المسئولية صفة أخلاقية ‏

المسئولية صفة أخلاقية ‏

islam wattan . نشرت في المدونة 6365 2 تعليقان

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا سداد الحكمة وصفاء العقل ونقاء الضمير، وانقدنا بالهدي من الضلالة، بكف الغفلة ونزع الحقد، وطهِّر قلوبنا بحجب الأنانية وشرح صدورنا، وأنزل علينا السكينة، حتى يتم لنا حسن التوجه إليك، فلا نُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ، همَّاز مشَّاء بنميم، منَّاع للخير معتدٍ أثيم، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا…..

أ.د. عبدالفتاح غنيمة

مقدمة

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا سداد الحكمة وصفاء العقل ونقاء الضمير، وانقدنا بالهدي من الضلالة، بكف الغفلة ونزع الحقد، وطهِّر قلوبنا بحجب الأنانية وشرح صدورنا، وأنزل علينا السكينة، حتى يتم لنا حسن التوجه إليك، فلا نُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ، همَّاز مشَّاء بنميم، منَّاع للخير معتدٍ أثيم، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.

موضوع علم الأخلاق هو الأعمال التي صدرت عن الإنسان عمدًا واختيارًا ويعلم صاحبها ساعة صدورها منه ماهيتها وحدودها. ويدخل في الموضوع أيضًا الأعمال التى صدرت لا عن إرادة، ولكن كان من الممكن تجنب وقوعها عند ما يكون صاحبها مريدًا مختارًا. وهذان النوعان هما اللذان يحكم عليهما بالخير أو بالشر.

أما ما يكون صدوره، لا عن إرادة وشعور، ولا يمكن تجنبه في حالة الاختيار فليس من موضوع علم الأخلاق. ولذلك يمكن القول بأن المسئولية أو التبعة الأخلاقية لا تكون إلا إذا وجدت الإرادة، فما لا دخل لإرادة الإنسان فيه لا يسأل عنه ولا يلام عليه ولا يمدح أو يذم من أجله. فلا يمدح الإنسان أخلاقيًّا لقوته الطبيعية ولا يذم لضعفه الطبيعي، ولا يقال لشخص مثلاً: إنه خير؛ لأنه صبوح الوجه، ولا شرير؛ لأنه قبيحه. فهذه أشياء لا عمل لإرادة الإنسان فيها، فحين توجد الإرادة إذن توجد المسئولية، وما لم توجد الإرادة فلا مسئولية هناك.

والمسئولية عبارة عن صفة أخلاقية لمن عليه أن يجيب عن فعل معين له، فعلى صاحب الفعل أن يبين ويشرح مسببات فعله، ويتحمل بذلك تبعه تخلفاته، فهي نوع من محاسبة النفس عن أفعالها.

وهذا التعريف يتضمن أن الإنسان يجب أن يفكر أولاً في عمله، وأن تكون عنده الحرية وعدم التأثر بأي مؤثر خارجي كالقانون أو أي رادع يوجب الرهبة، وأن يتنبأ بنتيجة عمله ويتصور ما سيكون عليه الفعل وما سيترتب عليه من نتائج في المجتمع، أي يقدر العواقب التي ستكون بعد إتيانه هذا العمل.

وهناك طريقة واحدة ليبتعد الإنسان عن المسئولية وهى أن يعتنق – في أخلاقه – مذهبًا معينًا من مذاهب التفكير الأخلاقي، يكيف أفعاله الأخلاقية حسب ما تمليه؛ لأنها غالبًا ما تكون مؤيدة بالعرف الاجتماعي.

