الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (31)‏

الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (31)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 11444 1 تعليق

يحتل موضوع التصوف أهمية كبرى في حياتنا الفكرية المعاصرة، وقد اختلفت آراء الباحثين في تصوف العصر الحديث، حيث رأى أهل الإنصاف من البحاث الموضوعيين فيه عنصرًا إيجابيا في توجيه الحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية وخاصة في الدعوة إلى تزكية النفس والدفاع عن الأصول والثوابت والقيم وبث الحماسة في الجماهير التي انقادت لمشايخ المتصوفة…

الدكتور محمد الإدريسي الحسني

دور متصوفة شمال إفريقيا في الدفاع عن مصالح الأمة

يحتل موضوع التصوف أهمية كبرى في حياتنا الفكرية المعاصرة، وقد اختلفت آراء الباحثين في تصوف العصر الحديث، حيث رأى أهل الإنصاف من البحاث الموضوعيين فيه عنصرًا إيجابيا في توجيه الحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية وخاصة في الدعوة إلى تزكية النفس والدفاع عن الأصول والثوابت والقيم وبث الحماسة في الجماهير التي انقادت لمشايخ المتصوفة، في حين رأى فيه المغرضون كثيرًا من ألوان السلبية التي انحصرت في بعض النماذج من الطرقية المتخلفة المناقضة للتصوف الحقيقي في تعميم لا يستقيم عند الباحث المتأمل لوقائع التاريخ وأحداثه. إلا أنه ونتيجة لتطور مناهج البحث الذي أضحى أكثر دقة وموضوعية في الآونة الأخيرة، بدأت تبرز دراسات محكمة كانت سببا في عودة الاتجاه الصوفي بقوة إلى الواجهة، وبدء انهيار تلك الصورة القاتمة التي كانت تقدم حول هذا التيار الفكري الراقي، من التيارات التي عرفها الفكر الإسلامي طيلة عهود طويلة من الزمن. وذلك بعد سقوط الأنظمة المناوئة لهذا الاتجاه، وفشل الحركات السلفية في قيادة المجتمعات الإسلامية. حتى باتت هذه المسألة من أهم القضايا المحورية التي يدور حولها النقاش حاليًا بين المفكرين المسلمين وغيرهم، فقد اعتنق الكثير من الغربيين الإسلام عن طريق التصوف الإسلامي، وأصبح التصوف اليوم هو المظهر الرئيس للإسلام بالنسبة لكل باحث منهجي موضوعي يبحث في أحوال المسلمين وحضارتهم، وأن الكثير من الدراسات حول الحضارة الإسلامية، منصبة حصرًا على التيار الصوفي دون غيره، وأكثر المفكرين والفلاسفة مقروئية لدى الغربيين هما ابن عربي وجلال الدين الرومي، وهما من أقطاب التصوف الإسلامي. يقول المستشرق الفرنسي المسلم “إريك جيوفروي” أستاذ التصوف بجامعة لوكسمبورج الفرنسية: “أن المستقبل في العالم الإسلامي سيكون حتمًا للتيار الصوفي”. ويرى أيضًا أن الصوفية قد مارسوا السياسة في أحيان كثيرة كما مارسوا أدوارًا ثقافية واجتماعية، “ثم إننا يمكن أن نلحظ أن هناك مدًّا جديدًا من الأجيال الجديدة يعي الأبعاد الاجتماعية للصوفية”. والملفت للنظر أن الكثير من البحاث الغربيين باتوا يدركون التأثير الصوفي على مفكري عصر النهضة الأوربي، فبدأت تبرز دراسات تتحدث عن تأثر ديكارت في منهجه المبني على الشك بفكر حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وتأثر من يرونه منظرًا للديمقراطية الليبرالية الحديثة سبينوزا في رؤيته لوحدة الوجود بالشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي وغيرهم.

من خلال هذه المنطلقات والمعطيات أردنا الخوض في هذا الموضوع، وأن نبحث في سبب احتلال هؤلاء الصوفية هذه المكانة الرفيعة، ونرى ماذا قدم التصوف والصوفية للمجتمع الإسلامي؟، وما الذي يمكن أن يقدمه لحل أزمة العقل المسلم المعاصرة، وهل اقتصر دور المتصوفة فقط على التحرير الذاتي، وتطهير النفس من الأهواء؟، وهل مكثوا في زواياهم يرددون اسم الله الأعظم ويبحثون عن غوث الزمان، غير ملتفتين إلى ما يجري حولهم من تطورات وتغيرات؟ كما يرى بعض الناس. أم أنهم سعوا إلى تغيير واقعهم والمحيط الذي يعيشون فيه، وخدموا مجتمعاتهم عند اشتداد الأزمات وقادوها إلى بر الأمان. إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات يتطلب أبحاثا ودراسات جادة ومعمقة سيحاول من خلالها الإجابة على كثير من الأسئلة الكبرى والمهمة علماء الصوفية. وسنذكر هنا بعضًا من ملامح المتصوفة وتأثيرهم في منطقة الشمال الإفريقي بإيجاز شديد.

