الطائفيون والحكماء السبعة (20)

الطائفيون والحكماء السبعة (20)

islam wattan . نشرت في المدونة 6956 لاتعليقات

قام الحكيم السادس بين الصفين، وقال: أجيبوني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم.. أليس الإحسان من القيم العظمى التي نادى بها القرآن الكريم، وأوجبها على المؤمنين؟..

الدكتور نور الدين أبو لحية

سادسًا: الإحسان

قام الحكيم السادس بين الصفين، وقال: أجيبوني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم.. أليس الإحسان من القيم العظمى التي نادى بها القرآن الكريم، وأوجبها على المؤمنين؟

قال أحدهم: بلى.. وهل في ذلك شك؟.. إن صبياننا يعلمون هذا، وكيف لا يعلمونه، وهم يقرؤون قوله تعالى جامعًا بين الدعوة للعدل والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

قال الحكيم: فهل تعلمون الجزاء العظيم الذي أعده الله للمحسنين؟.

قال الرجل: أجل.. وأوله وأعظمه معية الله للمحسنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

قال آخر: وقبله وبعده ومعه حب الله للمحسنين، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

قال آخر: وبعد ذلك كله خير الدنيا والآخرة.. والذي عبرت عنه آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]، وقال: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172].

قال آخر: بل إن الله تعالى ذكر أنه أعد للمحسنين من الجزاء ما لم يعده لغيرهم.. فلهم الحسنى والزيادة.. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: 26].

قال الحكيم: بورك فيكم.. أتدرون سر كل هذا الجزاء العظيم المعد للمحسنين؟.

قال رجل منهم: أجل.. فالإحسان هو المرتبة العليا من الدين.. وقد قال تعالى يذكر ذلك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125]، وقال رسول الله J في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)([i]).

قال الحكيم: ألا ترون أن مرتبة عظيمة مثل هذه استحق أصحابها أن ينالوا رضوان الله ومعيته ومحبته.. وينالوا فوق ذلك الجزاء العظيم في الدنيا والآخرة.. ألا ترون أننا بحاجة إلى التحقق بها، بل وضع كل همتنا في الرقي في درجاتها الرفيعة؟

قالوا: بلى.. ونحن نفعل ذلك بحمد الله.

قال الحكيم: من السهل أن ندعي لأنفسنا ما نشاء.. لكن الأمر خلاف ما نتوهم أو نتمنى؛ لأن لله تعالى موازين لا يمكن تجاوزها، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]

قالوا: صدقت في هذا.. لكنا نشعر أننا مذ تحركت فينا همة الجهاد في سبيل الله نلنا أرقى المراتب، وتحققنا بأعلى درجات الإيمان.. وقد وعدنا مشايخنا بأننا بمجرد أن تسفك دماءنا في هذه الحرب المقدسة، ستستقبلنا الملائكة، ومعها كل ما نهواه من فضل ونعمة.

قال الحكيم: أجيبوني.. أليس الشيطان يتلاعب بالحقائق، ليخدع بها من يشاء؟

قال رجل منهم: أجل.. وقد قال أخبر تعالى عن وساوس الشيطان لآدم A، وأنه وعدهما بالخلود إن أكلا من الشجرة: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 20، 21].

قال الحكيم: ألا ترون أن خدعة الشيطان التي انطلت على آدم A مع ما علمه الله من الأسماء، وما رآه من العجائب، ومع التحذيرات الإلهية التي حذر بها.. يمكن أن تنطلي علينا أيضًا، فنتصور الإساءة إحسانًا، والجور عدلاً؟.

قال الرجل: بلى.. ذلك صحيح، فنحن لسنا معصومين.

قال الحكيم: ومشايخكم.. أهم معصومون فيما يدعونكم إليه.. أو يعدونكم به؟.

قال الرجل: لا.. فهم لا يدعون لأنفسهم ذلك.. ونحن لا ندعي لهم ذلك.

قال الحكيم: ألا يمكن أن تكون الوعود التي وعدوكم بها مما أخطأوا فيه؟

قال الرجل: محال ذلك.. فهم قد اقتبسوها من المصادر المعصومة المقدسة.

قال الحكيم: فهل في هذه النصوص المقدسة ذكر لهذه الحرب، وما العمل فيها؟.

قال الرجل: لا.. ليس فيها ذلك.. ولو كان فيها ذلك ما وقع الخلاف.

قال الحكيم: فهو فهموه إذن؟.

قال الرجل: أجل.. وفهمهم محترم لأنه نابع من اجتهاد.

قال الحكيم: وهل كل محترم معصوم.. ألا يمكن أن يكون ذلك المحترم قد أخطأ في هذه المسألة دون غيرها؟.

قال الرجل: ذلك ممكن.

قال الحكيم: ألم تعلموا أن خطأ واحدًا من آدم A، وهو أكله من الشجرة، تسبب في هبوطه من الجنة؟

قال الرجل: ذلك صحيح.

قال الحكيم: ولكن الخطأ الذي قد يقع فيه مشايخكم ربما يوردكم جهنم.

قال الرجل: لا.. نحن لا نخاف ذلك؛ لأن كل مجتهد ينال أجرًا أخطأ أو أصاب.. ونحن أيضًا بما أننا مقلدون لهم، فسيتحملون عنا ما وقعوا فيه من اجتهاد خاطئ.

قال الحكيم: أراك مع حفظك الجيد للقرآن الكريم نسيت أن تحفظ قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 166، 167].

قال الرجل: بلى أحفظها.. وهي في سورة البقرة.

قال الحكيم: فهل تعلم التحذيرات العظيمة التي وردت فيها؟.

قال الرجل: أجل.. فهي تخبر عن مشهد من مشاهد القيامة، حيث تبرأ فيه الأتباع من المتبوعين.. وحيث يصلون جميعًا نيران العذاب.

قال الحكيم: فهل ينفع ذلك التبرؤ؟.

قال الرجل: لا.. لا ينفعهم.. بل سيظلون يتحسرون.

قال الحكيم: ألا يمكن أن يكون هؤلاء التابعين الذين أوردهم متبوعوهم العذاب هو أنتم؟.

قال الرجل: لا.. لا يمكن.. فمشايخنا يستحيل أن يكونوا كذلك.

قال الحكيم: فهل لكم دليل من الغيب على استحالة ذلك عليهم؟.

لم يجد الرجل ما يقول، فقال الحكيم: ألا يدعوكم هذا بدل الرجوع إلى مشايخكم أن ترجعوا إلى مواقفكم الخطيرة هذه.. والتي يرتبط بها عز الأبد أو ذله.. أن تعرضوا أعمالكم هذه على معايير الإحسان كما وردت في المصادر المقدسة، بعيدًا عن آراء الرجال، لتروا هل تنسجم معه أم لا؟.

قالوا: بلى.. ذلك صحيح.

قال الحكيم: ألا يستدعي ذلك – أولاً – الرجوع لتلك المصادر للتعرف على حقيقة الإحسان الذي أنيط به كل ذلك الجزاء العظيم.. حتى لا تصيبنا خدع الشيطان التي يلبس بها على العقول؟.

قالوا: بلى.. فالعلم مقدم على العمل.

قال الحكيم: فهل تدرون ما الإحسان؟.

قال رجل منهم: أجل.. وكيف لا ندريه.. فالمحاسن ضدّ المساوئ، كما قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (الرعد: 22)، أي يدفعون بالكلام الحسن ما ورد عليهم من سيّء غيرهم.

البقية العدد القادم

([i]) رواه البخاري ومسلم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.