وهناك نوعان من المسئولية: مسئولية قانونية، ومسئولية أخلاقية. فإذا خالف شخص قانون البلد الذي يعيش فيه سئل أمام قضائه وتحمل مغبة عمله وما يترتب عليه من جزاء، أما إذا خالف أمرًا أخلاقيًّا فإنه يسأل أمام الله وضميره. ودائرة الضمير – كما نعرف – أوسع من دائرة القانون، وبذا تكون المسئولية الأخلاقية أرحب من المسئولية القانونية، فالقانون لا يأمر ولا ينهي إلا حيث يعاقب من يخالف أمره ونهيه بالعقوبات التى نص عليها، أما الأخلاق فسلطانها مترامي الأطراف؛ لأن من يتولي الجزاء فيها ووخز الضمير، وكلاهما يشرف على الأعمال الظاهرة والباطنة. فالقانون لا يستطيع أن ينهي عن الكذب أو الحقد أو الحسد؛ لأنه لا يستطيع أن يسأل من يرتكبها، ولو حاول ذلك لأوقع بالناس من الأضرار أكثر بمراحل مما يبغي من الإصلاح. أما الأخلاق فتنهي عن الكذب والحقد والحسد وما شابه ذلك من صفات فيسأل الإنسان عن نياته التي في أعماق نفسه ولو بقيت في المجال السلبي ولم تخرج بعد إلى العالم المادي، فيثاب على نياته الحسنة، ويعاقب على نياته السيئة أمام الله والضمير.

أشكال المسئولية الثلاثة

والمسئولية أشكال متمايزة، نستطيع أن نذكر منها ثلاثة أشكال ظهرت في عصور مختلفة:

أولها الشكل الديني: ويغلب ظهوره في المجتمعات التي تنعقد فيها السيادة لرجال الدين كما كان في مصر أيام الفراعنة وما هو موجود بالهند اليوم؛ فكلنا يعرف أن التقسيم الطبقي فيها على أساس الدين، فيوجد المسلمون والمنبوذون والمجوس وما إلى ذلك من طبقات، وانفصال باكستان عن الهند عام 1947م أوضح دليل على قولنا هذا…. وتتشكل المسئولية داخل كل طبقة حسب ما تمليه تعاليمها ونظمها ومبادئها، وما دامت تبني على أسس متباينة لأديان مختلفة، فإن الأفراد يكونون مسئولين اجتماعيًّا أمام أديانهم. فمن يتخلف حسب المبادئ الدينية التي تدين بها طبقته يصبح طاهرًا pure، ومن يحيد عن الطريق يدعي نجسًا imfure..

أما الشكل الثاني: فيمكن تسميته بالشكل الكلي: وقد ظهر في المجتمعات المتأخرة مثل الهنود الحمر وقبائل أواسط أفريقيا، وهذه المجتمعات تمتاز بقلة العدد وتعيش تحت تأثير “الطوطم” Totem وهو تأليه مظاهر الطبيعة وعبادة الحيوانات. والمسئولية هنا كلية بمعني أنه إذا أخطأ أفراد القبيلة فإن الخطأ يقع على القبيلة كلها. ولقد ظل هذا الشكل حتى آخر القرن الثامن عشر تقريبًا فلم يكن يكتفي بعقاب المذنب فقط بل يعاقب معه أهله وأولاده. ونستطيع القول بأن الروح العصبية التي ما زالت ترتبط بالموروث الثقافي في صعيد مصر إن هي إلا صورة من صور المسئولية الكلية.

وثالث هذه الأشكال هو الشكل الفردي: وهو أرقي من الشكلين السابقين، فالمسئولية فيه لا تكون إلا أمام الوجدان الداخلي والشعور النفسي وهى مسئولية تجريدية تبني على الفهم والشعور والإرادة.

وطبيعي أن هذه المسئولية لم توجد كذلك بل هي نتيجة للتطور الاجتماعي الذي ساد العالم، ولقد كان آخر تطور لها قبل أن تصل إلى هذا الشكل، هو الشكل المادي أمام القانون، فكلنا يعرف أن القانون عمل مادي فهو مكتوب من جهة وعقابه مادي من جهة أخرى.

