الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (5)

الفكر والسياحة من سمات أولي الألباب (5)

islam wattan . نشرت في المدونة 7964 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

أهل الدنيا حُرِموا

بهجة الأرواح ومسراتها

وقد حرم أهل الدنيا بهجة الأرواح ومسراتها فلم يروا إلا ما يلآئم أجسامهم من المادة من مأكل شهي، وملبس بهي، وفراش وطي، ومنكح رضي، وهذه هي السعادات كلها عندهم، ولو تفكروا لرأوا أن تلك السعادات بأكمل معانيها قد فازت بها البهائم بأكثر مما فاز بها الإنسان: فإن الديك متمتع من حيث الوقاع بما لا يتمتع به الإنسان، والطاووس من حيث اللباس بما لا يتمتع به الإنسان، والخنزير مـن حيـث

الطعام بأشهى مما يتمتع به الإنسان، والوحوش من حيث نفوذ الكلمة والقهر متمتعة بأعظم مما يتمتع به الإنسان.

وما بقي للإنسان من سعادات إلا السعادات الرُّوحانية، فإذا فقدها كان كالأنعام بل أضل، قال تعالى: )وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ(، فحظر على أهل الجهل به سبحانه أن يعقلوا عنه شيئًا.

الفكر في آلاء الله موصل إلى السعادة الأبدية

وخالص الفكر يوصل إلى استقامة القلوب، واستقامة القلوب توصل إلى الصدق والإخلاص، والفكرة تُذهِب الغفلة وتُحدِث للقلب الخشية، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر.

قال تعالى: )قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِي فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ( (الأنعام: 104)؛ أمر سبحانه رسوله J أن يخبر عباده بقوله تعالى: )قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ( أي: قد جاءكم من ربكم آيات مبصرة، فيها علوم ومعارف تدرك بالعقول وتبصر بالأفئدة.

(فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ) أي: فمن تدبر الآيات وتفكر في المرئيات حتى يرى حقائقها بعيون فؤاده؛ ويؤمن بما فيها من أدلة وبراهين؛ ثم يعمل بمقتضى ما علم وفهم؛ فجزاء ذلك لنفسه وليس لغيره.

)وَمَنْ عَمِي فَعَلَيْهَا( أي: ومن سها بصره عن شهود ما حوله من آيات؛ غفل فكره عن تأمل ما تومي إليه من إشارات، فهو أعمى البصر والبصيرة معًا، وعاقبة هذا العماء وذلك التعامي على نفسه لا على غيره.

قال الفضيل: الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.

وقال الحسن: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرًا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارًا فهو لهو.

وفي قوله تَعَالَى: )سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بغير الحق( (الأعراف: 146) قال: أمنع قلوبهم التفكر في أمري.

والفكر في آلاء الله موصل إلى السعادة الأبدية، فإن الفكر في تلك الآثار الكونية يدل على أنها مبدَعة محدَثة، خصوصًا إذا فكر في تلك الأجرام السماوية العظام وإبداع صنعتها، وفي نفسه وما أحاط به وما فيها من غرائب الحكمة وبدائع القدرة مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه، تحقق عظمة شأن الصانع وكبرياء سلطانه؛ لأن أكمل فكر وأصفى عقل يعجز عن إدراك أسرار الآيات الظاهرة، ويندهش العقل عند ظهور بعض حكمها، وما هي عليه من كمال النظام والترتيب العجيب، فسبحان من لا يعلم قدرَه غيرُه، ولا يبلغ الواصفون صفتَه.

فإذا كان الفكر في الآلاء عجز عن كشف أسرارها وعن نسب مراتبها، فكيف يتسنى للفكر أن يتفكر في حقيقة الصانع البديع الخلاق العظيم؟!.

وقال أبو سليمان: الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية، والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيى القلوب.

وَقَالَ حاتم: مِن العِبْرة يَزيد العلم، ومِن الذِّكر يَزيد الحُب، ومِن التَّفَكُّر يَزيد الخَوف.

وَقَالَ ابن عباس: التفكر في الخير يدعو إلى العمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه.

أحكام السياحة وأنواعها

أمر الله تعالى بالسياحة في قوله تعالى: )فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ( (التوبة: 2)، ومدح السائحين في قوله: )التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ…( (التوبة: 112) وقال تعالى: )عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا( (التحريم: 5).

