الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (32)‏

الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (32)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 11596 1 تعليق

اتخذ التصوف منذ بداية ظهوره أبعادًا اجتماعية، وذلك بسبب الظروف التي كانت تعيشها المنطقة الشمال أفريقية (ق7، 8، 9هـ) وانساق الناس وراءه لما وجدوا فيه من مساواة وعدل وإحساس بالوجود والأهمية، فقد كان شكلاً من أشكال التعبير عن الغضب الشعبي والتمييز الطبقي بين طبقة الأغنياء والمترفين وطبقة الفقراء والمعدمين..

الدكتور محمد الإدريسي الحسني

دور متصوفة شمال إفريقيا في الدفاع عن مصالح الأمة

يمكن أن نرجع عوامل وأسباب انتشار التصوف في شمال أفريقيا، إلى أسباب فكرية، وأسباب سياسية، وأسباب اجتماعية:

1- أسباب فكرية: كوجود أعلام صوفية عملوا على نشر هذه الطرق، أثروا بسلوكهم وبعلمهم وبمؤلفاتهم، من أمثال الشيخ أبي مدين، والشاذلي، والملياني، والثعالبي…وغيرهم. وبدأ الفكر الصوفي يبرز علميًّا بعد محاولة الإمام الغزالي التوفيق بين الشريعة والحقيقة.، خاصة ما طرحه حول مراتب العقل بداية من العقل الكسبي وهو مدخل المعرفة، ثم العقل الذوقي وهو مدخل التقوى بالتزام العارف بما عرف، ثم انتظار الموهبة، وهو مدخل العلم اللدني )وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ( (البقرة: 282).

2– أسباب سياسية: نتيجة لأسباب داخلية وخارجية تدهورت أوضاع المنطقة سياسيًّا لعدة أسباب أهمها وأخطرها سقوط الأندلس، وقد نتج عنه أمران: الغزو الإسباني لمعظم الشمال الأفريقي، وهجرة كثير من صوفية الأندلس إلى شمال أفريقيا.

3- أسباب اجتماعية: منها انتشار البذخ والترف عند طبقات معينة، نتيجة الثراء الفاحش، وتراجع القيم الدينية والأخلاقية حيث أهمل الخاصة والعامة الكثير من مبادئ الدين وسلوكه القويم، وقد حارب الصوفية هذا الانحراف، وقاوموا بكل السبل والطرق هذه الاختلالات، مما أدى إلى انتشارهم جماهيريًّا.

وقد بدأ انتشار التصوف على مرحلتين:

– فترة التصوف النخبوي، وذلك خلال القرون السادس والسابع والثامن الهجرية: وهي الفترة التي بقي فيها التصوف يدرس في المدارس الخاصة، واقتصاره على طبقة معينة من المتعلمين، وعدم انتشاره بين الطبقات الشعبية، وبقائه في الحواضر الكبرى.

– فترة التصوف الشعبي، وتعرف بفترة الانتقال من التصوف الفكري إلى التصوف الشعبي، وقد وقع ذلك في القرن التاسع الهجري، وفيها انتقل التصوف من الجانب النظري إلى الجانب العملي، وهو الانتشار الكبير للزوايا والرباطات في الريف والمدن، وانضواء الآلاف من الناس تحت لوائه، والتركيز على الذكر والخلوة، وآداب الصحبة وما إليها من مظاهر التصوف الشعبي. وبفتح باب التصوف للعامة وأهل الريف، انتقل من النخبة إلى العامة، من المدينة إلى الريف، وظهرت الطرق الصوفية الكبرى وانتشرت في مختلف أرجاء المنطقة: كالقادرية، المدينية، الشاذلية والبدوية والدسوقية والخلوتية والعروسية والعيساوية والدرقاوية والتيجانية والعزمية….. وغيرها.

