الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (24)‏

الصوفية فقط على منهج السلف الصالح (24)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 8448 1 تعليق

اعلم أخي أن التصوف علم ذوقي فمن ذاق عرف، ومنهج تربوي لمن يدرك أن التقوى لا تكون بمعرفة الحلال والحرام بل التقوى تكمن في إلزام النفس بما عرفت من الحق، والبداية تكون بإدراك وطأة الذنوب، وبذل الجهد في التوبة، وتدور هذه النصيحة المنقولة عن كبار الصالحين من أئمة القوم على ثلاثة أصول وهي: الخوف، والرجاء، والحب..

الدكتور محمد الإدريسي الحسني

نصيحة خاصة للمريدين

أولاً: اعلم أخي أن التصوف علم ذوقي فمن ذاق عرف، ومنهج تربوي لمن يدرك أن التقوى لا تكون بمعرفة الحلال والحرام بل التقوى تكمن في إلزام النفس بما عرفت من الحق، والبداية تكون بإدراك وطأة الذنوب، وبذل الجهد في التوبة، وتدور هذه النصيحة المنقولة عن كبار الصالحين من أئمة القوم على ثلاثة أصول وهي: الخوف، والرجاء، والحب.

فالخوف فرع التوبة، والرجاء فرع اليقين، والحب فرع المعرفة، فدليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب، ودليل الحب الإيثار (إيثار المحبوب).

ومثال ذلك الصلاة في الحرم والمسجد وداخل الكعبة، فمن هرب من الدنيا إلى الصلاة في حرم إرادة الخوف من المعصية أمن من الخلق وفتنتهم، ومن طلب الصلاة داخل مسجد الرجاء أمنت جوارحه من أن تستعمل في غير طاعة الله، ومن آثر الصلاة داخل كعبة الحب أمن قلبه أن يشتغل بغير ذكر الله عز وجل.

ومن تأمل في توارد الليل والنهار تبين له أن الظلمة والنور لا يجتمعان، فإذا ظهر أحدهما عزل الآخر عن الولاية، فكذلك نور المعرفة بالله إذا ظهر عزل ظلمة المعاصي عن الجوارح، فإذا كانت حالته حالة يرضاها لساعة الأجل شكر الله على توفيقه وعصمته، وإذا كانت حالته حالة يكره الموت عندها، انتقل بصحة العزيمة وكمال الجهد، وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، كما أنه لا وصول له إلا به، فندم على ما أفسد من عمره بسوء اختياره، واستعان بالله على تطهير ظاهره من الذنوب، وتصفية باطنه من العيوب، وقطع زنار الغفلة عن قلبه وأطفأ نار الشهوة عن نفسه واستقام على طريق الحق وركب مطية الإخلاص والصدق، فإن النهار دليل الآخرة، والليل دليل الدنيا، والنوم شاهد الموت، والعبد قادم على ما أسلف ونادم على ما خلّف، يقول الله U )يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ( (القيامة: 13).

اعلم أيها المريد وأنت تتلمس طريق الهداية أن تربية التصوف تشتغل على القلب، والقلوب على أربعة أنواع: رفع، وفتح، وخفض ووقف. فرفع القلب في ذكر الله، وفتح القلب في الرضاء عن الله، أما الخفض – نَجَّاكم ونجَّانا الله منه – ففي الاشتغال بغير الله، والوقف – يحفظنا ويحفظكم الله منه – ففي الغفلة عن الله تعالى.

وعلامة الرفع ثلاثة أحوال: موافقة القلب على أحكام الشارع، وفقدان الرغبة في المخالفة، ودوام الشوق للطاعات. أما علامة الفتح فثلاثة: التوكل على الله، والصدق في الأقوال والأفعال، واليقين بالله.

وعلامة الخفض ثلاثة أشياء – نسأل الله السلامة منها -: العجب بالحال، والرياء في الأعمال، والحرص على الدنيا ومراعاتها.

