الطائفيون والحكماء السبعة (19)

الطائفيون والحكماء السبعة (19)

islam wattan . نشرت في المدونة 6218 لاتعليقات

قال الحكيم: هو ما روي في الحديث عن أبي رافع مولى النبي J وغيره أن النبي J بعث عليًّا مبعثًا فقال له: امض ولا تلتفت – أي لا تدع شيئًا مما آمرك به – قال: يا رسول الله كيف أصنع بهم؟ قال: (إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلاً، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلوهم حتى تريهم إياه، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا نعم فقل، لهم: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل لهم: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم الصدقة؟ فإن قالوا نعم فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدى الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت)..

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: خامسًا: العدل

قال الرجل: وعيت هذا.. فهات الدليل الرابع.

قال الحكيم: هو ما روي في الحديث عن أبي رافع مولى النبي J وغيره أن النبي J بعث عليًّا مبعثًا فقال له: امض ولا تلتفت – أي لا تدع شيئًا مما آمرك به – قال: يا رسول الله كيف أصنع بهم؟ قال: (إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلاً، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلوهم حتى تريهم إياه، ثم تقول لهم: هل لكم إلى أن تقولوا لا إله إلا الله؟ فإن قالوا نعم فقل، لهم: هل لكم أن تصلوا؟ فإن قالوا نعم فقل لهم: هل لكم أن تخرجوا من أموالكم الصدقة؟ فإن قالوا نعم فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدى الله على يديك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت)([i]).

وموضع الشاهد في الحديث واضح، وهو أن النبي J كان يبعث السرايا لأمرين: إما لمحاربة محاربين، أو للدعوة إلى الله، ولا يبعثها لقتال مشركين ابتداءً.

وهذا الحديث يدل على أن النبي J كان ينهى عن القتال في سرايا الدعوة حتى يقتل المشركون من المسلمين رجلاً، ثم بعد ذلك يتم عرض الإسلام عليهم، وإهدار ما اقترفوه من دم المسلم، فإن قبلوا يتم إهدار دمه، وإن أبوا قوتلوا على هذا الظلم والعدوان لا على إدخالهم للإسلام.

رمى رجل من القوم سيفه، وقال: صدقت.. فهذه الأحاديث صحيحة وصريحة، وكنت أقرؤها دائمًا، وأتعجب كيف سار تاريخ المسلمين على خلافها.

قال الحكيم: لا تتعجب، فقد أخبر رسول الله J عن انحراف الأمة عن دينها بسبب تسلط الطواغيت عليها، وإعانة رجال الدين لهم..

قال الرجل: صدقت.. وقد تعجبت لكثرة ذكر الفقهاء لما يسمونه استتابة، مع أني لم أر في ذلك حديثًا واحدًا..

قال الحكيم: صدقت.. فـ (الاستتابة الإكراهية) لا وجود لها في الدين، والإكراه في الاستتابة اخترعها من اخترعها لتكون مقدمة للقتل، ولم يكن النبي J يكره أحدًا على الاستتابة وقد سجل القرآن الكريم هذا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 60 – 65].

قال الرجل: صدقت.. فهذه الآيات الكريمة صريحة في أن التوبة كانت تعرض عليهم، وينصحون بها بعد نطقهم بالكفر، لكنهم يصدون ويأبون، فأين كلام الفقهاء الكثير جدًّا (يستتاب فإن تاب وإلا قتل)؟.

رمى آخر سيفه، وقال: صدقت.. وقد كان المنافقون يجاهرون بنفاقهم ويعاندون في الرد على الله ورسوله إلا أنهم مع ذلك لم يفصلوا عن الجماعة، ولم تعلن عليهم الحرب، ولم تبح دماءهم..

لقد ذكر الله تعالى ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 5 – 8].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 61].

رمى آخر سيفه، وقال: لقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى.. ومنها قوله تعالى:﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 67، 68].

فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى أن المنافقين وقفوا على شفا الخيانة العظمى؛ لكن لأنهم لم ينفذوا وعدهم لليهود لم يقاتلهم النبي J واكتفى بفضح الله لهم ورده عليهم وكشف أسرارهم.. وهذه الآيات لو نزلت على فقهائنا لأبادوا نصف المسلمين بدعوى الردة، فكيف وحركة النفاق هذه استمرت إلى آخر النبوة، تتجدد مع الأيام، يتوب القليل ويستمر الأكثرون، وينضم إليهم من انضم، حتى ذكر ابن عباس وغيره أن النفاق في آخر عهد النبي J كان أكثر من أوله، ولو كانت هناك استتابات وقتل لمن يتفوه بمثل الكلام الكفري السابق لما بقي من المنافقين من يجرؤ على مثل هذه الأقوال والأعمال.

رمى آخر سيفه، وقال: لقد ذكرني حديثكم هذا ببعض مشايخنا الذي كان يردد كل حين هذه العبارة [يستتاب، فإن تاب وإلا قتل]، وعندما سألناه عن سر ترديده لها بعد كل حكم شرعي، ذكر لنا أن شيخه فيها هو ابن تيمية.. ثم ذكر لنا أنه جمعها في مصنف خصها به، ثم راح يقرأ لنا منها أمثال هذه الفتاوى: (من قال لرجل: توكلت عليك أو أنت حسبي أو أنا في حسبك .. يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد كما كان الخضر مع موسى، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. الرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من لم يقل أن الله فوق سبع سمواته فهو كافر به حلال الدم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقى على بعض المزابل.. من قال القرآن محدث فهو عندى جهمى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. من قال إن أحدًا من الصحابة أو التابعين أو تابعى التابعين قاتل مع الكفار فهذا ضال غاو بل كافر يجب أن يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قتل.. من اعتقد صحة مجموع هذه الأحاديث فإنه كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب والا قتل.. إن أضمر ذلك (يعني تحريم اللحم أو الخبز أو النكاح) كان زنديقًا منافقًا لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يقتل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه.. من لم يلتزم هذا الشرع أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل .. من ادعى أن له طريقًا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التى بعث الله بها رسوله فإنه أيضًا كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.. أكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين فمن أكلها مستحلاًّ لذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من قال القرآن مخلوق فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من قال أن الله لم يكلم موسى تكليمًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من ظن أن التكبير من القرآن فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.. من أخر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب.. من قال إنه يجب على المسافر أن يصوم شهر رمضان وكلاهما ضلال مخالف لإجماع المسلمين يستتاب قائله فإن تاب وإلا قتل)([ii]).

هذه مجرد أمثلة عن فتاواه الكثيرة المملوءة بالحقد والكراهية، والبعيدة عن القيم القرآنية.. وللأسف فقد كانت هي زادنا الذي كان مشايخنا يزودوننا به؛ فلذلك امتلأنا بكل أصناف العداوة والبغضاء.

البقية العدد القادم

([i]) السير الكبير للفقيه الحنفي الشيباني (189هـ) (ج 1 ص 78)، و مغازي الواقدي (ج 1 / ص 1079).

([ii]) هذه نصوص لفتاوى في مواضع متفرقة من كتب ابن تيمية، وخصوصا مجموع الفتاوى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.