الطائفيون والحكماء السبعة (21)

الطائفيون والحكماء السبعة (21)

islam wattan . نشرت في المدونة 7339 لاتعليقات

قال الحكيم: فهل للإحسان علاقة بالنفس فقط.. أم له علاقة بالغير أيضًا؟

قال الرجل: بل له علاقة بكليهما، وقد قال الفيروزآباديّ في تعريفه: (الإحسان يقال على وجهين: أحدهما الإنعام على الغير، تقول: أحسن إلى فلان، والثّاني إحسان في فعله. وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملاً حسنًا)…

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: سادسًا: الإحسان

قال الحكيم: فهل للإحسان علاقة بالنفس فقط.. أم له علاقة بالغير أيضًا؟

قال الرجل: بل له علاقة بكليهما، وقد قال الفيروزآباديّ في تعريفه: (الإحسان يقال على وجهين: أحدهما الإنعام على الغير، تقول: أحسن إلى فلان، والثّاني إحسان في فعله. وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملاً حسنًا).

قال الحكيم: فالإحسان بهذا يدخل في كل الأعمال ما كان قاصرًا، أو متعديًا؟

قال الرجل: أجل.. وقد ورد في الحديث ما يدل على ذلك، فقد قال J: (إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة)([i]).

قال الحكيم: أليس من الإحسان أن يهتم كل إنسان بعيوبه، لإصلاحها، وتصحيح علاقته بالله، وأن يقصر اهتمامه بغيره على النصيحة؟

قال الرجل: بلى.. وقد أشار رسول الله J إلى ذلك، فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)([ii]).

قال الحكيم: أهذا الحديث من الأحاديث التي لا علاقة لها بالعمل.. أم أنها تتطلب عملاً وحركة ووجودًا خارجيًّا؟

قال الرجل: كيف تقول ذلك.. وقد نص العلماء المعتبرين على أن هذا الحديث من الأحاديث التي يعم تطبيقها جميع شؤون الحياة.. بل قد روينا بأسانيدنا عن المحدث الكبير أبي داود، قال كتبت عن رسول الله J خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب – يعني كتاب السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله J: (إنما الأعمال بالنيات)، والثاني: قوله J: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه،) والثالث: قوله J: (لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه)، والرابع: قوله J: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن)([iii]).

وقد عبر بعضهم عن ذلك شعرًا، فقال([iv]):

عمـدة الـدين عندنا كلمات

أربع من كـلام خير البريه

اتق الشبهات وازهد ودع ما

ليس يعنيك واعملـن بنـيه

قال الحكيم: ألا ترون أنكم بتضييعكم لهذا الحديث وقعتم فيما وقعتم فيه؟

قال الرجل: كيف ذلك؟

قال الحكيم: أليس سبب الخلاف الذي حصل بينكم وبين إخوانكم هو فضول كل طرف منكم للتفتيش على عقائد الآخر وأعماله.

قال الرجل: لا بد من ذلك، وقد كان من سنة سلفنا الصالح امتحان الناس للتعرف على عقائدهم، ليعاملوهم على أساسها، وقد قال الذهبي: (قال هشام: لقيت شهابًا وأنا شاب في سنة أربع وسبعين ومئة فقال لي: إن لم تكن قدريًّا ولا مرجئًا، وحدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما في هذين شيء)([v]).

وقال أبو مسهر: قدم أبو إسحاق الفزاري دمشق فاجتمع الناس ليسمعوا منه، فقال: اخرج إلى الناس، فقل لهم: من كان يرى القدر، فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يرى رأي فلان، فلا يحضر مجلسنا، فخرجت، فأخبرتهم([vi]).

وقال الحاكم: سمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور كان أبو العباس السراج، يمتحن أولاد الناس، فلا يحدث أولاد الكلابية، فأقامني في المجلس مرة فقال: قل أنا أبرأ إلى الله تعالى من الكلابية، فقلت: إن قلت هذا لا يطعمني أبي الخبز، فضحك وقال: دعوا هذا([vii]).

قال الحكيم: ولم فعلوا هذا.. ألم يكن الكافرون والمنافقون يحضرون مجلس رسول الله J، ولم ينهر أحدًا منهم عن الحضور، أم أن هؤلاء يتصورون أنفسهم أعظم وأشرف من رسول الله J؟

رمى رجل منهم بسيفه، وقال: بورك فيك.. لكأني أول مرة أسمع قوله J: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فلو أن كل مؤمن اكتفى بتطبيق ما كلف به من أوامر، وترك لغيره الحرية في أن يمارس ما اعتقده لما حصلت كل هذه الفتنة.

لقد صرح بذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108]

رمى آخر بسيفه، وقال: أجل.. وقد ورد في الروايات الكثيرة أن أصحاب النبي J كان بعضهم يصوم في السفر، وبعضهم يُفطِر، (فلا يُنكِر الصائم على المُفطِر ولا المُفطِر على الصائم)([viii]).

وقد قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: (يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة!)، وقد قال الذهبي معلقًا على هذه القصة: (هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه فما زال النظراء يختلفون)([ix]).

