الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (3)

الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 6949 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

أنواع الفكر:

لما كانت الآيات الحاثة على الفكر قد وردت في الكتاب العزيز مفصلة ومجملة في مواضيع كثيرة – خصوصًا التفكر في النفس وفيما في السموات والأرض وفي الأفلاك والسحب والهواء والحيوانات والنباتات والجبال وأنواعها -؛ كان ولا بد للسالك أن يحيط علمًا بتعريف كل نوع حتى يمكن أن يجول بنفسـه

المفكرة في أسراره المنطوية فيه وآياته الظاهرة، ليعلم من قدرة ربه تعالى ما يجعله موحدًا، ومن حكمته سبحانه ما يجعله مسلمًا.

لذا قال J: (تفكر ساعةٍ خيرٌ مِن عبادةِ ستين سنة)، وعن أنس مرفوعًا: (تفكر ساعة فى اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة)؛ وهو التفكر الذي ينقل من المكاره إلى المحاب، ومن الرغبة والحرص إلى القناعة والزهد، وقيل: هو التفكر الذي يظهر مشاهدة وتقوى؛ ويحدث ذكرًا وهدى؛ كقوله تعالى: )وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (البقرة: 63)، وكقوله تعالى: )لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا( (طه: 113)، ومثله: )يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ( (البقرة: 219 – 220)؛ أي: يفعلون لما يبقى، ويرغبون فيما يدوم، ويزهدون فيما يفنى.

والفكر ثلاثة أنواع:

الأول: فكرة في عين التوحيد وفي صفات الكمال ونعوت العظمة والجلال، وذلك بحر لا ساحل له، ولا ينجي من الغرق في هذا البحر إلا الاعتصام بحبل الله تعالى؛ والتمسك بالعلم الظاهر، قال الإمام عليّ بن الإمام الحسين C: من عرف الله بالأخبار دون شواهد الاستبصار والاعتبار؛ اعتمد على ما تلحقه التهم.

وقال الدقاق: لو كان إبليس بالحق عارفًا؛ ما كان لنفسه بالإضلال والإغواء واصفًا.

وقال الإمام جعفر الصادق A: من زعم أَن اللَّه فِي شَيْء أَوْ من شَيْء أَوْ عَلَى شَيْء فَقَدْ أشرك؛ إذ لو كَانَ عَلَى شَيْء لكان محمولاً، ولو كَانَ فِي شَيْء لكان محصورًا، ولو كَانَ من شَيْء لكان محدثًا.

وقيل لتمامة بن الأشرف رحمة الله تعالى عليه: متى كان الله؟؛ فقال: ومتى لم يكن؟، فقيل: لم كفر الكافر؟؛ فقال: الجواب عليه.

وقال خادم أبي عثمان: قال لي مولاي: يا محمد لو قيل لك: أين معبودك؟؛ ما كنت تجيب؟، قال: أقول: بحيث لم يزل، قال: فإن قيل لك: فأين كان في الأزل؟، فقال: أقول: بحيث هو الآن. فنزع قميصه وأعطانيه.

وقيل لصوفي: أين هو؟، فقال: محقك الله، أيُطلب مع العين أين؟.

وأتى يهودي المسجد فقال: أيكم وصيّ محمد؟، فأشاروا إلى الصديق 0، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبيّ أو وصيّ نبيّ، قال: سل، قال: فأخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله، فقال: هذه مسائل الزنادقة، وهمّ بقتله، فقال ابن عباس: ما أنصفتموه، إما أن تجيبوه وإما أن تصرفوه إلى من يجيبه، فإني سمعت رسول الله J يقول لعليّ: (اللهم اهْدِ قلبَه وثبت لسانَه)، فقال أبو بكر: قم معه إلى عليّ. فقال له سيدنا عليّ: أما ما لا يعلمه الله فقولكم في عزير: إنه ابن الله، والله U لا يَعلم له ولدًا، قال في التنزيل: )وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ( (يونس: 18)، وأما ما ليس عند الله: فالظلم، وأما ما ليس له: فالشريك. فأسلم اليهودي، فقبَّل أبو بكر رأس عليّ وقال له: يا مفرج الكربات.

الثاني: الفكرة في لطائف الصنعة، وفي أسرار الحكمة، وعجائب الإبداع، والتفكر في آلائه، وفي تواتر إحسانه ونعمائه من حيث يحتسب العبد ومن حيث لا يحتسب، وفيما يعلم العبد وفيما لا يعلم.

