الطائفيون والحكماء السبعة (17)

الطائفيون والحكماء السبعة (17)

islam wattan . نشرت في المدونة 5028 لاتعليقات

رمى الرجل سيفه، وقال: بورك فيك.. وأضيف إلى ما ذكرت بأن سائر الرواة الذين رووا الحديث كلهم متكلم فيهم، ومتهمون.. فأبو بكر بن أبى شبية قال عنه الحاكم: ليس بالمتين، وقال عنه أبو بكر بن أبى داود: ضعيف، وقال عنه ابن حيان: ربما أخطأ…

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: خامسًا: العدل

رمى الرجل سيفه، وقال: بورك فيك.. وأضيف إلى ما ذكرت بأن سائر الرواة الذين رووا الحديث كلهم متكلم فيهم، ومتهمون.. فأبو بكر بن أبى شبية قال عنه الحاكم: ليس بالمتين، وقال عنه أبو بكر بن أبى داود: ضعيف، وقال عنه ابن حيان: ربما أخطأ.

وأبو عمر النخعى كان قاضيًا للدولة العباسية، ومن الفقهاء المتعاونين معها، وقد قال عنه أبو زرعه: (ساء حفظه بعد ما استقضى، أى بعد أن تولى القضاء)، أي أنه فقد الثقة فيه بعد أن اختارته الدولة قاضيًا.. وقال عنه داود ابن رشيد: حفص بن غيث كثير الغلط.. وقال عنه ابن عماد: كان عسرًا فى الحديث جدًّا، وقال عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال عنه أبى: أنه أخطأ.. وقال ابن حيان عن أحد مروياته فى الحديث: لم يحدث بهذا الحديث أحد إلا حفص بن غياث كأنه وهم فيه.. أى انفرد بحديث لم يقله أحد غيره، ولأنه غير ثقة فقد اتهمه ابن حيان بالوهم.

أما أبو معاوية الضرير، فقد قال عنه الحاكم أنه احتج به الشيخان، أى: مسلم والبخارى، وقد اشتهر عنه الغلو.. وقال عنه ابن معين: أبو معاوية أحاديث مناكير، وقال عنه العجلى: إنه ثقة ويرى الإرجاء، أى مدحه بأنه ثقة ولكن اتهمه أنه من المرجئة، وتلك تهمه تعيب الراوى، وقال عنه يعقوب بن شيبة: أنه ثقة وربما دلَّس، وكان يرى الإرجاء.. أى أنه مدحه ثم اتهمه بالتدليس وبأنه من المرجئة.. وقال عنه أبو داود: كان مرجئًا. وقال عنه أبو معاوية البجلى: فيه جهالة.

قام رجل من القوم يصيح: ما بالكم يا قوم ترفضون سنة رسول الله J بأمثال هذه الخدع والحيل.. أهانت عليكم سنة رسول الله J لهذه الدرجة؟

قال الحكيم: نحن لم نستهن بسنة رسول الله J، وإنما رحنا ندافع عنها، ونقدم المتواتر منها على الآحاد.. والصحيح على الضعيف..

قال الرجل: فهل هناك أحاديث متواترة تنسخ ذينك الحديثين؟.

قال الحكيم: أجل.. وقد وردت في الصحاح، وهي متواترة، وأنت تعلم أن المتواتر مقدم على الآحاد.. وهي تدل على خلاف ما ذكرت.

قال الرجل: ما هي.. أنا قرأت كتب السنن جميعا.. ولم أرها.

قال الحكيم: منها (لا نكره أحدًا على دين، فقد تبين الرشد من الغي..)، ومنها (لكم أيها الكفار دينكم ولنا ديننا لا نكرهكم على ديننا ولا تكرهوننا على دينكم..)، ومنها (لا يقتل رجل على دينه وإنما على حربه..)، ومنها (من بدَّل دينه فله نار جهنم خالدًا فيها..)، ومنها (من ارتد على وجهه وترك دينه سيعاقبه الله بنار أعدها للكافرين..)، ومنها (من ترك دينه فسيغني الله عنه..)، ومنها (لا يحل لامرئ يؤمن بالله أن يقعد مع من يستهزئ بآيات الله، فليجتنب مجلسهم..)

غضب الرجل غضبًا شديدًا وأشهر سيفه، وراح يقول: أنت كذَّاب وضَّاع حلال الدم.. فلا توجد أحاديث بهذه الألفاظ.

قال الحكيم: أنشدك بالله.. أرأيت لو أن هناك أحاديث متواترة بتلك الألفاظ أكنت ترجحها على حديث القتل؟ .

قال الرجل: أجل.. فالمتواتر مقدم على الآحاد.

قال الحكيم: فتلك الأحاديث هي نفس ما ورد في القرآن.. وهو متواتر.. ويستحيل على رسول الله J أن يخالف كلام ربه.

قال الرجل: هذه حجة ضعيفة.. نحن نريد أحاديث رواها الثقاة.

قال الحكيم: لا بأس.. لك ذلك.. لقد بحثت في ذلك.. فأنا أعلم أن بعضكم لا يقتنع بالقرآن الكريم إن خالف معتقده، لكنه يقتنع بحديث حسن الإسناد، أو صححه ابن حجر أو الألباني.. وقد جمعت في ذلك هذا المجموع، والذي سميته (حرية الاعتقاد في القرآن الكريم والسنة النبوية)([i]).. وتجدون فيه التفاصيل الكثيرة.