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكم.. لقد تذكرت لتوي مقولة ليحيى بن سعيد يقول فيها: (ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرّم هذا، فلا يرى المحرّم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرّم هلك لتحريمه)، وقال آخر: (إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه)

رمى آخر بسيفه، وقال: بورك فيكم.. لقد تذكرت لتوي ما ورد في الحديث عن عبد الله ابن مسعود، قال: سمعت رجلاًً قرأ آية سمعت من رسول الله J خلافها([x])، فأخذت بيده، فأتيت به رسول الله J، فقال: كلاكما محسن، ثم قال: (لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)([xi]).. فهذا الحديث يجيز الاختلاف ويعتبره، لكنه يحرم الخلاف.. فالخلاف شقاق، ويؤدي إلى الهلاك.

بل قد ورد في الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله J لنا لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، وقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي ولم يرد ذلك منا، فذكر ذلك للنبي J، فلم يعنف واحدًا منهم.. وهذا يدل على أن في الدين سعة.. وأن كل فهم للنص يمكنه أن يكون مقبولاً ما دام لا يعارض أصول الدين ولا قواعده.

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقتم جميعًا.. لقد ملأ مشايخ السوء قلبي أحقادًا، فقد كنت أنهض كل صباح لأشق عن قلوب المؤمنين، وأبحث عن عقائدهم، لأرميهم بعدها بالبدعة.. ثم أصليهم نار جهنم، ليرتاح قلبي، وتطمئن نفسي..

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت يا أخي.. لقد كان أولئك المشايخ يعرضون عن أحاديث رسول الله J التي تنهانا عن الشق عن قلوب الناس لمعرفة عقائدهم.. ليعوضوها بحديث ينسبونه لسفيان الثوري يقول فيه: (امتحنوا أهل الموصل بالمعافى فمن ذكره – يعني بخير – قلت َهؤلاء أصحاب سنة وجماعة، ومن عابه قلتَ هؤلاء أصحاب بدع)([xii]).

وبحديث لأحمد بن حنبل يقول فيه: (إذا رأيت من يغمزه – يعني حماد بن سلمة – فاتهمه ؛ فإنه كان شديدًا على أهل البدع)([xiii]).

وبحديث ليحيى بن معين يقول فيه: (إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة وحماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام)([xiv]).

وبحديث لابن حبان يقول فيه: (ولم يكن يثلبه في زمانه إلا معتزلي قدري أو مبتدع جهمي لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة)([xv]).

وبحديث لنعيم بن حماد يقول فيه: (إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد – يعني ابن حنبل – فاتهمه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق – يعني ابن راهويه – فاتهمه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير فاتهمه)([xvi]).

وبحديث لأبي حاتم الرازي يقول فيه: (إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنة)([xvii]).

وبحديث لمحمد بن هارون المخرمي الغلاس يقول فيه: (إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع)([xviii]).

وبحديث أبي الحسن الطرخاباذي الهمَذاني الذي يقول فيه: (أحمد بن حنبل محنة يعرف بها المسلم من الزنديق)([xix]).

رمى آخر بسيفه، وقال: لقد غفل هؤلاء جميعًا عن قوله تعالى: ﴿وَلاً تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94]، فالآية الكريمة تمنع المؤمنين من أن يخرجوا أحدًا من الإيمان بمجرد إلقائه السلام([xx]) أو إظهاره لأي شريعة من شرائعه.. لكن أولئك المشايخ لم يكونوا يكتفون لا بالسلام، ولا بالشهادتين.. ولا بالصلاة.. ولا بالقرآن.. بل كانوا يشترطون للحكم على المؤمنين بالإيمان أن يذعنوا لهم ولمشايخهم إذعانًا تامًّا، حتى يشهدوا لهم بالإيمان.

وقد ذكر الله تعالى أن سبب ذلك الإفراط في حب الدينا، فقال: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: 94].. فالدنيا ومناصبها وأموالها وحب التعزز فيها هو الذي دعا أولئك المشايخ إلى أن يعتبروا أنفسهم معايير للإسلام والزندقة.

البقية العدد القادم

([i]) رواه مسلم.

([ii]) رواه الترمذي وغيره.

([iii]) جامع العلوم والحكم (1/ 62).

([iv]) جامع العلوم والحكم (1/ 63).

([v]) سير أعلام النبلاء: 8/286.

([vi]) سير أعلام النبلاء:  8/541.

([vii]) سير أعلام النبلاء:  14/.

([viii]) جامع بيان العلم وفضله (2/161).

([ix]) فتح البر بترتيب التمهيد لابن عبد البر (4/548).

([x]) المراد منه الاختلاف في كيفية قراءتها.

([xi]) رواه البخاري.

([xii]) تهذيب الكمال 28/153.

([xiii]) سير أعلام النبلاء: 7/452.

([xiv]) تهذيب الكمال للمزي 7/263 ، وسير أعلام النبلاء 7/447.

([xv]) تهذيب الكمال 7/267.

([xvi]) سير أعلام النبلاء: 11/370.

([xvii]) تهذيب الكمال 1/456.

([xviii]) تهذيب الكمال 1/456.

([xix]) تهذيب الكمال 1/457.

([xx]) من الروايات الواردة في سبب نزول الآية ما رواه أحمد عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي J وهو يسوق غنمًا له، فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي J، فنزلت الآية، تفسير ابن كثير (2/ 382).

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.