الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (2)

الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (2)

islam wattan . نشرت في المدونة 6254 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

أهل التصوف  يتجملون بأحوال الأنبياء:

لما كان التفكر والسياحة من مسالك المعرفة والشهود، شغل أهل التصوف أوقاتهم بالتفكر والسياحة بأنواعها متجملين بأحوال الأنبياء، فما من نبيّ ولا وليّ إلا وقد تفضل الله عليه بالسياحة الجامعة بين سياحة الرُّوح والجسم:

فهذا سيدنا إبراهيم A يأخذ في السياحة في الملكوت كما قال

تعالى: )وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ( (الأنعام: 75 – 79).

وهذا الكليم A يخرج لطلب العبد كما قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا…( (الكهف: 60، 61).

وعن طاوس قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم A: يا روح الله هل على الأرض اليوم مثلك؟، فقال: (نعم؛ مَن كان منطقُه ذِكْرا، وصمتُه فِكْرا، ونظره عبرة؛ فإنه مثلي)(1).

وهذا سيدنا الحبيب المصطفى J اتخذ من غار حراء خلوة للتفكر والتعبد، قال الإمام عليّ A فى خطبته القاصعة: (ولقد كان J يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري).

وعن عطاء قال: انطلقت يومًا أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة 1 فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب فقالت: يا عبيد ما يمنعك مـن زيارتنـا؟،

قال: قول رسول الله J: (زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا)(2)، قال ابن عمير: فأخبرينا بأعجب شيء رأيتِه من رسول الله J، قال: فبكت وقالت: كل أمره كان عجبًا؛ أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي ثم قال: (ذَرِيني أتعبدُ لربِّي عزَّ وجَلَّ)، فقام إلى القربة فتوضأ منها ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، فقال: ويحك يا بلال؛ وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله تعالى عليَّ في هذه الليلة: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ((آل عمران: 190)، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)، فقيل للأوزاعي: ما غاية التفكير فيهن؟، قال: يقرؤهن ويعقلهن(3).

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ 5 قَالَ: بِتُّ عِنْدَ [1][2][3]خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ J مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(، ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ)([4]).

وخرج J على قوم ذات يوم وهم سكوت فقال: (ما لكم لا تتكلمون؟، فقالوا: نتفكر في خلق الله عز وجل، قال: فكذلك فافعلوا؛ تفكروا في خلقه ولا تتفكروا فيه، فإن بهذا المغرب أرضًا بيضاء نورها بياضها وبياضها نورها، مسيرةُ الشمس أربعين يومًا، بها خلق من خلق الله U لم يعصوا الله طرفة عين، قالوا: يا رسول الله فأين الشيطان منهم؟، قال: ما يدرون خلق الشيطان أم لا، قالوا: مِن ولد آدم هم؟، قال: لا يدرون خُلق آدم أم لا)([5]).

وقالت أم الدرداء: كانت أكثر عبادة أبي الدراء التفكر، وقد كان يقول: ما يسرني أن أربح في كل يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل الله U، قيل: ولم ذلك؟، قال: يشغلني ذلك عن التفكر.

وعن مولى أبي ريحانة 0 أن أبا ريحانة قفل من غزوة له، فتعشى ثم توضأ وقام إلى مسجده فقرأ سورة، فلم يزل في مكانه حتى أذَّن المؤذن، فقالت له امرأته: يا أبا ريحانة غزوت؛ فتعبت؛ ثم قدمت، أفما كان لنا نصيب؟، قال: بلى والله، لكن لو ذكرتك لكان لك عليَّ حق، قالت: فما الذي شغلك؟، قال: التفكر فيما وصف الله في جنته ولذاتها حتى سمعت المؤذن.

وعن محمد بن واسع: أن رجلاً من البصرة ركب إلى أم ذر 1 بعد وفاة أبي ذر 0 يسألها عن عبادة أبي ذر، فأتاها فقال: جئتك لتخبريني عن عبادة أبي ذر 0، قالت: كان النهار أجمع خاليًا يتفكَّر.

وقال عبد الله بن المبارك يومًا لسهل بن علي ورآه ساكتًا متفكرًا: أين بلغت؟!، قال: الصراط.

وقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله U.

وعن ابن عباس 5: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب.

وبينا أبو شريح يمشي إذ جلس فتقنع([6]) بكسائه، فجعل يبكي فقيل له: ما يبكيك؟!، قال: تفكرت في ذهاب عمري وقلة عملي واقتراب أجلي.

وقال الحسن: إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر وبالفكر على الذكر؛ حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة.

وقال إسحاق بن خلف: كان داود الطائي رحمه الله تعالى على سطحٍ في ليلة قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكي حتى وقع في دار جار له، قال: فوثب صاحب الدار من فراشه عريانًا وبيده سيف وظن أنه لص، فلما نظر إلى داود رجع ووضع السيف وقال: من ذا الذي طرحك من السطح؟!، قال: ما شعرت بذلك.

وهكذا هو حال أهل التصوف الحق الذين سلكوا مسالك الأنبياء في سيرهم وسلوكهم في طريق رب العالمين I.

وقد اشتهر عن أئمة التصوف ومريديهم بعدم بقائهم في بداياتهم في بلد واحد، بل كانوا في حالة سياحة دائمة من قطر إلى قطر، إما لطلب علم أو عالم أو عارف أو وليّ مرشد، وربما كانت سياحتهم بسبب حاجة المجتمع الذي يذهبون نحوه من جهاد أو نشر فكر أو غير ذلك، كما كان حال السيد أبي الحسن الشاذلي والسيد إبراهيم الدسوقي والسيد أحمد البدوي وغيرهم ممن كانوا دائمًا يجمعون الخلق على الحق.

تعدد وسائل التفكر

ظهر مما سبق تعدد وسائل التفكر؛ فيكون بالنظر والسمع والعقل والقلب والرُّوح والنفس كما قال تعالى: )فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ…( (عبس: 24)، وقوله: )قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ( (العنكبوت: 20)، وقوله: )إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ( (يونس: 67)، وقوله: )إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( (الرعد: 4).

والعقل نور من الله تعالى يجعله في قلب الإنسان يتصل شعاعه برأسه، قال تعالى: )وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا( أي: عقلاً يعقل عن الله )فَمَا لَهُ مِن نُورٍ( (النور: 40).

وقال تعالى: )أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى( (الروم: 8)؛ والأنفس هنا ظرف وليست مفعولاً.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

([1]) إحياء علوم الدين.

([2]) المعجم الصغير للطبراني، يقال: غبَّ في الزيارة: زار في أوقات متباعدة.

([3]) تفسير ابن كثير.

([4]) صحيح البخاري.

([5]) إحياء علوم الدين.

([6]) تقنع: تغَّشَى بثوبٍ.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.