أصل المسئولية في التاريخ

ولقد حاول العلماء أن يجدوا تفسيرًا يفسرون به أصل المسئولية في التاريخ فذهبوا في ذلك مذاهب شتي. ونستطيع أن نميز من بين أقوالهم مذهبين واضحين:

أولهما المذهب النظري، وقال به الفلاسفة الذين يؤمنون بالحرية النفسية أمثال ديكارت وكانت، فالنفس في رأيهم حرة بطبيعتها، وحريتها هذه هي أساس المسئولية، وكل إنسان يمتلك حركاته الجسمية وموجاته الفكرية، والعقل والإرادة والشعور التى يبني عليها الفعل الأخلاقي لا تتناقض، وإنما هى عناصر ضرورية للحدث الأخلاقي، وكون الإنسان يغلب بعضها على البعض الآخر تغليبًا مطلقًا، كأن يريد شيئًا لا يقره الشعور أو العقل وإنما تريده الإرادة المطلقة، فهذا شيء لا يمكن تحقيقه كلية؛ لأنه سيكون له صفة التحيز والتحكم. وهو خطأ أيضًا؛ لأن الإنسان يقيد نفسه بنفسه ولا يحقق التوازن بين ملكاته النفسية. وهذا ما يلقي المسئولية على الفرد أمام نفسه وليس أمام الله؛ لأن المولي خلق الإنسان وأعطاه القدرة النفسية وملكات التخلق وسبيل التحرر والاتزان، وهو إذا جهل أمرًا أو أهمل فيه أو تسرع مسئولاً أمام نفسه.. فالمسئولية في نظر هؤلاء الناس مبنية على الحرية الطبيعية، فالإنسان عندهم موجود عاقل مسئول أمام نفسه.

أما المذهب الثاني فهو المذهب العملي، ويفسر المسئولية لا باعتمادها على عناصر نفسية مجردة بل على عناصر جسمية عضوية وعناصر اجتماعية يجب تغليبها. فالعلامة لامبروزو (Lambroso) يقول: إن المسئولية تحدد آليًّا بعوارض جسمية تأتي عن طريق الوراثة؛ ويقول تلميذه فيري (Ferri): إن أهمية البيئة الاجتماعية هي التي تحدد المسئولية الفردية…. فمن يعيش في وسط فاسد لا يمكن أن المسئولية بالشكل الذي يدركها به من يعيش في وسط مهذب راق”؛ ومعني هذا أن الإنسان مجبر وليس حر الإرادة، ذلك لأن إرادة الإنسان تتأثر بشيئين: الوراثة والبيئة فهو يرث من أبويه ميولاً خيرة أو ميولاً شريرة وكذلك تؤثر فيه البيئة التى حوله من بيت ومدرسة وأصدقاء وكتب ونحو ذلك من بقية الظواهر الاجتماعية، فمن نشأ بين أبوين مجرمين وورث منهما الميل إلى الإجرام أو شب بين قوم فاسدين وسمع أحاديثهم كان مضطرًّا إلى الإجرام، ولم يكن حر الإرادة فيما يفعل، وليس في استطاعته إلا أن يكون مجرمًا، وإذا أريد إصلاحه فلا بد من إصلاح البيئة أولاً … وواضح أن في هذه الرأي غلوًّا، فإن الإرادة وإن تأثرت بالوراثة والبيئة إلى حد كبير، فإنها لا تفقد حريتها وآية ذلك ما نشعر به في داخلية أنفسنا بحرية الاختيار، وأننا نستطيع أن نعمل الشيء أو لا نعمله، فمن كذب شعر بأنه كان يستطيع ألا يكذب، ومن أجل هذا يندم على كذبته، ولو كان كذبه محتمًا عليه ما ندم. هذا، إلا أنه لولا حرية الإرادة لما كان هناك معني للتعاليم الأخلاقية، ولكان الأمر بفعل الخير والنهي عن الشر ضربًا من العبث، ولما كان هناك معني للثواب والعقاب أو المدح أو الذم.

 

 

تعقيب من موقعك.

التعليقات (2)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    هل هذا الدعاء الجليل يصلح لاي وقت آخر غير ليلة النصف من شعبان اجيبونا اثابكم الله خيرا

    رد

  • ايمان محمد جويلي

    |

    فعلا الصيام هو صلاح الجسد وتنقيته من السمرم وله فوائد اخري عديدة فمابالك للروح سبحان الله نحند الله باننا مسلمون وان الله من علينا بهذه النعم …وعرفنا مولانا الامام ابو العزائم بارك الله فيه وفي الخليفة القائم

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.