أن آزر قد مات على ما شاب عليه من الشرك وعبادة الأصنام، حينئذ علم أنه مات وليًّا للشيطان وعدوًّا لله U، فتوقف عن الدعاء بالمغفرة له، بل وتبرأ إبراهيم r منه، ولم يعد يعتبر أنه أبوه كما كان، فالتبرؤ من الكفر والكافرين، أيـًّا كانت درجة قرابتهم للعبد الموحد هو من الأسس والأركان القلبية للإيمان بالله تعالى واحدًا لا شريك له.

وينبنى على هذا الأساس القلبى من أسس التوحيد الإسلامى، ألا وهو التبرؤ من الكافرين، ولو كانوا أولى قربى، ينبنى عليه رفض الاستغفار لهم، مادام قد تبين للعبد الموحد كفرهم، فلا يجوز الاستغفار لأحدهم حتى ولو كانوا آباءهم أو أمهاتهم وأشقاءهم، وقد نهى الله U فى كتابه الحكيم المحكم نهيًا صريحًا عن الاستغفار لهم بقوله U: )مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (التوبة: ١١٣ – ١١5).

فتدبر قوله تعالى ناهيًا نهيًا قطعيًّا صريحًا النبى J عن الاستغفار للمشركين وكذلك نهى المؤمنين عن الاستغفار لهم ولو كانوا من ذوى أرحامهم، وحتى يبرئ الله U إبراهيم r من المخالفة لهذا النهى أو بالأحرى من نقض هذا الأساس من الأسس القلبية للتوحيد الخالص، أثبت أنه، أى إبراهيم r، لم يكن يعلم، حين وعد أباه آزر بالاستغفار له أنه عدو لله U، ومن ثم كان استغفاره له تنفيذًا لوعده له، لكنه لما علم أنه مات ولم يؤمن، تبين له أنه عدو لله تعالى فتوقف وامتنع عن الاستغفار له وتبرأ منه بمقتضى النص الصريح للآية الكريمة.

ومن ثم نهى الله U نهيًا قاطعًا النبى J والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين حتى ولو كانوا من ذوى أرحامهم ثم عقب سبحانه بقوله : )وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (التوبة: 115)، والمعنى أن من يعود إلى موالاة أعداء الله U المشركين، ولو كانوا من أولى القربى، بأى صورة من صور الموالاة ورفض أن يتبرأ منهم، فإن الله تعالى يضله، ومن ثم بيَّن الله U للمسلمين فى كتابه وجوب التبرؤ القلبى من المشركين أعداء الله U وقصر الموالاة والتولى على الله ورسوله والمؤمنين فحسب، ومن أحكام هذا الولاء والبراء الاستغفار للمؤمنين، كما حرم الله تعالى على المؤمنين الاستغفار والدعوة بالرحمة للمشركين أو الكافرين، ولو كانوا أولى قربى، بل ولو كانوا آباءهم.

وهذا هو ما فعله إبراهيم r وأعلن تبرأه من آزر، وامتنع عن الاستغفار له.

فمتى كان هذا فى حياة سيدنا إبراهيم A؟

كان هذا فى عهد شبابه أو كهولته، لما مات آزر وتبرأ منه إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

فهل من المعقول أن يدعو إبراهيم لآزر بالمغفرة له ولوالدته، وهو أى إبراهيم فى عهد شيخوخته ؟ بالقطع لا.

هل يمكن أن يكون آزر هذا والد إبراهيم الذى تبرأ منه، وامتنع عن الاستغفار له فى شبابه أو كهولته، ثم هو يعود ويدعو له فى شيخوخته؟! بالقطع لا. وحاشا لله تعالى أن يكون فى كتابه هذا التناقض والتضارب.

