الطائفيون والحكماء السبعة (22)

الطائفيون والحكماء السبعة (22)

islam wattan . نشرت في المدونة 7926 لاتعليقات

رمى آخر بسيفه، وقال: لقد غفل أولئك المشايخ الذين حجبونا عن ربنا وملئوا قلوبنا أحقادًا عن تلك الروايات الكثيرة التي تدعونا إلى الاهتمام بأنفسنا، وترك الخلق للخالق، فهو ربهم، وأعلم بهم، وبكيفية تربيته لهم.. لقد تذكرت لتوي ما ورد في الحديث عن رسول الله J أنه قال: (أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة)، فدخل رجل، فقام إليه ناس، فأخبروه، وقالوا: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك، قال: (إن عملي لضعيف، وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر، وتركي ما لا يعنيني)…

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: سادسًا: الإحسان

رمى آخر بسيفه، وقال: لقد غفل أولئك المشايخ الذين حجبونا عن ربنا وملئوا قلوبنا أحقادًا عن تلك الروايات الكثيرة التي تدعونا إلى الاهتمام بأنفسنا، وترك الخلق للخالق، فهو ربهم، وأعلم بهم، وبكيفية تربيته لهم.. لقد تذكرت لتوي ما ورد في الحديث عن رسول الله J أنه قال: (أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة)، فدخل رجل، فقام إليه ناس، فأخبروه، وقالوا: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك، قال: (إن عملي لضعيف، وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر، وتركي ما لا يعنيني)([i]).

رمى آخر بسيفه، وقال: لقد غفل أولئك المشايخ عن تلك النصوص المقدسة الكثيرة التي تدعونا إلى تحسين علاقاتنا بالناس مهما اختلفت مذاهبهم.. وراحوا يشحنون قلوبنا بالأحقاد التي تجعلنا أغلظ أكبادًا من الإبل.

لقد غفلوا عما ورد في القرآن الكريم من شأن يوسف عليه السلام في السجن، وكيف تأثر به المساجين، مع كونهم كانوا مشركين، كما قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36].

ولو أن يوسف A استعمل معهم قوانين الولاء والبراء التي ربانا عليها مشايخنا لما اعتبروه من المحسنين، ولما أقبلوا يسألونه.. وكيف يسألون من يعبس في وجوههم، ويهجرهم ويحتقرهم.

رمى آخر بسيفه، وقال: أتذكر جيدًا ذلك اليوم المؤلم الذي ذهبت فيه إلى بعض مشايخنا، وأخبرته أن والديَّ قاما بزيارة لبعض الأضرحة، وأنهما طلبا مني اصطحابهما، فأخبرني أنهما مشركان، ثم أتبع ذلك بقوله ناقلاً عن شيخه ابن تيمية: (فإن الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه بل له أن يأمره وينهاه وهذا الأمر والنهي للوالد هو من الإحسان إليه. وإذا كان مشركًا جاز للولد قتله)([ii]).

وقد جعلتني فتواه تلك أفكر مرات كثيرة في قتلهما، لولا أني قرأت قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: 14، 15].

وقرأت معها كيف تعامل إبراهيم عليه السلام مع قريبه المشرك، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 41 – 48].

رمى آخر بسيفه، وقال: لقد حصل لي ما حصل لك، ولكن ليس مع أهلي، وإنما مع جيراني وأقاربي جميعًا الذين أعلنت الحرب عليهم بسبب مخالفتهم لما أراه من آراء، أو لمن أواليهم من الناس.. وقد جعلني ذلك أمتلئ بكل أنواع الحقد والكراهية مع أنني قبل التزامي كنت مسالمًا، بل ومحبوبًا من جميع الناس.

أذكر في ذلك اليوم أني ذهبت إلى شيخي، وحكيت له عن أصدقائي وجيراني، فسألني عن عقائدهم، فأخبرته عنها، فراح يحكي لي عن بعض مشايخه أنه قال: (من جلس مع صاحب بدعة فاحذره، ومن جلس مع صاحب البدعة لم يُعطَ الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد، آكل مع اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل مع صاحب البدعة)([iii]).

وحكى لي عن آخر قوله: (من أتاه رجل فشاوره فدلَّه على مبتدع فقد غش الإسلام، واحذروا الدخول على صاحب البدع فإنهم يصدون عن الحق)([iv]).

وحكى لي عن آخر قوله: (من أصغى بأذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله ووكل إليها يعني إلى البدع)([v]).

وحكى لي عن آخر قوله: (لأن يجاورني قردة وخنازير، أحب إليَّ من أن يجاورني أحد منهم يعني أصحاب الأهواء)([vi]).

وحكى لي عن آخر أنه (جعل إصبعيه في أذنيه لما سمع معتزليًا يتكلم)([vii]).

وحكى لي عن آخر قوله: أنه (امتنع من سماع إبراهيم بن أبي يحيى المعتزلي، وقال: لأن القلب ضعيف وإن الدين ليس لمن غلب)([viii]).

وحكى لي عن آخر قوله لرجل ممن سماهم أصحاب الأهواء: أسألك عن كلمة، فولى وهو يقول: ولا نصف كلمة، مرتين يشير بإصبعيه([ix]).

