الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (5)

الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (5)

islam wattan . نشرت في المدونة 1344 1 تعليق

 إن التصوف أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان (وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه مسلم في صحيحه، وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله، أي الوصول إلى معرفته والعلم به.

الدكتور محمد الإدريسي الحسني

بقية: التقديم

هنا أقول أن التقوى لا تعني فقط معرفة الحق بل الالتزام به، أي تربية النفس على ما عرفت من الحق وإلزامها به، تحقيقًا للعلم اللدني الذي لا يتحقق إلاّ بالتقوى: )وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ( (البقرة: 282)، وذكر ابن كثير المفسر والمحدث والمؤرخ المعروف في كتابه البداية والنهاية: (13/110) في ترجمة الموفق ابن قدامة الحنبلي الصوفي صاحب المغني – الذي يعدّ مصدرًا مهمًّا من مصادر الفقه الحنبلي – ما نصه: ( وكانت له أحوال ومكاشفات). ونصّ الحافظ الذهبي أن ابن قدامة ممن سلك طريق التصوف على العارف بالله عبد القادر الجيلاني كما فسر أعلام النبلاء (22/166) وذكر نحو كلام ابن كثير.

وأما ابن تيمية فقد أثنى على أئمة التصوف في أكثر من موطن في الفتاوى (10/516-517) حيث يقول وبالحرف الواحد: أما المستقيمون السالكون كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد البغدادي وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني – قدس الله روحه- والشيخ حماد أبي البيان . (وأضيف) (وأضيف من عندي كذلك الشأن عند الشيخ أحمد زروق والشيخ عبد السلام الأسمري الفيتوري الإدريسي والشيخ أحمد التيجاني والشيخ محمد ماضي أبو العزائم والشيخ الخدّيم أحمد بمب، والشيخ أحمد بن إدريس وغيرهم من المتأخرين) فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج من الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، ومن هذا الكثير في كلامهم . وقد ذكر في كتابه شرح حديث النزول (ص 352-353) ما نصه: (الجنيد 0 سيّد الطائفة، إمام هدى) إلى أن قال: (ومن خالفه فمن أهل الضلال) كما ذكر في الجزء العاشر من الفتاوى (ص 686)، (وكان 0 سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليمًا وتأديبًا وتقويمًا) اهـ.

