الطائفيون والحكماء السبعة (23)

الطائفيون والحكماء السبعة (23)

islam wattan . نشرت في المدونة 8657 لاتعليقات

قام الحكيم السابع بين الصفين، وقال: أخبروني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم عن أول اسم من أسماء الله الحسنى تجدونه في القرآن الكريم.

قام رجل من القوم، وقال: ذاك مما يعرفه صغارنا.. إنه لا شك اسمه الرحمن المقترن باسم الرحيم.. فقد تكرر ذكرهما في سورة الفاتحة مرتين.. وتكرر ذكر رحمة الله في القرآن الكريم بما لا يعد ولا يحصى.. بل لم يذكر من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مثلما ذكرت رحمة الله….

الدكتور نور الدين أبو لحية

سابعًا: الرحمة

قام الحكيم السابع بين الصفين، وقال: أخبروني يا من لا تزالون تحملون سيوفكم عن أول اسم من أسماء الله الحسنى تجدونه في القرآن الكريم.

قام رجل من القوم، وقال: ذاك مما يعرفه صغارنا.. إنه لا شك اسمه الرحمن المقترن باسم الرحيم.. فقد تكرر ذكرهما في سورة الفاتحة مرتين.. وتكرر ذكر رحمة الله في القرآن الكريم بما لا يعد ولا يحصى.. بل لم يذكر من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مثلما ذكرت رحمة الله.

قال الحكيم: فهل رحمة الله خاصة بقوم دون قوم.. أو بخلق دون خلق.. أم أنها وسعت الخلق جميعًا؟

قال الرجل: لا شك أنها وسعت الخلق جميعًا، وقد قال تعالى:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.

قال الحكيم: فهل يمكنها أن تسع المذنبين والغافلين والعاصين؟.

قال الرجل: ويلك.. وهل أنت في شك من ذلك.. فرحمة الله وسعت كل شيء.. حتى المذنبين والغافلين والعاصين، وقد قال تعالى:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، وقال: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 147]

قال الحكيم: فهل تجدون في أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام من عمر طويلاً وهو كافر مشرك.. لكن رحمة الله تداركته في آخر لحظة.. فآمن واتبع الرسل ومحيت عنه كل خطاياه.. بل عوض بدلها الدرجات الرفيعة من الجنة؟

قال الرجل: أجل.. وهو كثير جدًّا.. وقد ذكر القرآن الكريم من أمثلته سحرة فرعون، فقد عاشوا حياتهم كلها في بلاطه يشركون بالله.. ويمارسون كل صنوف الانحراف، ولكن رحمة الله تداركتهم.. كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: 70]، و﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 72 – 76].

قال الحكيم: فهل تراهم قد فازوا بالسعادة الأبدية بعد قولهم هذا؟.

قال الرجل: لا شك في ذلك.. ومن شك في ذلك فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ورميت رأسه في المزابل.

قال الحكيم: أرأيتم لو أن رجلاً من الغيورين أمثالكم راح لبعض هؤلاء السحرة، فقتلهم، كيف يكون مصيرهم؟

قال الرجل: لا شك أن مصيرهم حينها سيكون جهنم، وبئس المصير.

قال الحكيم: فكم سيمكثون فيها حينها؟

قال الرجل: سيخلدون فيها خلودًا أبديًّا.

قال الحكيم: ألا يكون الذي قتلهم حينها قد جنى عليهم.. وقد حرمهم من السعادة الأبدية.. وأنزلهم دار الشقاوة الأبدية.

قال الرجل: أجل..

قال الحكيم: فهل تراه قاسيًا بفعله ذلك، أم رحيمًا؟

قال الرجل: بل أراه قاسيًا؛ لأن الله رحمهم بمد آجالهم حتى يروا من آيات الله ما تطمئن له قلوبهم، ويتخلصوا به من ضلالهم.

قال الحكيم: فلم لا تتركون الفرصة لمن ترونهم قد ابتدعوا أو ضلوا عسى هداية الله تملأ قلوبهم.. وعسى رحمة الله التي وسعت كل شيء تتداركهم؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: أخبروني عن خبر إبراهيم A عندما جاءه الملائكة الذين يريدون إنزال العقوبة على قوم لوط بعد أن قامت الحجة عليهم.. هل ترونه راح يشجعهم على ذلك، ويفرح بما عزموا عليه، أم ترونه راح يستعمل كل الوسائل لمنعهم، مع علمه بأنهم ملائكة الله؟

قام رجل آخر، فقال: لقد حكى القرآن الكريم عن ذلك.. فقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]، لكن الله عاتبه على ذلك، فقال: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 76]

قال الحكيم: فهل ترون الله تعالى مدح إبراهيم عليه السلام في موقفه ذلك أم لا؟

قال الرجل: بل مدحه.. فقد قال تعالى قبل ذكر عتابه له: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75]

قال الحكيم: فهل كانت أفعال قوم لوط أفعالاً شنيعة، وكان إبراهيم يعلم بها أم لا؟

قال الرجل: بل كانت أفعالاً شنيعة.. وكان إبراهيم A يعلم بها.