وقد اتخذ التصوف منذ بداية ظهوره أبعادًا اجتماعية، وذلك بسبب الظروف التي كانت تعيشها المنطقة الشمال أفريقية (ق7، 8، 9هـ) وانساق الناس وراءه لما وجدوا فيه من مساواة وعدل وإحساس بالوجود والأهمية، فقد كان شكلاً من أشكال التعبير عن الغضب الشعبي والتمييز الطبقي بين طبقة الأغنياء والمترفين وطبقة الفقراء والمعدمين. وكان المتصوفة الأوائل بمثابة النخبة التي تمسكت باستقلاليتها الفكرية والدينية تجاه السلطة الحاكمة؛ لذلك وقع اضطهادهم من طرف الحكام، وقاومهم العلماء الرسميون، وكما حدث في الشرق من اضطهاد وتشويه لرموز التصوف أصحاب الدور الاجتماعي من أمثال الحلاج، نرى أن المشهد نفسه يتكرر تقريبا في كل العصور والعهود، وهذا ما وقع مع أبي مدين الغوث أو إبراهيم الدسوقي، أو أحمد البدوي، أو الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري، أو الشيخ عبد السلام الفيتوري، أو الشيخ أحمد التيجاني، أو الشيخ محمد ماضي أبو العزايم، أو محي الدين بن مصطفى الحسني… والقائمة طويلة. ووقع الالتقاء بين المتصوفة والشعب، في مواجهة السلطة، بسبب تموقعهم في نفس الخندق، فقد فرض عليهم الأمر فرضًا، ووجدوا أنفسهم في نفس الجبهة، يقاومون الظلم والتعسف، والتمييز. وهذا ما يفسر لنا سر هذه العلاقة بين العامة أو الشعب والمتصوفة، قبل الوصول إلى مبدأ الكرامات وسلطة الأولياء على أفكار العامة وخيالهم. وسعى المتصوفة إلى حل مشاكل المجتمع واتحد الاثنان في مواجهة السلطة، واتخذا نفس الموقع ونفس الجبهة، فقاما بمواجهة الظلم والطغيان والفساد، وهذا ما يفسر لنا سر العلاقة بين العامة والصوفية، فاتحاد الهدف نابع من فكر الصوفية وعقيدتهم: (العيال عيال الله). وقد كان الصوفية على مر العصور رمز الوحدة مع المجتمع، والمطالبة علنًا بحقوق الشعب ومصالحه.

بدأ هذا التلاقي بشكل عفوي، دون سابق تحضير أو تنظيم أو استعداد، ونتج عنه الكثير من النتائج الهامة لعل من أبرزها، الانتشار السريع للتصوف بين مختلف الطبقات الشعبية، وانفرد الصوفيون بقيادة الشعب بعد انهيار الدول الناتج عن سقوط الأندلس والحروب الصليبية، واستطاع المتصوفة توظيف هذه العلاقة في الدفاع عن مصالح الأمة، ولم تنقطع هذه الصلة بين المتصوفة والعامة إلى يومنا هذا، بحيث لا نزال نجد تأثيرهم قويًّا في المجتمعات العربية الإسلامية، بالرغم من هذا التطور الفكري والثقافي، والعولمة ودخول الأفكار الحديثة. وإن بنسب متفاوتة بين منطقة وأخرى.

ومن هنا نستطيع أن نفهم: لماذا اختارت الفئات الواسعة من المجتمع الانضمام والانتماء إلى هذا الاتجاه الفكري، في حين كان حكامها يتخذون مذهبًا آخر ويعتنقونه. فكان الصوفي فردًا من مجتمع الناس، يأكل ويتاجر ويتزوج كما يفعلون، لكنه في نفس الوقت كان يمثل قدوة لهم ونموذجًا يتطلعون إليه ويعملون على متابعة مسيرته بينهم.

لقد آثرت بعض الشخصيات الصوفية اللجوء إلى الخلوات والمقابر زهدًا وتعبدًا وتجردًا، لكن هذا الكلام لا ينطبق على كل المتصوفة بل هي حالات استثنائية خاصة، ثم إنهم يرون أنه عندما يدعوهم الواجب، سيتخلون عن مجاهداتهم الخاصة وينتقلون إلى خدمة الصالح العام، ولعل أبرز مثال على ذلك الشيخ أحمد البدوي الذي خرج من عزلته لمقاومة الغزو الصليبي، والأمر نفسه حدث مع أبي الحسن الشاذلي وتلاميذه، وكان آخرهم وليس بأخيرهم شيخ الشهداء عمر المختار الذي خرج من خلوته التي كان يعلم فيها القرآن إلى ساحات الجهاد مدافعًا عن أرضه ضد جحافل الطليان الطغاة، ولا بد أن يبرز هذه الأيام من يحمل لواء المقاومة للذود عن حياض الإسلام في هذا الوقت العصيب، لقد باتت المجتمعات المسلمة في أمسِّ الحاجة لإعادة الاعتبار للتربية الإسلامية الصحيحة وتزكية النفوس والالتزام بمنظومة الأخلاق التي بيَّنها الشارع الحكيم. فمشكلة المسلمين تكمن اليوم في أن يلتزموا بما عرفوا من الحق، وأن يتمسكوا بشعائر الله، وأن يتجمعوا حول مرشد يهدي إلى سبل الرشاد ليتواصوا بالحق، ويربيهم على الالتزام بما عرفوا من الحق ليتواصوا بالصبر على الوقوف مواقفه، ويتحقق لهم الاستثناء من الخسران. )وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ( (العصر: 1 – 3) صدق الله العظيم. والله المستعان عما يصفون.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    درر بهية وعلوم نورانية اكرمك الله بالصحة والعافية

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.