فمن هذه النصوص السابقة تبين لنا أن التصوف ليس مستنبطًا من أصول لا تمت إلى الإسلام بصلة، ولا منتسبًا إلى أصول غير إسلامية وعربية، كما يزعم أعداء الإسلام من المستشرقين وتلامذتهم الذين ابتدعوا أسماء مبتكرة، فأطلقوا اسم التصوف على الرهبنة البوذية، والكهانة النصرانية، والشعوذة الهندية، فقالوا: تصوف بوذي، وتصوف هندي، وتصوف نصراني، وتصوف فارسي، يريدون بذلك تشويه اسم التصوف من جهة، واتهام التصوف بأنه راجع في نشأته إلى هذه الفلسفات الضالة، وإشغال المسلمين بالأسماء عن المسميات، وبالقشور عن اللبّ والجوهر، مع أن ذلك قد نفاه وأنكره بعض المستشرقين أنفسهم، حيث ذكر المستشرق نيكلسون نقلاً عن المستشرق (نولدكه) منكرًا أن تكون الكلمة راجعة إلى أصل يوناني أو بوذي أو غيره، ثم قال: لا يوجد دليل إيجابي يرجع افتراض أن الكلمة مشتقة من الأصل اليوناني (صوفوس، أو صوفيزم) ومعناها بلغتهم (الحكمة)، في حين أن نسبتها إلى الصوف تؤيدها نصوص من أقوال الكتاب المسلمين أنفسهم. فهذا هو الحق الذي ليس عنه محيص، وليس بعد الحق إلا الضلال. لذلك وجب على كل مؤمن مخلص أن ينصح المؤمنين بالتحري مما يقرؤون ويسمعون وأن يعرفوا الحق ليعرفوا الرجال، كما قال علي A: (نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال). فينبغي علينا ألا نسم تلك الطائفة الطاهرة بما نراه في زماننا هذا من التستر خلف تلك الطائفة، فقد حذّر الإمام ابن حجر الهيثمي رحمه الله وغيره من أولئك المتسترين تحت عباءة الرجال، تسموا باسمهم، وليسوا منهم في شيء، بل هم في غرور وباطل وغلط، يتسترون باسم الصوفية توقيًا تارة، ودعوى أخرى. وبعض هؤلاء ينهجون منهج أهل الإباحة ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى الله، وأن الترسم بمراسم الشريعة رتبة العوام، وهذا هو عين الإلحاد والزندقة، إذ كل حقيقة ردتها الشريعة زندقة، وبعضهم يقول بالحلول، ويزعمون أن الله تعالى حلّ فيهم، ويحل في أجسامهم مصطفيها، ويسبق إلى فهومهم معنى من النصارى في اللاهوت والناسوت، تعالى الله أن يحل في شيء أو يحلّ به شيء، ومنهم من يستحل النظر إلى المحرمات إشارة إلى هذا الوهم، وبعضهم يزعمون أنهم مجبورون على الأشياء لا فعل لهم مع الله، ويسترسلون في المعاصي وكل ما تدعو إليه النفوس، ويركنون إلى البطالة ودوام الغفلة والاغترار بالله، والخروج من الملّة وترك الحدود والأحكام والحلال والحرام، وقد سئل سهل 0 عن رجل يقول أنا كالباب لا أتحرك إلا إذ حرك، فقال: هذا لا يقوله إلا أحد رجلين إما صديق إشارة إلى أن قوام الأشياء بالله مع إحكام الأصول ورعاية حدود العبودية، وإما زنديق إحالة للأشياء على الله، وإسقاطًا للوم عن نفسه، وانخلاعًا عن الدين ورسمه. اهـ كما في الفتاوى الحديثية.

وبعد هذا تبين لنا الحق من الباطل، فعلى كل جاهل بأمر هذه الطائفة أن يحسن الظنّ فيهم، فقد تضافرت أقوال أهل العلم أن من لا يحسن الظن فيهم يخشى عليه من سوء الخاتمة. والعياذ بالله.

وخلاصة لما تقدم نقول:

إن التصوف أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان (وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه مسلم في صحيحه، وهو منهج أو طريق يسلكه العبد للوصول إلى الله، أي الوصول إلى معرفته والعلم به،  (قال ابن عطاء الله السكندري في الحكم العطائية: وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربُّنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء)، وذلك عن طريق الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتربية النفس وتطهير القلب من الأخلاق السيئة، وتحليته بالأخلاق الحسنة. وهذا المنهج يقولون أنه يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فهو علم كعلم الفقه له مذاهبه ومدارسه ومجتهديه وأئمته الذين شيدوا أركانه وقواعده (كغيره من العلوم) جيلاً بعد جيل، حتى جعلوه علمًا سموه علم التصوف، وعلم التزكية، وعلم الأخلاق، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده.

ومن أشهر هذه الكتب: قوت القلوب للشيخ أبو طالب محمد بن علي ابن عطية الحارثي المكي، والحِكَم العطائية للشيخ ابن عطاء الله السكندري، وقواعد التصوف للشيخ أحمد زروق، وإحياء علوم الدين للإمام الغزالي، والرسالة القشيرية للإمام القشيري، والوصية للشيخ عبد السلام الفيتوري الإدريسي الحسني، وكتاب العقد النفيس في نظم جواهر التدريس للشيخ أحمد بن إدريس الميسوري الإدريسي، وكتاب من جوامع الكلم للإمام محمد ماضي أبي العزائم وغيرها.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    درر بهية وعلوم نورانية اكرمك الله بالصحة والعافية

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.