وقد وجدت أن الأحاديث المقررة لحرية الاعتقاد والمتفقة مع القرآن الكريم تنقسم إلى أربع مجموعات..

قالوا: فحدثنا عن المجموعة الأولى منها.

قال: هي تلك الأحاديث التي تذكر عرض رسول الله J ما أرسله الله به على القبائل، فهي جميعًا تؤكد على حرية الاعتقاد لجميع الناس سواء من كان منهم من أهل الكتاب أو من غيرهم.. فالنبي J في تلك الأحاديث لم يكن يطلب منهم إلا النصرة لإبلاغ الرسالة وحمايته.. وهو طلب لمنع الاضطهاد الديني وإتاحة حرية الدعوة، ولو تحققت هذه الحرية في مكة لما طلب أحدًا لحمايته من الاضطهاد والمنع من تبليغ ما أمره الله بتبليغه.

بل إن حوار النبي J مع تلك القبائل – كما تنص الروايات الكثيرة – لا يلزمها بالإيمان بالرسالة، وإنما يدعوها إلى ذلك، فمن أبى لم يكرهه على الإيمان.

قام رجل من القوم، وقال: إن مثل تلك الأحاديث قد نجدها في كتب السيرة.. وهي مما لا يعني شيئًا في الاستدلال الفقهي..

قال الحكيم: كلا، فهذه الأحاديث لها أهمية كبرى؛ لأن العرض على القبائل يعكس الصورة الأدق للسنة النبوية أكثر من الأحاديث الفردية، وكذلك المعاهدات والمواثيق، فهذه يشارك فيها كثير من الناس، وهي أولى بالتطبيق من أحاديث الآحاد، والنبي J لا يخلف وعدًا ولا ينقض ميثاقًا، وهو عندما يعرض نفسه على القبائل كان يكرر أنه يريد إبلاغ رسالة الله فقط، دون إكراه لأحد على دين، ولو نصرته قبيلة ثم تبين لها اختلاف وعده لهم بألا يكره أحدًا لكان هذا مدخلاً للشك في النبوة.

قال الرجل: ما دام الأمر كما ترى بهذا الوضوح، فلم لم يشتهر.. ولم خالفه المسلمون على مدار التاريخ؟

قرأ الحكيم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]، ثم قال: أراكم تريدون أن تقدموا المسلمين على سيد المسلمين.. وتقدموا ما ورثتموه من آراء على ما وردكم عن نبيكم.

قال الرجل: معاذ الله أن نفعل ذلك.. وإنما أستفسر عن سر ذلك.

قال الحكيم: أنتم تعلمون أن السلطان قد زاغ عن القرآن، كما أخبر رسول الله J.. ولم يكن من مصلحة الحكام أن تظهر أمثال تلك النصوص التي تعكر عليهم صفو حبهم للتوسع..

قال الرجل: ألا ترى أن ذلك كان مصلحة للإسلام والمسلمين.. فقد اتسعت أرضهم، ودخل الناس من بلاد كثيرة إلى الإسلام.

قال الحكيم: ولو أنهم نشروا ـ بدل ذلك ـ تعاليم السماحة والسلام، وانتشروا بالحكمة والموعظة الحسنة.. لدخل في الإسلام طواعية أكثر مما دخل فيه تحت الحروب الطاحنة، بل إن التاريخ يشهد أن عدد المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام عبر الدعوة والتجارة أكثر بكثير من عدد المسلمين الداخلين بالفتوح.

قام رجل آخر، وقال: إلى الآن نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا.. أين هذه الأحاديث التي تدعي وجودها.. أم أنك لفقتها من عندك لتتلاعب بعقولنا وعواطفنا، وتهز نيران الغيرة على الدين من قلوبنا.

قال الحكيم: من تلك الروايات ما حدث به عروة بن الزبير قال: لما أفسد الله عز وجل صحيفة مكرهم خرج النبي J وأصحابه، فعاشوا وخالطوا الناس ورسول الله J في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: (لا أكره منكم أحدًا على شيء؛ من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أكرهه، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء)، فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به أفترى رجلاً يصلحنا وقد أفسد قومه؟)([ii]).

قال الرجل: وعينا هذا.. لكن ما وجه دلالتها على ما تدعونا إليه؟

قال الحكيم: إنها واضحة جدًّا في الدلالة على ما دعوتكم إليه، فالنبي J لم يوجب على من ينصره الإسلام، ولم يشترط عليه الإيمان ولم يعزله عن الجماعة، ولم يفرض عليه جزية، ولم يخصه بمعاملة تنتقص منه، وإنما اشترط أن يكون تحت السقف العام في نصرة النبي J ومنعه من أعدائه حتى يبلغ رسالة ربه، ولا يعقل أن نظن أن النبي J لو وافقته قبيلة على ذلك، ثم أسلم الناس ولم تسلم تلك القبيلة أنه سيأمر باستئصالها، فهذا التصور المهين للنبي J لم يكن يقول به أو يتصوره أعداؤه ومحاربوه، فكيف يتصوره حملة سنته وناشرو سيرته وفضله وأخلاقه؟.

البقية العدد القادم

([i]) وهو للشيخ حسن بن فرحان المالكي، وهو من أهم ما كتب في الموضوع، وقد حاولنا أن نلخص الكثير من الفوائد والاستنباطات منه هنا.

([ii]) أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (ج 1 / ص 258).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.