الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (51)

الصلاة والسلام على والدي خير الأنام (51)

islam wattan . نشرت في المدونة 16352 لاتعليقات

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن سيدنا إبراهيم A لم يبشر بإسحق إلا بعد أن أتم الابتلاءات التي كان أشدها ذبح ابنه بكره وحيده إسماعيل، فغيَّر الله تعالى اسمه إلى إبراهيم بعد أن كان إبرام؛ لأن معنى إبراهيم في لغته أبو الأرحام، فجعله الله إمامًا للناس إلى آخر الزمان.. وفي هذا المقال نواصل الحديث..

الدكتور فاورق الدسوقي

بيَّنَّا اللقاء الماضي أن سيدنا إبراهيم A لم يبشر بإسحق إلا بعد أن أتم الابتلاءات التي كان أشدها ذبح ابنه بكره وحيده إسماعيل، فغيَّر الله تعالى اسمه إلى إبراهيم بعد أن كان إبرام؛ لأن معنى إبراهيم في لغته أبو الأرحام، فجعله الله إمامًا للناس إلى آخر الزمان.. وفي هذا المقال نواصل الحديث، فنقول:

بقية: الانتساب إلى الآباء ولاءً لهم وفخرًا بهم أو التبرؤ والانتفاء منهم إنكارًا عليهم وخجلاً منهم

بقية: خامسًا – الذبيجان عبد الله ابن عبد المطلب وإسماعيل بن إبراهيم C والنبي J يباهي بأنه ابن الذَّبيحيْن

ومن ثم لم ينكر رسول الله J على الأعرابي قوله له: (يا ابن الذبيحين) بل سَّره أن يقول له هذا مُقِرًّا باقتران عبد الله ابن عبد المطلب بإسماعيل D فى هذا الشرف العظيم، وهذا لا يكون إلا إذا كان عبد الله أهلاً لهذا الاقتران، فهذا الذبيح عبد الله إن لم يكن من المصطفيْن كإسماعيل A فهو بلا شك من الذين اجتباهم الله تعالى وهداهم بدليل قوله تعالى: )وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ( (الأنعام: ٨٧) فقد أخرج الحاكم فى المستدرك قال: (حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ثنا إسماعيل بن عبيد بن عمر بن أبى كريمة الجرانى ثنا عبد الرحيم الخطابي ثنا عبد الله العتبيى ثنا عبد بن سعيد الصناجى قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبى سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحق ابنيْ إبراهيم، فقال بعضهم:

الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحق الذبيح. فقال معاوية: سقطتم على الخبير: كنا عند رسول الله J، فأتاه إعرابي فقال: “يا رسول الله خَلَقَتِ البلادُ ويَبِسَ الماءُ وهلكَ المالُ، وضاعَ العيالُ، فَعُدْ علىَّ بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين”.

فتبسم رسول الله J، ولم ينكر عليه، فقال: يا أمير المؤمنين: وما الذبيحان؟

قال: إن عبد المطلب لما أُمِرَ بحفر زمزم نذر لله إن سَهَّل الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم، فأسهم بينهم فخرج السهم لعبد الله فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بنى مخزوم، وقالوا: أرضِ ربك وافد ابنك!

قال: ففداه بمائة ناقة.

قال: فهو الذبيح الأول وإسماعيل الثاني)([1]).

إن جميع كتب السيرة وكل الروايات الواردة فى قصة ذبح عبد الله تصرح أن عبد المطلب أخذ عبد الله من يده ليذبحه وفاء لنذره فانصاع له دون أدنى مقاومة مستسلمًا راضيًا، ولسان حاله يقول: )يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ( (الصافات: ١٠٢) فاقترن عبد الله بنبى الله إسماعيل.

