الطائفيون والحكماء السبعة (13)

الطائفيون والحكماء السبعة (13)

islam wattan . نشرت في المدونة 4125 لاتعليقات

رمى آخر سيفه، وقال: بورك فيك أيها الحكيم.. لقد تذكرت لتوي ما رواه ابن هشام من أن بعض المنافقين استهزأ بالرسول J حين خرج بالجيش لمواجهة الروم فى غزوة تبوك وتوقعوا أن يأسر الروم الرسول والمسلمين وعرف النبى J بمقالتهم..

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: رابعًا: التقوى

رمى آخر سيفه، وقال: بورك فيك أيها الحكيم.. لقد تذكرت لتوي ما رواه ابن هشام من أن بعض المنافقين استهزأ بالرسول J حين خرج بالجيش لمواجهة الروم فى غزوة تبوك وتوقعوا أن يأسر الروم الرسول والمسلمين وعرف النبى J بمقالتهم، فجاءوا إليه يعتذرون، ويقولون: يا رسول الله كنا نخوض ونلعب، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65]، ولم يتعرض لهم النبى J.

رمى آخر سيفه، وقال: بورك فيك أيها الحكيم.. لقد تذكرت لتوي ما رواه المؤلفون في أسباب النزول من أن نفرًا من المنافقين اجتمعوا، وأخذوا يسبون النبى J وعندهم غلام من الأنصار اسمه عامر بن قيس، فقالوا: لئن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن أشر من الحمير، فأتى عامر للنبى J فأخبره فاستدعاهم وسألهم فحلفوا له أن عامرًا كاذب، وحلف عامر أنهم كاذبون وقال: (اللهم لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق من كذب الكاذب)، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]، ومع ذلك.. ومع عظم مقولتهم إلا أنه لم يفعل لهم شيئًا.. بل تركهم بين قومهم يسرحون ويمرحون.

رمى آخر سيفه، وقال: بورك فيك أيها الحكيم.. لقد تذكرت لتوي ما روي أنه خرج بعض المنافقين مع الرسول J إلى غزوة تبوك فكانوا إذا خلوا إلى بعضهم سبُّوا الرسول وطعنوا فى الدين، فنقل ما قاله حذيفة إلى الرسول J فقال لهم النبى J: ما هذا الذى بلغنى عنكم؟ فحلفوا ما قالوا شيئًا.. فنزل قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 74].

بل روى النيسابورى في قوله تعالى: ﴿وَهَمّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ أن بعضهم تآمر على قتل النبى J ليلة العقبة.. ومع ذلك كله لم يفعل لهم شيئًا.

رمى آخر سيفه، وقال: بورك فيك أيها الحكيم.. لقد تذكرت لتوي ما رواه النيسابورى من روايات فى سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 94]، ومنها أنها نزلت فى معركة انهزم فيها المشركون، وهرب منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين، فلما غشيه بالسلاح قال الهارب: إني مسلم إني مسلم، فكذبه وقتله وأخذ متاعه فقال له النبى J: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم، فقال: يا رسول الله إنما قالها متعوذًا من القتل، فقال له الرسول: (فهلا شققت عن قلبه، فتنظر أصادق هو أم كاذب؟!)([i]).

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكم .. لقد ذكرتموني بحدث عظيم لرسول الله J لا أراه منطبقًا على أحد من الناس كانطباقه علينا.. لقد قال رسول الله J: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)([ii]).

ثم أخذ يبكي بشدة، ويقول: ويلي.. ويل نفسي.. ماذا فعلت بها.. إن كان هذا الرجل الذي ذكره رسول الله J قد شتم شخصًا واحدًا.. أو أشخاصًا معدودين، فأنا شتمت ملايير الأشخاص.. وإن كان قد سفك دم واحد.. فأنا كنت أفتي بسفك دم ملايير البشر.. ويلي ماذا أفعل لهم.. وما هي الحسنات التي تكفيهم إن خاصموني عند ربهم.. وويل لي من سيئاتهم إن صبت علي.

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكم .. لقد ذكرتموني بحديث خطير لرسول الله J يقول فيه مخاطبًا أصحابه:: (أتدرون ما الغيبة؟)  قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه فقد بهتّه)([iii]).

وأنا وأصحابي لم نقع في الغيبة فقط، بل كنا نمارس البهتان وشهادة الزور بكل ألوانها.. لقد كان مشايخ السوء يلقنوننا كل حين جواز الكذب على المخالفين لتنفير الناس عنهم.. وقد قال لنا بعضهم: مما اتفق عليه جميع أعلامنا الكبار، وأصدروا فيه الفتاوى الكثيرة، جواز استعمال جميع ألوان الحيل والخدعة مع المخالفين، ذلك أن الحرب خدعة.. وقد جرى على هذا المنهج كبار علمائنا كشيخ الإسلام ابن تيمية الذي استعمل هذا مع جميع المبتدعة المخالفين، حتى أنه كان يضعف الحديث الصحيح إذا رأى  المبتدعة يستعملونه لحرب السنة..