رمى آخر بسيفه، وقال: لقد غفل هؤلاء جميعا أن يحدثونا عن مقولة إمام المتقين الإمام علي في عهده لمالك الأشتر لما ولاه مصر، فقد قال له: (.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه)([x]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد غفلوا عن أولئك العلماء الصادقين الذين وقفوا في وجه هذه الفتنة، كالشيخ جمال الدين القاسمي([xi])، فقد كان من دعاة الترفع على الأحقاد، والتعامل مع الناس بإنسانية، لا بما يقتضيه ولاؤهم وبراؤهم، فمن مقولاته في ذلك: (من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها، وكثر سوادها، لا بد أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى، وأعظم استجابة؛ لأن التوسط منـزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر، ورغيبة السواد الأعظم، وعليه درجت طوائف الفرق والنحل، فحاولت الاستئثار بالذكرى، والتفرد بالدعوى، ولم تجد سبيلاً لاستتباع الناس لها إلا الغلو بنفسها، وذلك بالحط من غيرها، والإيقاع بسواها، حسب ما تسنح لها الفرص، وتساعدها الأقدار، إن كان بالسنان، أو اللسان)([xii]).

وقال مدافعًا عن المتهمين بالبدعة: (ولكن لا يستطيع أحد أن يقول: أنهم تعمدوا الانحراف عن الحق، ومكافحة الصواب عن سوء نية، وفساد طوية، وغاية ما يقال في الانتقاد في بعض آرائهم: إنهم اجتهدوا فيه فأخطأوا، وبهذا كان ينتقد على كثير من الأعلام سلفًا وخلفًا؛ لأن الخطأ من شأن غير المعصوم، وقد قالوا: المجتهد يخطئ ويصيب: فلا غضاضة ولا عار على المجتهد أن أخطأ في قول أو رأي، وإنما الملام على من ينحرف عن الجادة عامدًا معتمدًا، ولا يتصور ذلك في مجتهد ظهر فضله، وزخر علمه)([xiii]).

وقال: (دع مخالفك ـ إن كنت تحب الحق ـ يصرح بما يعتقد، فإما أن يقنعك وإما أن تقنعه ولا تعامله بالقسر فما انتشر فكر بالعنف أو تفاهم قوم بالطيش والرعونة. من خرج في معاملة مخالفه عن حد التي هي أحسن يحرجه فيخرجه عن الأدب ويحوجه إليه؛ لأن ذلك من طبع البشر مهما تثقفت أخلاقهم وعلت في الآداب مراتبهم. وبعد فإن اختلاف الآراء من سنن هذا الكون، وهو من أهم العوامل في رقي البشر، والأدب مع من يقول فكره باللطف قاعدة لا يجب التخلف عنها في كل مجتمع. والتعادي على المنازع الدينية وغيرها من شأن الجاهلين لا العالمين، والمهوسين لا المعتدلين)([xiv]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد قال قبله صالح بن مهدي المقبلي: (فأقول اللهم إنه لا مذهب لي إلا دين الإسلام، فمن شمله فهو صاحبي وأخي، ومن كان قدوة فيه عرفت له حقه، وشكرت له صنعه، غير غالٍ فيه ولا مقصر، فإن استبان لي الدليل، واستنار لي السبيل، كنت غنيًّا عنهم في ذلك المطلب، وإن ألجأتني الضرورة إليهم وضعتهم موضع الأمارة على الحق، واقتفيت الأقرب في نفسي إلى الصواب بحسب الحادثة، بريئًا من الانتساب إلى إمام معين، يكفيني أني من المسلمين، فإن ألجأني إلى ذلك الله، ولم يبق لي من إجاباتهم بد، قلت: مسلم مؤمن، فإن مزقوا أديمي، وأكلوا لحمي، وبالغوا في الأذى، واستحلوا البذا، قلت: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55]، ﴿لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50]، وأجعلك اللهم في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم، رب نجني مما فعله المفرقون لدينك، وألحقني بخير القرون من حزب أمينك J)([xv]).

البقية العدد القادم

=================

([i]) جامع العلوم والحكم (1/ 294).

([ii]) مجموع الفتاوى (14/ 478).

([iii]) الحلية لأبي نعيم 8/103.

([iv]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 261.

([v]) البربهاري في شرح السنة /60.

([vi]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 231.

([vii]) ابن بطة في الإبانة 1/40.

([viii]) ابن بطة في الإبانة 1/40.

([ix]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم 291.

([x]) نهج البلاغة: 53.

([xi]) وهو من علماء الحديث والتفسير، ومع ذلك ينكر عليه السلفية، ويتشددون في رفضه انظر أقوال الشيخ ربيع بن هادي في جمال الدين القاسمي في [بيان مافي نصيحة إبراهيم الرحيلي من الخلل والإخلال] ص (١٤-١٥)].

([xii]) الجرح والتعديل ـ ص4.

([xiii]) الجرح والتعديل ـ ص10.

([xiv]) الجرح والتعديل ـ ص38.

([xv]) العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، المقبلي، صالح بن المهدي، ص7 ـ 8.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.