الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (21)‏

الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (21)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 6278 1 تعليق

بقية: مشروعية زيارة أضرحة الأولياء والتبرك بها

والأدلة في هذا المجال تطول خاصة في الثلاثة قرون الأولى من صدر البعثة المحمدية على صاحبها وآله الصلاة والسلام، المعروفة بقرون الخيرية، ولم نقرأ من أنكر على الناس إقامة الأضرحة على قبور الصالحين بغرض مباركة المكان ليستجاب فيه الدعاء..

الدكتور محمد الإدريسي الحسني

بقية: مشروعية زيارة أضرحة الأولياء والتبرك بها

والأدلة في هذا المجال تطول خاصة في الثلاثة قرون الأولى من صدر البعثة المحمدية على صاحبها وآله الصلاة والسلام، المعروفة بقرون الخيرية، ولم نقرأ من أنكر على الناس إقامة الأضرحة على قبور الصالحين بغرض مباركة المكان ليستجاب فيه الدعاء، فلا يدعو المسلم مع الله أحدًا، ولكنه التحري عن الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء. ومن يقولون بتأويل لا يستقيم لحديث الرسول J الذي صححه البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس وعائشة 4 وغيرهما (لما نزل برسول الله J، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا)، ولا نعرف مسلمًا اتخذ أحد القبور لنبي أو ولي مسجدًا، بل تقصّر في مقصورة مستقلة بذاتها معزولة عن المسجد، ولا نعرف مسلمًا يصلي على قبر، ولا يقول بهذا أحد من السلف أو الخلف، وهذا الحديث الذي يكاد يكون متواترًا، يعرفه الصحابة والتابعون، ولم يعترضوا أو يمتعضوا أو عرف عنهم أنهم نهوا عن زيارة قبره J وصاحبيه، بل أجمعوا على وجوب السلام عليهم عند زيارة المسجد النبوي، أما إذا كان المقصود زيارة أضرحة الأولياء فنراها سنّة ودليلها هذا الحديث الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد الخدري وعائشة 5 (أن أبا سعيد الخدري دخل على عائشة، فقالت له عائشة: يا أبا سعيد، حدثني بشيء سمعته من رسول الله J، وأحدثك بما رأيته يصنع، قال أبو سعيد: كان رسول الله J إذا خرج إلى صلاة الصبح، قال: اللهم املأ سمعي نورًا، وبصري نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعظم لي النور برحمتك، وفي رواية أخرى: وأعظم لي نورًا، ثم اتفقا، قالت عائشة: دخل علي رسول الله J فوضع عنه ثوبيه، ثم لم يستتم أن أقام فلبسهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي فخرجت أتبعه، فأدركته بالبقيع – بقيع الغرقد – يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، فقلت: بأبي وأمي، أنت في حاجة ربك وأنا في حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت حجرتي ولي نفس عال، ولحقني رسول الله J، فقال: ما هذا النفس يا عائشة؟ فقالت: بأبي وأمي أتيتني فوضعت عنك ثوبيك ثم لم تستتم أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع، قال: يا عائشة، أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ بل أتاني جبريل A فقال: هذه الليلة ليلة النصف من شعبان، ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب، لا ينظر الله فيها إلى مشرك، ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع رحم ولا إلى مسبل، ولا إلى عاق والديه، ولا إلى مدمن خمر، قالت: ثم وضع منه ثوبيه، فقال لي: يا عائشة، تأذنين لي في قيام هذه الليلة؟ فقلت: نعم بأبي وأمي، فقام فسجد ليلاً طويلاً حتى ظننت أنه قُبِضَ فقمت ألتمسه ووضعت يدي على باطن قدميه فتحرك ففرحت، وسمعته يقول في سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جلَّ وجهك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، فلما أصبح ذكرتهن له، فقال : يا عائشة، تعلمتهن؟ فقلت: نعم، فقال: تعلميهن وعلميهن، فإن جبريل A علمنيهن وأمرني أن أرددهن في السجود).

والسؤال لماذا غادر الرسول J مكانه بعد أن وضع ثيابه وذهب إلى بقيع الغرقد، ألا يدل هذا على أنه J كان يلتمس الأماكن المباركة التي يستجاب فيها الدعاء، وأن مدافن الصالحين يتبارك بها.

والحديث الآخر الذي يؤكد هذا القول الحديث الذي صححه البصيري في إتحاف الخيرة عن ابن عباس (أن النبي J لما وجَّه محمد بن مسلمة وأصحابه إلى ابن الأشرف ليقتلوه مشى معهم النبي J إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم، ثم قال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم، ثم رجع)، لماذا للمرة الألف ذهب الرسول J إلى نفس المكان للدعاء لأصحابه بأن يعينهم الله على عدوهم.

وأقوى الأدلة التي لا يجحدها إلا مكابر، قبر الرسول الأعظم عليه وآله أزكى صلاة وأطيب تسليم، وصاحبيه 5، لم نسمع على مدة القرون التي مضت من ينكر على المسلمين الصلاة في مسجد تبارك بأجسادهم الطاهرة الشريفة، إلا هذه الفئة التي ابتلي المسلمون بها. وفي الحديث الذي صححه أحمد شاكر في مسند أحمد عن الصحابي طلحة بن عبيد الله (خرجْنا معَ رسولِ اللَّهِ J حتَّى إذا أشرَفْنا على حرَّةِ واقمٍ قالَ: فدنَونا منها فإذا قبورٌ بمحنيَّةٍ قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ قبورُ إخوانِنا هذِهِ. قالَ: قبورُ أصحابِنا، ثمَّ خرجْنا حتى إذا جِئنا قبورَ الشُّهداءِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ J: هذِهِ قبورُ إخوانِنا)، الواضح من الحديث الشريف أن رسول الله J خرج لزيارة قبور الشهداء.

من هذه الأدلة كان استحسان إقامة القباب على أضرحة الصالحين ليتبارك بهم المكان، ويصبح من الأمكنة التي يستجاب فيها الدعاء، الذي لا يتوجه به المسلم لغير الله I، وقد رأيت بأم عيني، أئمة وفقهاء مشهود لهم بالعلم والورع والتقوى يزورون مقامات الأولياء تبركًا، وهم من كبار العلماء قضاة ومفتيين، وكبار مشائخ الأزهر والقرويين والزيتونة، وغيرها في بلاد شنقيط والمغرب والجزائر وتونس والشام والعراق والهند والسنغال والسودان واليمن وغيرها، وجلهم من العلماء الجهابدة العاملين الزهاد.

فهل يعود الطغاة إلى رشدهم، ويبتعدوا عن معاداة أولياء الله دون حجة أو سبب، ونحن نطلب من كل معتقد في بركة تلك الأماكن أن يتوجه إلى الله الذي لا منجى ولا ملجأ منه إلا إليه، أن يرفع أكف الضراعة متوسلاً إلى الله بحبيبه صاحب الوسيلة والشفاعة، أن يرشدنا إلى سبيل الحق ويرزقنا اتباعه ويبين لنا الباطل ويقدرنا على اجتنابه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله الطيبين الطاهرين، والرضا على الصحابة أجمعين والشهداء والأولياء والصالحين، ومن نسج على منوالهم إلى يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والحمد لله رب العالمين.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    درر بهية وعلوم نورانية اكرمك الله بالصحة والعافية

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.