قيل لطبيب: بم عرفت ربك؟، قال: بالإهليج يجفف الحلق ويلين.

وقيل لأديب: بما عرفت ربك؟، قال: بنحلة، في أحد طرفيها: عسل، وفي الآخر: لسع، والعسل مقلوب اللسع.

وسأل الدهريةُ الإمامَ الشافعيَّ عن دليل الصانع فقال: ورقة الفرصاد، تأكلها دودة القز فيخرج منها الإبْرَيْسَم، والنحل فيكون منها العسل، والظباء فينعقد في نوافجها المسك، والشاة فيكون منها البعر، فآمنوا كلهم وكانوا سبعة عشر.

وقيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟، فقال: البعرة تدل على البعير، والروث يدل على الحمير، وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، أما يدل ذلك على العليم القدير؟.

وقيل لأعرابي: بم عرفت الله؟، فقال: بنقض عزائم الصدور، وسوق الاختيار إلى حبائل المقدور.

وسأل قدريٌّ الإمامَ عليًّا A عن القدرة؛ فأعرض عنه، فألح عليه فقال: أخلقك كيف شئتَ أم كيف شاء؟، فأمْسَك، فقال: أترونه يقول: كيف شئتُ؛ إذًا واللهِ أقتله، فقال: كيف شاء، فقال: أيجيبك كيف تشاء أو كيف يشاء؟، قال: كيف يشاء، فقال: أيدخلك حيث تشاء أو حيث يشاء؟، قال: حيث يشاء، قال: اذهب فليس لك من الأمر شيء.

الثالث: الفكرة في معاني الأعمال والأحوال؛ كتفكره في تقصيره عن الشكر في ظواهر النعم وبواطنها، وعجزه عن القيام بما أمره من حسن الطاعة ودوام الشكر على النعمة، أو يتفكر فيما عليه من الأوامر والنوادب فيما يستقبل، أو يتفكر في كثيف ستر الله تبارك وتعالى عليه، ولطيف صنعه به، وخفيّ لطفه له، وفيما اقترف وفرط فيه من الزلل، وفي فوت الأوقات الخالية من صالح العمل.

ومن ذلك عند إقامة العبد الصلاة وإتمامه الوضوء لها؛ ينبغي أن يكون قلبه في همه، وهمه مع ربه، وربه في قلبه، فينظر إليه من كلامه، ويكلمه بخطابه، ويتملقه بمناجاته، ويعرفه من صفاته، فإن كل كلمة عن معنى اسم أو وصف أو خلق أو حكم أو إرادة أو فعل؛ لأن الكلم ينبئ عن معاني الأوصاف ويدل على الموصوف.

وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات للعارف، من كل جهة مقام ومشاهدات، أول الجهات الإيمان بها، والتسليم لها، والتوبة إليها، والصبر عليها، والرضا بها، والخوف منها، والرجاء لها، والشكر عليها، والمحبة لها، والتوكل فيها.

فهذه المقامات العشرة تشمل مقامات اليقين؛ لأن الكلمة حق اليقين، وهذه المعاني كلها منطوية في كل كلمة يشهدها أهل التملق والمناجاة، ويعرفها أهل العلم والحياة؛ لأن كلام المحبوب حياة القلوب لا ينذر به إلا حيّ ولا يحيا به إلا مستجيب، قال الله تعالى: )إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا( (يس: 69، 70) وقال سبحانه: )اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ( (الأنفال: 24).

ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من نقل في العشرة مقامات المذكورة في قوله تعالى: )إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( (الأحزاب: 35)؛ فأولها مقام المسلمين، وآخرها مقام الذاكرين، وبعد مقام الذكر هذه المشاهدات العشر، فعندها لا يمل المناجاة لوجود المصافاة، ولا يثقل عليه القيام للذاذة والإفهام، ويسهل عليه الوقوف لدنو العطوف، ويتنعم بالعتاب بحلاوة الاقتراب، هنالك يندرج طول القيام في التلاوة فلا يجده؛ كاندراج القبلة في الصلاة فلا يشهدها.

فإن ركع وقف قلبه مع التعظيم للعظيم فلا يكون في قلبه أعظم من الله تعالى وحده، فإن رفع شهد الحمد للمحمود فوقف مع الشكر للودود فاستوجب منه المزيد، وسكن قلبه بالرضا لأنه حقيقة الحمد، وإن سجد سما قلبه في العلو فقرب من الأعلى بقوله تعالى: )وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ( (العلق: 19).

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.