وحاشا لإبراهيم r أن يطيع الله تعالى فى شبابه أو كهولته ثم يخالفه ويعصيه فى شيخوخته ؟

مالكم أيها المتنطِّعون، كيف تحكمون؟! ما لكم أيها المتهوِّكون المتسارعون فى والدى إبراهيم الخليل r؟! أفلا تعقلون؟!   إن دلالة لفظ الأب لا تصدق تمامًا وفى كل الأحوال على دلالة لفظ الوالد. حقًّا لقد كان آزر أباه لكنه لم يكن والده، كان أبوه لأنه كان عمه أو كان زوج أمه وبالنظر إلى أنه رباه، ولكنه لم يكن والده الذى حمله فى صلبه ثم خرج من صلبه، وأنجبه؛ لأن والده رحمه الله مات مؤمنًا ووالدته أيضًا ماتت مؤمنة، وبحسب سنته سبحانه فى النبوة )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ( فإن والدى إبراهيم كانا مؤمنين من ذرية مؤمنة رجوعًا إلى الوراء حتى نوح عليه الصلاة والسلام.

والدليل القاطع والبرهان الساطع والحجة الملجمة للمعارضة الآثمة دعاء إبراهيم لوالديه بالمغفرة فى شيخوخته بعد أن أنجب إسماعيل وإسحق على الكبر وأسكن إسماعيل بأمر الله تعالى وأمه مكة المكرمة ثم بنى الكعبة، قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ * الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ( (إبراهيم: ٣٥ – ٤١)، وسواء أكان هذا الدعاء، بعد أن أسكن إبراهيم A إسماعيل رضيعًا وأمه التى هى والدته D جميعًا عند بيته المحرم، أم كان هذا الدعاء بعد أن بنيا الكعبة، أى: هو وإسماعيل، بعد أن صار شابًّا فإن إبراهيم كان شيخًا كبيرًا فى السن فى الحالين، سواء هذا أو ذاك، فها هو إبراهيم r يدعو بعد بناء الكعبة المشرفة، على الأرجح هو وإسماعيل لنفسه ولوالديه وللمؤمنين بالمغفرة يوم يقوم الحساب.

فقوله: )رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي( دليل على أنه كان يرجو من الله أن تستمر سنة الله تعالى فى النبوة )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ( فى ذريته: أبناء وأحفادًا وأسباطًا إلى آخر الزمان، بحسب وعد الله تعالى له.

وقوله r: )رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ( برهان ساطع ودليل قاطع على أن أباه الذى هو والده، ليس هو آزر الذى تبرأ إبراهيم منه من قبل، وأن والده هذا لم يمت عدوًّا لله تعالى مثل آزر، وأنه وأمه التى هى والدته ماتا مؤمنين موحدين، كما هى سنة الله تعالى فى اصطفاء الرسل والأنبياء ذرية مؤمنة موحدة بعضها من بعض، فاستحقا أن يدعو لهما بالمغفرة.

إذًا فبحكم قطعى ونتيجة يقينية، لم يكن آزر هو والد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإن كان هو أباه؛ لأنه قد تبرأ فى شبابه من أبيه آزر، ودعا فى شيخوخته على الكبر لوالديه وللمؤمنين بالمغفرة.

فوالدا إبراهيم r كانا بالقطع مؤمنين موحدين شأنهما شأن والدى كل نبى ورسول حسب سنة الله تعالى فى اصطفاء الأنبياء والرسل )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ( فوالداه كانا من المجتبين المهتدين، وهذه السنة يؤكدها دعاء نوح لوالديه بقوله: )رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا( (نوح: ٢٨) فها هما والدا نوح A، الذى لم ينج معه فى السفينة إلا ثمانون مؤمنًا فى طول الأرض وعرضها ماتا موحديْن.

وهذه النتيجة التى تخص والدى إبراهيم سنستضيء بها فى موضوعنا الرئيس لهذا البحث:

ألا وهو: هل كان والدا النبى الأكرم J مؤمنين موحدين حنيفين بالفطرة على الأقل، فلا يصدق عليهما الحديثان، أم كانا، والعياذ بالله، مشركين مستحقين لعذاب النار، فيصدق عليهما الحديثان؟! الإجابة هى موضوع المقالات التالية بإذن الله تعالى وفتحه وتوفيقه.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.