قال الحكيم: ومع ذلك.. فقد توسط لهم ورحمهم وأثنى الله عليه بذلك.

قال الرجل: ذلك صحيح.

قال الحكيم: ولم كان كذلك؟

قال الرجل: لأن الأنبياء عليهم السلام جبلوا على الرحمة.. وقد أخبر الله تعالى عن رسول الله J أنه كان من فرط حزنه على قومه بسبب عدم إيمانهم يكاد يقتل نفسه.. قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]

قال الحكيم: ولم كان كذلك؟

قال الرجل: لحرصه على إيمانهم، وقد قال تعالى يبين ذلك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

قال الحكيم: أرأيتم لو أن رسول الله J تمكن حينها منهم، أكان يقيم عليهم جميعًا حد الردة، فيقتلهم لشركهم، ولصدهم عن دين الله؟

قال الرجل: وأنى لنا أن نعرف ذلك.

قال الحكيم: بلى.. ألم ترووا في الحديث أن رسول الله J أجاب من سأله: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟)، قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي J: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا)([i]).

قال الرجل: الحديث صحيح.. وقد رواه جمع كثير من الثقاة الذين لا نشك في نزاهتم وضبطهم وكفاءتهم في الرواية.

قال الحكيم: ألا ترى أن رسول الله J كان في إمكانه عن طريق ملك الجبال أن يقيم عليهم أحكام الدين.. ويقضي عليهم دفعة واحدة، وتستريح الأرض من شركهم؟

قال الرجل: لقد طمع رسول الله J في أن يكون من أولاد أولئك المشركين من يؤمن به.

قال الحكيم: فلم لا تطمعون في أولاد من تحاربونهم أن ينتهجوا الصراط الذي تنتهجونه.

قال الرجل: لقد كان ذلك في مكة.. لا في المدينة.. وكان قبل الهجرة لا بعدها.

قال الحكيم: فهل ترون رحمة الله ورحمة رسوله نسخت أم عطلت بعد الهجرة؟

قال الرجل: معاذ الله.. فرسول الله كما ذكره ربه رحمة للعالمين.. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

قال الحكيم: ولكنكم تجعلونه رحمة خاصة بكم حين تسمحون لأنفسكم أن تقتل كل من يخالفكم بحجة أنه يخالف نبيكم.

سكت الرجل، فقال الحكيم: ألستم تذكرون في دواوينكم التي هي أهم عندكم من كل شيء أن كبار المشركين الذين حاربوا رسول الله a، وتفننوا في حربه قد أسلموا، وحسن إسلامهم.. وأنهم صاروا صحابة أجلاء.. وأنهم اكتسبوا بعد كل تلك الحروب التي خاضوها ضد الإسلام من الحرمة والمنعة ما لم يكتسبه الذين ولدوا في الإسلام وعاشوا به، وماتوا عليه.

قال الرجل: تقصد هندًا وأبا سفيان؟

قال الحكيم: وغيرهما كثير.. ألستم تجلونهم وتعظمونهم مع كل ما فعلوه؟

قال الرجل: لأن رحمة الله تداركتهم..

قال الحكيم: فلم لا تدعون رحمة الله تتدارك هؤلاء البسطاء الذين تقاتلونهم.. ولم لا تدعون رحمة الله تتنزل على أولادهم وأحفادهم إن لم تتنزل عليهم؟

سكت الرجل، فقال الحكيم: أخبروني ماذا تفعلون برجل يحمل النجاسات.. ويضعها في المسجد؟

سل بعضهم سيفه، وقال: من رأيته يفعل ذلك لأغمدن سيفي في صدره.. أو لأجتزن رقبته وأرمي برأسه للكلاب والثعالب.

قال الحكيم: فهل لك دليل على ذلك من سنة نبيك الذي تزعم أنك تتبعه؟

قال الرجل: أجل.. فالمساجد من شعائر الله.. ومن حقرها فقد حقر شعائر الله.. وليس لذلك سوى القتل.

قال الحكيم: فهل أنت أكثر تعظيمًا لشعائر الله من رسول الله J؟

قال الرجل: معاذ الله.. فرسول الله J هو أعلم الخلق بالله، وأعظمهم تعظيمًا لشعائره.

قال الحكيم: فما سنته فيمن فعل ذلك؟

قال الرجل: أنا لم أسمع بأي سنة في هذا الباب..

البقية العدد القادم

========

([i]) رواه البخاري.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.