وهي على ثلاثة أنواع:

1- إما الذهاب في الأرض لنيل قصد، وهذا القصد إما أن يكون واجبًا شرعًا لعاجل الدنيا والسعي في طلب الرزق وهو مأخوذ من قوله تعالى: )فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ( (الملك: 15).

2- أو لآجل الآخرة كطلب العلم والحج والجهاد، والبحث عن العلماء المرشدين، وهو مأخوذ من قوله تعالى: )وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا( (الكهف: 60).

3- أو لكشف خبايا الملكوت والسير إلى الله تعالى وهو مأخوذ من قوله تعالى: )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ( (فصلت: 53).

فالسائح في طلب الدنيا من أهل الفرقة الناجية – الذين أخبر عنهم سيدنا رسول الله J – سائح لله لقيامه بما أوجبه عليه، وهو في طاعة حتى يرجع إلى أهله.

والسائح لطلب الآخرة لحج أو علم أو صحبة عارف فهو أيضًا سائح لله؛ لأنه قائم بفرائض الله.

والسائح في طلب كشف خبايا الملكوت هو أيضًا سائح لله تعالى؛ لأنه مجذوب للجناب المقدس بخالص المحبة والتوحيد.

والسياحة لكشف خبايا الملكوت هي سياحة أفراد أهل الفرقة الناجية الذين تسبق هممُهم أقدامَهم في سياحتهم، وتلك السياحة إما رُوحانية فقط – ويعبر عنها بالسياحة بالقلوب -؛ وإما جسمانية رُوحانية – فيعبر عنها بالسفر -.

والسياحة إما أن تحصل من مريد واجد لا يقر له قرار لتقلب قلبه ورغبة المزيد لجسمه ليتكمل بسياحته، أو لواصل متمكن لينال المزيد من الله بتكميل غيره.

والسائح بجسمه المنتقل من مكان إلى مكان لا يهمنا التكلم فيه.

والسائح بقلبه المنتقل من صفة إلى صفة ومن مشهد إلى مشهد هو السائح حقًّا وإن لم ينتقل بجسمه خطوة واحدة، جاء رجل إلى عارف بالله فقال: قطعتُ إليك شقة طويلة، فقال له العارف: كان يكفيك خطوة واحدة لو سافرت عن نفسك.

وقد فسر بعض العلماء السياحة في القرآن بالصيام أخذًا من قوله J: (سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصِّيَامُ)([1])؛ وذلك لما بين الصيام والسياحة من الشبه، فإن الصائم محروم من حظوظه وشهـواته المباحة، وكذلك السائح، فإنه يتحمل من عناء السياحة وشدة السفر وفقد مألوفه ما لا يطيقه إلا أهل العزائم من الفرقة الناجية، الذين علموا قدر فضل الله عليهم ونعمته الواصلة إليهم وما أعده لمن أقبل عليه وفارق مألوفاته لأجله، قال تعالى: )هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ( (يونس: 22)، وقال تعالى: )قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ( (النمل: 69)، كما فسرت السياحة أيضًا بالجهاد فى سبيل الله لقول النبي J: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى)([2]).

والسياحة إلى كشف خبايا الملكوت ثلاثة أنواع:

1- سياحة في الأرض: وهي للمريدين الذين ذاقوا من علوم التوحيد ما يجعلهم يتفكرون فيما يشهدون من الآيات في الأرض كما قال تعالى: )فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الحَي مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَي وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ( (الروم: 17 – 25).

2- وسياحة في السماء: وهي للمجذوبين إلى ملكوت الله الأعلى بمشهد من مشاهد التوحيد عن انبلاج الآيات؛ المؤهلين لليقين، قال الله تعالى: )وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ( (الأنعام: 57).

3- وسياحة في النفس وفي الأرض وفي السماء: وهي للعارفين من كمل ورثة رسول الله J.

أسأل الله تعالى أن يجعل نطقنا ذكرًا، وصمتنا فكرًا، ونظرنا عبرة، وأن يمنحنا حقيقة الحضور معه سبحانه، وأن يُشهدنا من آياته الكبرى؛ حتى نذوق حلاوة الإيمان ولذة التقوى.

وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

===================

([1]) تفسير القرطبي.

([2]) رواه أبو داود.

 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.