الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (4)

الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (4)

islam wattan . نشرت في المدونة 7392 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

مقامات أهل المشاهدة في السجود

وأهل المشاهدة في السجود على ثلاثة مقامات:

1- منهم من إذا سجد كوشف بالجبروت الأعلى فيعلو إلى القريب ويدنو من القريب، وهذا مقام المقربين من المحبوبين.

2- ومنهم من إذا سجد كوشف بملكوت العزة فيسجد على الثرى الأسفل عند وصف من أوصاف القادر الأجل فيكـسر قلبه ويخبت

تواضعًا وذلاًّ للعزيز، وهذا مقام الخائفين من العابدين.

3- ومنهم من إذا سجد جال قلبه في ملكوت السموات والأرض فآب بظرائف الفوائد، وشهد غرائب الزوائد، وهذا مقام الصادقين من الطالبين

وهناك قسم رابع لا يذكر بشيء ليس له وصف فيستحق المدح، وهم الذين يجول همهم في أعطية الملك وأنصبة المماليك، فهم محجوبون بالهمم الدنية عن الشهادة العلية.

فإن دعا هذا المصلي نظر إلى المدعو فكان هو المرجو، فأخذ في التمجيد والثناء والحمد والآلاء ونسي حاجته من الدنيا، واشتغل عن نفسه بالمولى، وعن مسألته بحسن الثناء، وإن استغفر هذا الداعي تفكر في أوصاف التوبة وأحكام التائب، وتفكر ما سلف من الذنوب فعمل في تصفية الاستغفار وإخلاص الإنابة والاعتذار، وجدد عقد الاستقامة، فيكون له بهذا الاستغفار من الله U تحية وكرامة.

أقسام الفكر

والفكر على خمسة أقسام:

الأول: تَفكُّرٌ في آيات الله، يتولد منه المعرفة، قال تعالى: )وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ( (الذاريات: 20)، وقال تعالى: )إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ

وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( (البقرة: 164)، وقال تعالى: )وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اليْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (الرعد: 3).

والثاني: تفكر في آلاء الله ونعمائه يتولد منه المحبة، ومنه قوله U: )وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (الجاثية: 13)، وقال تعالى: )فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (الأعراف: 69)، ومثله: )فَبِأَى آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ( (الرحمن: 13)، وقال تعالى: )فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ( (الأعراف: 74).

والثالث: تفكر في وعد الله وثوابه يتولد منه الرجاء والرغبة، كما قال تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ

الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا( (النور: 55)، وقال سبحانه: )وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً( (النساء: 122)، وقال تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ( (المائدة: 9).

والرابع: تفكر في وعيده وعذابه يتولد منه الخوف والرهبة، فيتفكر في عقوبات الله عز وجل وبلائه الظاهرة والباطنة فيها، ومن ذلك قوله عز وجل: )وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ( (إبراهيم: 5)؛ قيل: بنعمته، وقيل: بعقوباته، وقال تعالى: )وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ( (التوبة: 68)، وقال سبحانه: )فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ( (آل عمران: 137)، وقال تعالى: )قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ( (الروم: 42)، وقال تعالى: )قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ( (النمل: 69)، وقال تعالى: )أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا( (الروم: 9).

والخامس: تفكر في صفاء النفس مع إحسان الله تعالى إليها يتولد منه الحياء من الله  تعالى، قال تعالى: )وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ( (الذاريات: 21)، وقال تعالى: )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا( (الشمس: 7 – 10).

وهناك فكر هو العبرة بالآيات التي أخبرنا الله عنها؛ الدالات على عجائب قدرته وغرائب حكمته في ما أحدثه بمن أطاعه من الأمم وبمن عصاه، منها كما قال تعالى: )فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ( (الحشر: 2).

نتائج الفكر:

قال تعالى: )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ(، ثم أتبع ذلك بقوله تعالى حاكيًا عن حالهم وقولهم: )رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( (آل عمران: 191)، وهو مقام الحضور مع الله ومناجاته مناجاة المخاطِب لِلمخاطَب، فإن قول العبد “ربنا” لا يكون إلا في حضور كامل مع تنزيه كامل، وفي قوله: )مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً( يقتضي شهود عيان لسر الإيجاد والإمداد مفصلاً جميع الحقائق.

فبعد الفكر في خلق السموات والأرض الذي جملهم الله به بعد الذكر؛ يكشف عنهم الحجاب Y، فيرون الكون آثار قدرته وحكمته، ويرون من أنوار معاني الصفات في الكائنات وجه الله تعالى أقرب إليهم من أنفسهم التي بين جنوبهم.

فيخاطبون ربهم Y القريب، وخطاب القريب من القريب، خطاب من شهد أنواره في آثاره، وصفاته في أنواره، وأسمائه في صفاته، فينادونه نداء تبتل بعد علم بسر الحكمة قائلين: )رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً( بل خلقتَه لحكم انبلج لنا من أنوارها بقدر ما وهبتَ لنا من القابل، حتى شهدنا من الدلائل والحجج ما به جذبتنا تلك الغيوب إلى الفرار إلى حضرتك العلية، لتزيدنا علمًا بمعاني صفاتك، حتى تسكن نفوسنا إليك يا منفسها، وتطمئن قلوبنا بذكرك.

)سُبْحَانَكَ( علوًّا لك على أن تدرك العقول غوامض أسرارك فيما انبلج لنا من آيات ما أبدعته يا بديع، فكيف تحوم الأرواح حوالي فناء عظمتك وكبريائك؟!.

)فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( أي: احفظنا من الغفلة والنسيان، ومن المعصية والمخالفة التي توعدت فاعليها بعذاب النار يوم القيامة. وهذا مقام السالكين. وأما مقام الواصلين: )فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( أي: نار الحجاب عن شهود آياتك وفقه بيناتك. وأما المتمكنون فيطلبون وجدًا لا تواجدًا: )فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ( أي: نار الشغل بالحب عن المحبوب، وبالعلم عن المعلوم، وبالنعمة عن المنعم، حتى يقع بنا العلم على اليقين في مقام التمكين بعد التلوين.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.