الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (45)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (45)

islam wattan . نشرت في المدونة 11938 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن من لم يتولَّ الله ورسوله والمؤمنين، ومن لم ينتم قلبه ولسانه وفعله لحزب الله، فهو من أولياء الشيطان وعدو لله ولرسوله والمؤمنين، والعكس في هذا صحيح، إن لم يكن في الحالة الثالثة وهي حالة الضلال التي يحتاج صاحبها إلى من ينير له الطريق إلى الحق.. وفي هذا المقال نواصل الحديث ..

الدكتور فاورق الدسوقي

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن من لم يتولَّ الله ورسوله والمؤمنين، ومن لم ينتم قلبه ولسانه وفعله لحزب الله، فهو من أولياء الشيطان وعدو لله ولرسوله والمؤمنين، والعكس في هذا صحيح، إن لم يكن في الحالة الثالثة وهي حالة الضلال التي يحتاج صاحبها إلى من ينير له الطريق إلى الحق.. وفي هذا المقال نواصل الحديث فنقول:

بقية: الانتساب إلى الآباء ولاءً لهم وفخرًا بهم أو التبرؤ والانتفاء منهم إنكارًا عليهم وخجلاً منهم

بقية: ثالثًا- الولاء لأى واحد من دون الله أو لأى أمة أو جماعة من دون الله كفر وشرك بواح:

ومن ثم يَتَبَيَّن لنا لماذا لَمَّا وعد إبراهيم r أباه آزر أن يستغفر له لم ينهه الله عن هذا، كما حاول نوح A أن يستأذن الله فى الاستغفار لولده ونهاه ربه سبحانه وتعالى ووعظه أن يكون من الجاهلين، إذا استغفر له، وأخبره أنه ليس من أهله، وليس من حزب الله، وذلك بعد غرقه وموته كافرًا منافقًا، فاستغفر نوح ربه U، أما إبراهيم r فقد كان يظن أن آزر فى مرحلة الضلال، ومن ثم دعى له الله تعالى أن يغفر له، حتى لا يتحول منها إلى مرحلة الكفر وولاية الشيطان، وهذا ما كان يخشاه عليه إبراهيم A بقوله: )يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا( (مريم: ٤٥) فقول إبراهيم r هذا لآزر دليل على أنه كان يظن أنه لم يصل بعد إلى حالة ولاية الشيطان ومن ثم وعده بالاستغفار له، فلما تَبيَّن بعد ذلك أنه قد تحوَّل إلى الكفر بعد أن مات بلا توبة، وتسَفَّل إلى مرحلة ولاية الشيطان، وتبيَّن له أنه عدو لله U حينئذ وجب عليه التبرؤ منه قال تعالى: )وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ( (التوبة: ١١٤) فالتبرؤ دليل الكراهية والبغض والبراء نقيض الولاء النابع من الحب.

وحيث الولاء نابع من الحب والود معًا، والبراء نابع من البغض والمفاصلة، فإن الإيمان بالله ورسوله الذى هو حبهما أشد مما سواهما، حُبًّا يورث فى القلب الانتماء إليهما وللمؤمنين، والولاء لهما وللمؤمنين، والكراهية والبغض لأعدائهما، والتبرؤ منهم، أى من حزب الشيطان حتى لو كان هذا العدو هو الوالدة أو الوالد أو الولد أو الشقيق وكل ذى رحم آخر من الأرحام قرب أو بَعُدَ.

فليس ثَمَّ إيمان بالله تعالى إلا بالولاء والانتماء لحزب الله أمةً وأفرادًا، وإلا ببراء وعداء لحزب الشيطان أممًا وأفرادًا، فالإيمان بالله U ورسوله J هو فى نفس الوقت الولاء لهما وللمؤمنين، وفى نفس الوقت هو كفر بالطاغوت وعداء وبراء من حزب الشيطان ومن كل المشركين والكافرين والملاحدة، فالولاء لحزب الله والبراء من حزب الشيطان، وجهان لحقيقة واحدة هي الحب الأشد لله تعالى ولرسوله J، والبغض والمقت الأشد للطواغيت والأبالسة والشياطين، وأيضًا بتعبير آخر أقول أن الولاء لحزب الله، والبراء من حزب الشيطان وجهان لصفحة الإيمان الناصعة.

والود والتواصل والتراحم فرع من تصور الولاء، والقطيعة والإقصاء والمفاصلة فرع من تصور البراء؛ لأن الولاء فرع الحب، والود فرع الحب والولاء معًا، ومن ثم فلا مودة من مؤمن لكافر معادى محارب لله ولرسوله وللمؤمنين، بخلاف الضال الذى قد يحتاج إلى بيان الرشد من الغى له، فلا يُحرِّم الإسلام التعامل معه بُغْية دعوته إلى دين الله U وإسماعه كلام الله تعالى، فإذا تبيَّن إصراره على العناد ورفض الرشد وركب هواه وجبت مقاطعته وتحريم وصله ووجبت المفاصلة معهُ.

ومن ثم قال تعالى نافيًا أن يوجد قوم يؤمنون بالله وباليوم الآخر إلاَّ وهم يرفضون مودة ومعاشرة أعداء الله U المحاربين لدينه: )لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ( (المجادلة: ٢٢).

فليس ثمَّ مؤمن واحد فى قلبه مودة أو مجرد أمنية طيبة لأعداء الله U، ولو كانوا عشيرته، وحتى لو كان هذا العدو أباه أو شقيقة أو أمه أو من ذوى أرحامه، والأموات منهم كالأحياء سواء بسواء.

ألَمْ تر إلى تبرئ إبراهيم r من أبيه أنه كان بعد موته؛ لأنه لم يعلم أنه عدو لله تعالى إلا بعد أن مات على دينه الوثني الشركي، قال السيوطي فى تفسيره [وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة فى قوله: (فلما تبين له أنه عدو لله) قال: تبين له حين مات وانقطعت منه التوبة، وهذا المعنى منسوب لابن عباس أيضًا]([1]).

وألم تر إلى توقف نوح عن الدعاء لولده واعتباره من غير أهله؟

بل إن المؤمن الموحِّد ليتبرأ من كل هؤلاء ويفاصل بينه وبينهم ويعاديهم لمعاداتهم الله ورسوله والمؤمنين حتى بعد موت هؤلاء الكافرين.

أما من لم يكن منهم محاربًا لحزب الله ولا معاديًا، ويتخذ موقفًا حياديًّا بين الحزبيْن المتصارعين حزب الله وحزب الشيطان، فإن مثل هذا لا يطاع أبًا أو أمًّا أو شقيقًا أو عشيرة فى معصية الله تعالى كما لا يَحْرُم التعامل معهم ووصلهم وإحسان المعاملة لهم لعلهم يسمعون الهدى منه فيهديهم الله تعالى على يديه، فهو ضال وُيدْعَى له بالهداية والتوبة.

ومن مات من أب أو أم أو أخ أو أخت أو أى ذى رحم أو عشيرة وهو كافر أو مشرك، معلنًا من غير مواربة أنه عدو لله U، فلا يجوز الانتساب إليه والافتخار بأبوته، والمباهاة بقرابته، بل يجب على المؤمن التبرؤ منه كما تبَّرأ إبراهيم r من أبيه آزر، لما تبيَّن له أنه عدوُّ لله U ولم يَتَبيَّن له كفره إلا بعد موته من غير إسلامه وتوبته.

وهذا أصل من أصول الإيمان ومخالفته ليست معصية فحسب بل هى من نواقض التوحيد.

([1]) الدر المنثور للسيوطي 3/308.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.