الطائفيون والحكماء السبعة (24)

الطائفيون والحكماء السبعة (24)

islam wattan . نشرت في المدونة 9323 لاتعليقات

ال الحكيم: ألم تسمع بحديث الذي بال في المسجد؟

قال الرجل: بلى.. لقد أنستنيه الأيام مع أنني لدي إجازة من مشايخي بروايته.. فقد حدثني شيخي عن شيخه إلى أبي هريرة قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله J إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله J: مه مه،..

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: سابعًا: الرحمة

قال الحكيم: ألم تسمع بحديث الذي بال في المسجد؟

قال الرجل: بلى.. لقد أنستنيه الأيام مع أنني لدي إجازة من مشايخي بروايته.. فقد حدثني شيخي عن شيخه إلى أبي هريرة قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله J إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله J: مه مه، فقال رسول الله J: (لا تزرموه، دعوه)، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله J، دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)، فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه([i]).

قال الحكيم: بورك في حفظك للحديث.. لكنك لم تكمله.. فللحديث تتمة.

قال الرجل: أجل.. وقد رويتها بسندي عن أبي هريرة أن أعرابيًّا دخل المسجد ورسول الله J جالس، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي J: لقد تحجرت واسعًا. ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي J، وقال: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)، صبُّوا عليه سجلاً من ماء([ii]).

قال الحكيم: فهل ترى أن هذه الحادثة خاصة بزمنه J.. أم أنها عامة؟

قال الرجل: بل هي عامة.. فقد ذكر رسول الله J في آخر الحديث لصحابته هذه المقولة: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)

قال الحكيم: فهل ترون ما تقومون به من قتل بعضكم بعضًا من أجل رأي أو قضية أو موقف داخل في التيسير أم التعسير؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: بل هو داخل في التعسير.. وأنتم بمواقفكم هذه تخالفون سنة نبيكم J.. بل تحولون دين الرحمة إلى دين قسوة.. ودين اليسر إلى دين عسر.. أنتم تحرفون الدين تحريفًا خطيرًا.

رمى رجل سيفه، وقال: بورك فيك أيها الحكيم.. لقد تذكرت لتوي كيف فعل رسول الله J عندما تمكن من أعدائه الذين صبُّوا عليه وأصحابه جميع أنواع العذاب، وسلبوا أموالهم، وديارهم، وأجلوهم عن بلادهم، لكنه J قابل كل تلك الإساءات بالعفو والصفح والحلم قائلاً: (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟)، قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال J: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)

لقد أنزل الله عليه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل:126)، فاختار أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم، وأن لا يعاقب فقال: (نصبر ولا نعاقب)

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث جابر أنه غزا مع رسول الله J، فلما قفل معه أدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة فنزل رسول الله J وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله J تحت سمرة فعلق سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله J يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: (إن هذا اخترط علي سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده فقال: من يمنعك مني؟) فقلت: الله ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس([iii]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث جابر الآخر أن رسول الله J جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، ويفرقها، فقال له رجل: يا رسول الله أعدل، فقال: (ويحك، من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن كنت لا أعدل) فقال عمر: ألا أضرب عنقه فإنه منافق؟ فقال: (معاذ الله أن يتحدث أني أقتل أصحابي)([iv]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله J ناسًا في القسمة ليؤلفهم، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى ناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله تعالى، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله J فأتيته، فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟) ثم قال: (يرحم الله موسى A، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)([v]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث عبد الله بن سلام: أن زيد ابن سعية – وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود – قال: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد J حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: أن يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه، فابتعت منه تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم، وأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، أتيته، فأخذت بجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فوالله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل، وقد كان لي بمخالطتكم علم، فقال عمر: أي عدو الله، أتقول لرسول الله J ما أسمع؟ فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله J ينظر إلى عمر في سكون، وتؤدة، وتبسم، ثم قال: (أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا، مكان ما رعته)، ففعل عمر، فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله J إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد خبرتهما، فأشهدك أني رضيت بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد J نبيًّا([vi]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث عائشة قالت: ابتاع رسول الله J جزورًا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة، فجاء منزله، فالتمس التمر، فلم يجده، فخرج إلى الأعرابي فقال: (عبد الله، إنَّا قد ابتعنا منك جزورك هذا بوسق، من تمر الذخيرة، ونحن نرى أن عندنا، فلم نجده) فقال: الأعرابي: واغدراه واغدراه، فوكزه الناس وقالوا: إلى رسول الله J تقول هذا؟ فقال: (دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً) فردد ذلك رسول الله J مرتين أو ثلاثًا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: (اذهب إلى خولة بنت حكيم ابن أمية فقل لها رسول الله J يقول لك: إن كان عندك وسق من تمر الذخيرة فسلِّفينا حتى نؤديه إليك إن شاء الله تعالى) فذهب إليها الرجل، ثم رجع قال: قالت: نعم هو عندنا يا رسول الله، فابعث من يقبضه، فقال رسول الله J للرجل: (اذهب فأوفه الذي له) فذهب، فأوفاه الذي له، قال: فمر الأعرابي برسول الله J، وهو جالس في أصحابه، فقال: جزاك الله خيرًا، فقد أوفيت وأطيبت، فقال رسول الله J: (أولئك خيار الناس الموفون المطيبون)([vii]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث أنس قال: كنت أمشى مع رسول الله J وعليْه بُرُدٌ نجرانىّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابىّ فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عنق رسول الله J وقد أثَّر بها حاشية الرَّداء من شدَّة الجذبة، ثم قال: يا محمد مُرْ لى من مال الله الذى عندك، فالْتَفتَ إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء([viii]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث الرجل الذي أتى رسول الله J يتقاضاه فأغلظ له، فهمَّ به أصحابه، فقال رسول الله J:(دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً، ثم قال: اعطوه شيئًا مثل سِنِّه)، فقالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أفضل من سِنِّه، قال: (اعطوها، وخيركم أحسنكم قضاء)([ix]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث اليهودية التي أتت رسول الله J بشاة مسمومة، فأكل منها فجيء بها، فقيل: ألا تقتلها فقال: (لا)([x]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي أن رسول الله J لما كسرت رباعيته، وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال رسول الله J: (إني لم أبعث لعَّانًا، ولكن بعثت داعيًا ورحمة، اللهم اهدِ قومي، فإنهم لا يعلمون)([xi]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي قول أنس: (ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعباد من رسول الله J)([xii]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث مالك بن الحويرث قال: كان رسول الله J رحيمًا، رفيقًا، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنَّا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركنا عند أهلنا، فأخبرناه، فقال: (ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا عندهم)([xiii]).

رمى آخر بسيفه، وقال: صدقت.. وقد تذكرت لتوي حديث أبي قتادة أن رسول الله J قال: (إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجدانه من بكائه)([xiv]).

البقية العدد القادم

([i]) رواه البخاري ومسلم.

([ii]) رواه أبو داود.

([iii]) رواه البخاري.

([iv]) رواه أبو الشيخ، وابن حبان.

([v]) رواه مسلم.

([vi]) رواه ابن حبان، والحاكم.

([vii]) رواه أحمد، وأبو الشيخ.

([viii]) رواه البخاري ومسلم.

([ix]) رواه البخاري ومسلم.

([x]) رواه البخاري.

([xi]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، مرسلا، ورواه موصولاً عن سهل بن سعد مختصرًا: (اللهم: اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون).

([xii]) رواه مسلم.

([xiii]) رواه البخاري ومسلم.

([xiv]) رواه البخاري ومسلم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.