كانت أحوال المتصوفة هي السمة الغالبة على مجتمع الصحابة أيام الرسول o من نقاء وطهر وإخلاص وزهد، ناهيك عن مقاماتهم العلية، وأي مقام أعلى من صحبة خير البشر o، فقد كان عصره ربانيًّا مباركًا. وسيلاحظ المدقق في الحياة الاجتماعية الناتجة عن الفتوحات الإسلامية الممتدة، الحال التي تداعت له أحوال المسلمين بعد انتشار دولتهم وإقبال الدنيا عليهم، وانغماس الكثيرون منهم في إشباع الرغبات والشهوات فتبدلت أحوالهم وتدنت مقاماتهم، عندها ظهر المتميزون بمجاهدة أنفسهم الحريصون على الإقتداء بحياة الرسول صلى الله عليه وصحبه المتأملون في ملكوت الله المصرون على التقوى، فتميزوا بين الناس فرادى أول الأمر مثل أويس القرني وغيره، ثم ظهر التصوف في التاريخ الإسلامي كمنحى فكري نظري بداية من القرن الثالث الهجري، وذلك في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، على أيدي رجال شهد لهم الأعداء قبل الأصدقاء بالعلم والفضل والصلاح، وأرسوا قواعد هذا التيار الحديث النشأة، ورسموا له الأسس المنهجية التي بني عليها ولا تزال إلى الآن المصادر الأساسية لهذا العلم. وقد تنوع الاتجاه الصوفي بين المدارس التربوية الذاتية، مثل مدرسة الجنيد البغدادي، وذي النون المصري، والمدارس الإصلاحية الاجتماعية مثل مدرسة الحلاج. وفي نهاية القرن الثالث الهجري، بدأ المتصوفة ينظمون أنفسهم طوائفًا وطرقًا يخضعون فيها لنظم خاصة بكل طريقة، وكان قوام هذه الطرق طائفة من المريدين يلتفون حول شيخ مرشد مربي يسلكهم ويبصرهم على الوجه الذي يحقق لهم كمال العلم وكمال العمل، كما نجد ذلك في بغداد في العصر العباسي الأول عند فرقة “السقطية” نسبة إلى السري السقطي و”الطيفورية” نسبة إلى أبي يزيد طيفور، و”الخرازية” نسبة إلى أبي سعيد الخراز و”المحاسبية” نسبة إلى الحارث المحاسبي. فانتقل بذلك التصوف وتطور من ظاهرة أو مسألة فردية بين الإنسان وربه إلى ظاهرة اجتماعية منظمة كثر رجالها وأتباعهم كثرة ظاهرة، ومع تطور التصوف العملي وانتشار الظاهرة الصوفية لدى الأوساط الشعبية، كثر عدد الأتباع ، والتحم المريدون بالشيخ ونسجوا حوله هالة من التقديس والتبجيل، وبدأت تظهر الطرق الصوفية بشكلها المتعارف عليه الآن. وأول ما عرف العالم الإسلامي من الطرق: الطريقة القادرية، والمدينية، والرفاعية، والشاذلية، والخلوتية. وكان من أوائل وأحد أوتاد الطريقة الصوفية في شمال إفريقيا: الشيخ أبو مدين شعيب بن الحسن الأندلسي، وقد عرفت طريقته “المدينيـة” شهرة واسعة وأتباعًا كثيرين، في مختلف أنحاء الشمال الإفريقي، وازدادت شهرة على يد تلميذه عبد السلام بن مشيش (ت 665ﻫ 1228مسيحي)، ثم ازدادت نشاطًا وأحياها من بعده شيخ الطائفة الشاذلية وتلميذ ابن مشيش: “أبو الحسن الشاذلي”. وكان لتعاليم الشاذلي الأثر الأكبر بحيث يمكن الجزم بأن معظم الطرق التي ظهرت بعد القرن الثامن في شمال أفريقيا تتصل بطريقة أو بأخرى بالطريقة الشاذلية.

ومن أبرز علماء الشمال الإفريقي الذين شاع التصوف العملي وانتشر بفضلهم: المرسي أبي العباس وأحمد البدوي وابن عطاء الله السكندري وعبد الرحمن الثعالبي وأحمد زروق وعبد السلام الأسمري ومحمد ابن عيسى  وأحمد بن إدريس ومحمد ماضي أبو العزائم.. وغيرهم.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    درر بهية وعلوم نورانية اكرمك الله بالصحة والعافية

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.