الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (1)

الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 5594 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

الذكر والفكر من أفضل العبادات

معلوم أن الذكر والفكر من أفضل عبادة العابدين، وهما من سمات أولي الألباب، قال تعالى: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( (آل عمران: 191 – 191).

وقد أَهَّل اللهُ الإِنسان للذكر والفكر بما أودعه فيه من العقل الذي يعقل عنه، وما أمده به من الهداية والتوفيق، وما كتبه في قلبه من الإِيمان، وما زين به الإِيمان في قلبه، وما أيده به من رُوحه؛ فيتفضل اللهُ على الإِنسان بما لا يناله بجهاد ولا برياضة من الشهود، والحب، والقرب.

يقول الحقّ Y في وصف أولي الألباب: )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ(، أي: يذكرونه على الدوام قائمين وقاعدين ومضطجعين، وعنه J: (منْ أرادَ أن يَرْتَع في رِيَاضِ الجَنة فليُكثْر ذِكرَ الله)(1)، وقيل: يُصلّون على الهيئات الثلاث حسب الطاقة لقوله عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين – وكان مريضًا -: (صَلِّ قائِمًا، فإِنْ لَمْ تَسْتَطْع فقاعِدًا، فإنْ لَمْ تَستطِعْ فعلى جَنْبِكَ وتُومئ إيماء).

وقد فصلنا سابقًا موضوع الذكر وما يتعلق به من فضائل وأحكام وحِكم وهيئات وأنواع.

أما التفكر فقد فصَّله الإمام المجدِّد السيد محمد ماضى أبو العزائم في تراثه نثرًا ونظمًا، وتكلم فيه غيره من الأئمة، ومن ذلك نورد ما يلي:

الذكر مفتاح الفكر

قال تعالى: )وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ( استدلالاً واعتبارًا، وهو أفضل العبـادات،

قال J: (لا عِبَادَةَ كالتَّفَكُّر)(2)؛ لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه J: (بينَمَا رجلٌ مُسْتَلقٍ على فِرَاشهِ فَنَظَر إلى السماءِ والنُجومِ فَقَال: أشْهدُ أن لَكِ خَالِقًا، اللُهمَّ اغفرْ لي، فَنَظَر اللَّهُ إِليه فَغَفر لَهْ)(3).

وقد جاء التفكر في قوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ) بعد قوله: (يَذْكُرُونَ) ليدل على أن الفكر مفتاحه الذكر، ولا يأتي الفكر إلا بعد صفاء جوهر النفس بالجهاد الفادح في رعاية الأنفاس والحركات والسكنات، والقيام بالفرائض والسنن والمرغبات، فالذكر يستلزم المحبة، والمحبة تستلزم الشوق، والشوق يستلزم الذكر، وهلم جرًّا.

ومن إشارة لابن عجيبة في هذا السياق: قدَّم الحقُّ الذِّكْرَ على الفكر على ترتيب السير، فإن المريد يُؤمَر أوَّل أَمْرِه بذكر اللسان؛ حتى يفضي إلى الجنان، فينتقل الذكر إلى القلب، ثم

إلى الرُّوح؛ وهو الفكر، ثم إلى السر؛ وهو الشهود والعيان، وهنا يخرس اللسان، ويغيب الإنسان في أنوار العيان.

والذكر والمحبة والشوق – وإن كانت أحوالاً شريفة -؛ لكنها تدل على بقاء حجاب ما، إذ الشوق إنما يكون إلى غائب حتى ينكشف للذاكر الغيب الذي في نفسه، وتظهر له الآيات التي هي دلائل اليقين الحق، فتحصل له البهجة والأنس والسكون؛ بعد لواعج الشوق وهيجان الوله، ولديها يحسن للسالك الأنس، ويزج به في حضرة الفكر فيكون ذاكرًا فاكرًا.

من معاني التفكر

التفكر هو إعْمال الخاطر في الشَّيء، يقال: تفكَّر؛ إذا رَدَّدَ قلبه معتبرًا، ورجل فِكِّيرٌ: أي: كثير الفكر، وقيل أيضًا: هو إعمال العقل في المعْلُوم للوصول إلى معرفة مجهول؛ أو إعمال العقل في أمر لحله أو إدراكه، وعمومًا فالتفكر اسم لعمليَّة تردّد القُوى العاقلة المفكّرة في الإنسان؛ سواء أكان قلبًا أو رُوحًا أو ذهنًا، بالنَّظر والتدبُّر لطلب المعاني المجْهولة من الأمور المعلومة، أو الوصول إلى الأحْكام أو النِّسب بين الأشياء.

وأهل الفكر هم أهل العقل الذي يعقل عن الله Y ما أوحى به إلى أنبيائه، والفكر هو عمل القلب الذي جعل الله له نورًا: )وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ(، والتفكر سياحة العقل والرُّوح في عالم الملك والملكوت، ونتيجته بلوغ مقامات اليقين كما قال تعالى: )وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(.

الحث على النظر والتفكر

وقد حث المولى سبحانه على النظر والتفكر، بل ميز سبحانه أهل الفكر في القرآن في آيات عديدة كما قال تعالى: )قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ(، وقوله: )أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى(، وقوله تعالى: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ(، وقوله: )كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(، وقوله: )وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(، وقوله: )قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا(، وقوله: )قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ(، مع قوله تعالى: )قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا(، وقوله: )قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ(، وغيرها من الآيات.

وكان من دعاء النبيّ الكريم J: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَظَرِي عِبَرًا، وَصَمْتِي فِكْرًا، وَمَنْطِقِي ذِكْرًا)، وقال J: (تَفَكُّرُوا فِي آلاَءِ آللهِ، وَلاَ تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِهِ)، وقد ورد أن تفكر ساعة خير من عبادة سنة.

وقال الجنيد: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد، والنظر بحسن الظن لله U، ثم قال: يا لها من مجالس ما أجلّها، ومن شراب ما ألذّه، طوبى لمن رُزِقَه.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: اسْتَعِينُوا عَلَى الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر.

وقال أيضًا: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم، والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة، ففكِّر قبل أن تعزم، وتدبَّر قبل أن تهجم، وشاوِر قبل أن تقدم.

وقال أيضًا: الفضائل أربع؛ إحداها: الحكمة؛ وقوامها الفكرة، والثانية: العفة؛ وقوامها في الشهوة، والثالثة: القوة؛ وقوامها في الغضب، والرابعة: العدل؛ وقوامه في اعتدال قوى النفس.

ويقول الإمام المجدِّد أبو العزائم:

زجَّ بالفكرِ في شئون المعاني

بيقيـنٍ محصـنٍ بـالأمـان

تتجلى من الشئون شمـوسٌ

مشرقاتٌ بنورهـا الربـاني

لا تجاوز تلك الشئـون بفكرٍ

فالمعاني جلت عن الإمكـان

ورياض التفكير تلك المرائي

وهو كنز طِلَّسْمُـه بالمبانـي

إلى أن يقول:

نَزِّه الذاتَ والمعاني عن الفكرِ

وجُلْ في سـائـرِ الأركـان

جلَّت الذاتُ والمعـاني تعالت

هي غيبٌ والكونُ آيُ البيـان

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

([1]) الكشف والبيان للثعلبي.

([2]) تفسير البيضاوي.

([3]) التفسير الكبير للرازي.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.