أما علامة الوقف والعياذ بالله: زوال حلاوة الطاعات، وعدم الإحساس بمرارة المعصية، وتلبيس الحرام بالحلال.

ولن يحصل المريد على الرفع والفتح، كما أنه لن ينجو من الخفض والوقف، إلا بالرعاية الربانية التي أساسها الذكر المؤسس على العلم، قال رسول الله J: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، صححه السيوطي في الجامع الصغير، فالعلم يجب أن يكون نفَس المريد شكرًا أو عذرًا. فإن قُبل عمله فبفضل من الله، وإن رد فبعدله سبحانه وتعالى، فحركة الطائع لا تكون إلا بتوفيق من الله، والسكون عن المعصية لا يتوفر إلا بعصمة من الله، ولا يستقيم للمريد ذلك إلا بدوام الافتقار والاضطرار. ومفتاح ذلك ذكر الموت في كل لحظة؛ لأن فيه راحة من الحبس في مدارات الشهوات الزائلة، ونجاة من الشيطان وحبائله المخادعة، وقوام ذلك برد العمر إلى لحظة واحدة، ولن يلتئم ذلك إلا بالتفكر في الأوقات، ولن يتحقق التفكر إلا بتفريغ النفس من حب الدنيا، وسبب الفراغ منها هو الزهد فيها، وعماد الزهد التقوى، وسنام التقوى الخوف، وزمام الخوف اليقين، ونظام اليقين الخلوة والرجوع، وتمامهما الجهد والصبر، وطريقهما الصدق، ودليل الصدق العلم )… وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ …( (البقرة: 282). وفي كل الأحوال لا بد للعبد من النية في كل حركة وسكون، (فإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ونية المؤمن خير من عمله) أخرجه ابن حبان في صحيحه عن الصحابي أبي أيوب الأنصاري، والنية تختلف على حسب اختلاف الأوقات، وصاحب النية نفسه في تعب والناس منه في راحة، وليس شيء على المريد أصعب من حفظ النية. وحتى تصفو نيتك لله خالصة، اجعل قلبك قبلة لسانك فلا تنطق إلا بما تعتقد، واشعر عند الذكر حياء العبودية وهيبة الربوبية، واعلم بأن الله يعلم سرّ قلبك، ويرى ظاهر فعلك، ويسمع نجوى قولك، فاغسل قلبك بالحزن، وأوقد فيه نار الخوف، فإذا زال حجاب الغفلة عن قلبك كان ذكرك به موافقًا لذكره لك قال تعالى ).. وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ…( (العنكبوت: 45)، لأنه ذكرك وهو غني عنك، وأنت ذكرته وأنت فقير إليه، وقال: )أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ( (الرعد: 28)، فيكون الاطمئنان في ذكر الله للذاكرين، ووجله في ذكرهم له، قال تعالى: )إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ( (الأنفال: 2)، والذكر ذكران: ذكر خالص بموافقة القلب مع سقوط النظر إلى غير الله، وذكر صاف بفناء الهمّة عن الذكر. قال J: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة 1.

وأجمل الذكر أن يكون شكرًا لله المنعم، ففي كل ترديدة نفَس من أنفاس العبد نعمة من الله تتجدد عليه، واجب عليه القيام بشكرها، وأدنى الشكر أن يرى النعمة من الله تعالى، ويرضى بما أعطاه، ولا يخالفه باستعمال شيء من نعمه، وتمام الشكر في الاعتراف بلسان السِّرِّ أن الخلق كلهم يعجزون عن شكره على أصغر جزء من نعمه، وإن بلغوا في ذلك غاية المجهود؛ لأن التوفيق للشكر، نعمة حادثة مضافة يجب الشكر عليها، فيلزمك على كل شكر شكرًا إلى ما لا نهاية له، فإذا تولّى الله العبد حمل عنه شكره، فرضى باليسير وحط عنه ما يعلم أنه لا يبلغه ويضعفهن )كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا( (الإسراء: 20).

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    درر بهية وعلوم نورانية اكرمك الله بالصحة والعافية

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.