وأذكر أنني كنت ذات يوم مع بعض مشايخنا، وكان اسمه الشيخ على الخضير، وقد سألته هذا السؤال: (هل يجوز لي أن أقول سوءًا عن شخص مما هو وأمثاله فيه وأنا أعرف أنه فاسق أو عدو للدين؟ وهل يجوز لي أن أقول خيرًا عن رجل صالح من أهل الدين والتقوى والجهاد لتخليصه من مشكلة تضره بذاته أو بسمعة الصحوة الإسلامية؟)

فأجابني الشيخ بقوله: (المؤمن أخو المؤمن، ولا بد أن ينصره حال طلب النجدة أو عند العلم بحاجته، ومن النصرة مؤازرته ودفع الضرر عنه. ومن ذلك الكذب؛ فالكذب يجوز لنصرة المسلم ولدفع الكافر أو العدو. فقد صح فى الحديث جواز الكذب لتحقيق مصلحة ومن المصلحة رفعة المسلم وذلة سواه.. كما تجوز المخادعة للعدو في حال الحرب أو لأجل الحرب فهذا لا خلاف في جوازه، وذلك لحديث الصحيحين، قال النبي J: (الحرب خدعة).. ومعنى المخادعة في الحرب إظهار المكيدة، وحسن التدبير والرأي والتعريض ليظهر للعدو خلاف ما يعده له المسلمون من الكمائن والمكائد.. والخداع هو عمدة الحروب وأساسها وعليه يكون مدار الانتصار، وهو أحد الأسباب الشرعية التي ينبغي الأخذ والاعتناء بها.. ومفهوم الحرب في هذه الأحاديث أعم من أن يقصر على نصب القتال والتقاء الصفين وتقابل الزحفين، وإنما يدخل في ذلك أيضا السعي للفتك برأس من رؤوس الكفر والإلحاد والعلمنة والفسق المحادين لله ورسوله.. ومن الحرب حرب الأفكار، وهي أشد من حرب القتال، فيجب استخدام الخدعة ويباح الكذب فيها لإظهار أهل البدع والشركيات وأهل الفرق الباطلة من روافض وزنادق وأهل علمنة وحداثة وقرامطة وغيرهم بمظهرهم المخزي لكي لا يغتر بهم عوام المسلمين؛ وإظهار أهل السنة وأصحاب العقيدة السليمة بمظهرهم اللائق بهم.. ولهذا فإنه يجوز لك الكذب والشهادة وتغليظ اليمين لنصرة الدين الإسلامي ونهجه القويم ونصرة أخيك المسلم الصالح ممن يريدون به كيدًا؛ وإذلال أهل البدع والضلالات والفرق الفاسدة)([iv]).

بعد أن سمعت الفتوى، ودهشت لما فيها، قلت: هذه فتوى خطيرة.. فقال لي يطمئنني: هكذا لقننا جميع مشايخنا، وقد كان من مشايخي رجل يقال الفوازان، وقد سألته حينها هذا السؤال: (انتشر اليوم بين الشباب أنه يلزم الموازنة في النقد فيقولون: إذا انتقدت فلانًا من الناس في بدعته وبينت أخطاءه يلزمك أن تذكر محاسنه، وهذا من باب الانصاف والموازنة، فهل هذا المنهج في النقد صحيح؟ وهل يلزمني ذكر المحاسن في حالة النقد؟)

فأجابني بقوله: (إذا كان المنتقد من أهل السنة والجماعة وأخطاؤه في الأمور التي لا تخل بالعقيدة، فنعم، هذا تذكر ميزاته وحسناته، تُغمر زلاّته في نصرته للسنة. أما إذا كان المنتقد من أهل الضلال ومن أهل الانحراف ومن أهل المبادئ الهدامة والمشبوهة، فهذا لا يجوز لنا أن نذكر حسناته – إذا كان له حسنات – لأننا إذا ذكرناها فإن هذا يغرر بالناس فيحسنون الظن بهذا الضال أو هذا المبتدع أو هذا الخرافي أو الحزبي، فيقبلون أفكار هذا الضال أو هذا المبتدع أو ذاك المتحزب. والله جل وعلا ردّ على الكفرة والمجرمين والمنافقين ولم يذكر شيئًا من حسناتهم، وكذلك أئمة السلف يردون على الجهمية والمعتزلة وعلى أهل الضلال ولا يذكرون شيئًا من حسناتهم؛ لأن حسناتهم مرجوحة بالضلال والكفر والإلحاد والنفاق. فلا يناسب أنك ترد على ضال، مبتدع، منحرف، وتذكر حسناته وتقول هو رجل طيب عنده حسنات وعنده كذا، لكنه غلط.. نقول لك: ثناؤك عليه أشد من ضلاله؛ لأن الناس يثقون بثنائك عليه، فإذا روجت لهذا الضال المبتدع ومدحته فقد غررت بالناس وهذا فتح باب لقبول أفكار المضللين)([v]).

وانطلاقًا من تلك الفتاوى كنت أكذب على طوائف الأمة خلاف طائفتي وأرميهم بالطامات.. ولم أكن أنال على ذلك الكذب والتزوير إلا التشريف والتقدير.. فمشايخ السوء لا يحبون ولا يقدرون إلا المزورين والكاذبين.

البقية العدد القادم

([i]) رواه البخاري ومسلم.

([ii]) رواه البخاري ومسلم.

([iii]) رواه مسلم.

([iv]) نقلا عن مقال بعنوان: متى يخلع شيوخ السعودية سراويلهم الغربية – شبكة المنطقة.

([v]) الأجوبة المفيدة في أسئلة المناهج الجديدة، 1/ 24.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.