ومن ثم استحق أن يُسَمَّى ذبيحًا كما سُمِّى إسماعيل الرسول النبي A ذبيحًا، ومن ثم لم ينكر رسول الله J على الأعرابى مدحه J بهذا الوصف الذى ليس لأحد من الأنبياء ولا من المرسلين، ولا نوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى D، حتى ولا يكون ابنًا لذبيح واحد، فهو وحده وليس غيره J ينفرد بهذا الشرف؛ لأن لأبناء وأحفاد إسماعيل الاثنى عشر أن يفتخروا أنهم أبناء الذبيح إسماعيل، ولكل ذرية إسماعيل أن يباهوا غيرهم بأنهم من ذرية الرسول النبى إسماعيل الذبيح صلوات الله عليه، لكن ليس لأحد غير رسول الله J فى العالمين أن يباهى بأنه ابن الذبيحين.

فهو إذًا J باهى بأبيه عبد الله كما باهى بأبيه وجده إسماعيل A، فهل يباهى ويسر رسول الله J أن يمدح بأنه ابن الرسول النبى إسماعيل الذبيح A وابن عبد الله الذبيح والثانى يكون مشركًا وليس مسلمًا وليس موحدًا حنيفيًّا؟، وهل يكون بهذا عبد الله من أهل النار؟ حاشا لله أن لا يتبرأ رسول الله ممن كان من المشركين أعداء الله حتى ولو كانوا من أقرب الناس إليه J، وهو أسوة الخلق جميعًا فى معرفة الله U وتوحيده سبحانه وما يستوجبه التوحيد من ولاء وبراءً. ولم يكن J، وهو الحبيب وهو الخليل وهو الكليم وهو الصفى، وهو نبى الأنبياء وهو رسول الرسل J وإمامهم أقل من الخليل إبراهيم r الذى قال الله I فيه: )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ( (الزخرف: ٢٦) وقال تعالى أيضًا: )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ( (الممتحنة: ٤). وقوله تعالى أيضًا: )مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (التوبة: ١١٣ – ١١٥).

فالتبرؤ من المشركين أهل النار أحياء وأمواتًا حتى الآباء والجدود مبدأ رئيس من مبادئ التوحيد الإسلامى، وهو يتنافى ويتناقض مع الانتساب إليهم. ولكنا وجدنا النبى J ينسب نفسه لعبد الله وعبد المطلب، ولكل جدوده حتى إسماعيل مُبَاهِيًا بكونه هاشمى الأب وأمه من بنى زهرة، فكيف يكون فى جدوده لأبيه أو لأمه مشرك واحد؟ هذا من المحال.

ونحن مثلاً أهل مصر، لا يجوز لنا أن ننسب أنفسنا للفراعنة المتألهين إن كانوا من جدودنا وإنما نتبرأ منهم، ونتبرأ من كل المشركين الذين عبدوا الملوك الفراعنة أى الملوك المتألهين؛ لأن معنى (فرعون) الملك الإله وعبدوا الأوثان وعبدوا العجل، وننتسب إلى الجدود الموحدين منهم فقط، ولا شك أن فى تاريخ مصر القديم فترات إيمانية توحيدية إذ أرسل الله تعالى لهم فيها رسلاً لقوله تعالى: )إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ( (فاطر: ٢٤) فأنا – باعتبارى مصريًّا – أتبرأ من كل عصر كفر وشرك فى تاريخ مصر، وانتسب وأفتخر بالملوك الموحدين كإختاتون مثلاً وغيره الكثيرون.

والخلاصة: أن الانتماء والانتساب والولاء لأمة مشركة أو كافرة أو وثنية حاضرة أو لها تاريخ وثنى شركى، هذا الولاء لها والانتساب إلى أجيالها القديمة أو المعاصرة يحمل هذا الموالى لها والمنتمى لهذه الأمة كل جرائمها ووثنياتها القديمة والمعاصرة، ومن ثم يكون العذاب الأبدى مصيره معها فى الآخرة.

ولهذا قال تعالى لمن آمن ويجعل ولاءه لليهود والنصارى بأنه يكون منهم قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ( (المائدة: ٥١).

([1]) المستدرك للحاكم برقم 4036 تحت عنوان: ذكر إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.