المهاجر العظيم صلى الله عليه وآله وسلم (1)

المهاجر العظيم صلى الله عليه وآله وسلم (1)

islam wattan . نشرت في المدونة 9282 1 تعليق

منذ قرون بعيدة ولم تزل محاولات المستشرقين وأعداء الإسلام في نزع الصلة بيننا وبين تاريخنا وتراثنا الإسلامي القويم مستمرة، بل ومنع أي محاولات تمكننا بالصلة لسيرة نبينا المصطفى J ومحاولاتهم المستميتة في تشويه سيرته وقطع صلة الناشئة المسلمة بتراثنا الإسلامي القويم والرشيد…

الدكتور بليغ حمدي

لِمَاذَا الحَدِيثُ عَن الهِجْرَةِ؟

منذ قرون بعيدة ولم تزل محاولات المستشرقين وأعداء الإسلام في نزع الصلة بيننا وبين تاريخنا وتراثنا الإسلامي القويم مستمرة، بل ومنع أي محاولات تمكننا بالصلة لسيرة نبينا المصطفى J ومحاولاتهم المستميتة في تشويه سيرته وقطع صلة الناشئة المسلمة بتراثنا الإسلامي القويم والرشيد. وربما ونحن نزعم أننا نهتم بسيرة المصطفى J  لكننا في حقيقة الأمر لم نعي أنه لنا في هذه السيرة العطرة دروس وعبر وتجارب حياة في ظروف مشابهة، لكن الحياة المادية التي تعتري حياتنا بقوة وفجاجة لم تترك لنا فرصة التقاط هذه التفاصيل التي من شأنها لو تمسكنا بها لن نضل أبدًا.

والحق أقول، فأنا من آلاف السائلين، ومعهم أيضًا الذين يوجهون هذا السؤال: هل هناك ضرورة لإعادة كتابة السيرة النبوية؟. فأنا معهم حينما يهرعون إلى المنهج العلمي باستخدام الأسئلة الموجهة غير المبهمة. وهو طرح مشروع حقًّا، ولكن الذي ينبغي علينا أن نؤكده في هذا الصدد أننا نعيد قراءة تاريخنا الإسلامي لا كتابته وروايته، فإعادة القراءة هي إعادة تأويله وتفسيره؛ لأن التاريخ الإسلامي يحمل دلالات الحاضر أكثر مما يتعلق بالماضي، فنحن لا نتعامل مع قصة مثيرة تدغدغ مشاعرنا وأعصابنا، بل نتعامل مع حالة تاريخية مهمة في تاريخ الإنسانية كلها.

وربما تفسر هذه الحالة التاريخية هذا العجز العربي الراهن والمزمن في مواجهة التغييرات التي تحدث من حولنا، بالإضافة إلى ما تحتاجه الذهنية العربية إلى تجديد وعيها بتاريخها، بل تجديد وعيها بذاتها. وكتابة السيرة النبوية ـ لا بشكلها التأريخي التتبعي من الميلاد إلى الوفاة ـ بأحداثها ووقائعها الجدلية المضطربة والمضطرمة سياسيًّا واجتماعيًّا ـ أحيانًا ـ في فهمها تساعدنا في تحليل واقعنا الراهن، ونحن بصدد التصدي لمشكلات معاصرة مائجة، وتساؤلات تبحث عن مرفأ لليقين.

لقد استنزف هذا العقل العربي المسلم معظم أفكاره، وخارت قواه التي طالما حاول الاحتفاظ بهيكلها الخارجي، دون أيديولوجية أو إطار مرجعي يمكن الاستناد أو الاعتماد عليه، وكان من الأحرى حقًّا استعادة الوعي التاريخي بالمهاد الإسلامي؛ قراءة، وكتابة، وتأويلاً، وتحليلاً، بدلاً من سباق محموم في دفع التهم والنقائص المكتسبة عن الذات.

وما السطور القادمة إلا التفاتة موجهة للقارئ العربي لإعادة فكره ونظره إلى استقراء التاريخ الإسلامي بوجه عام، وتاريخ الفترة المحمدية على وجه الخصوص، رغبة منا خالصة للاستفادة بسيرة النبي الأكرم J، فتعرف سيرة المصطفى J من الأمور المهمة والضرورية لكل مسلم، ففيها نفع وبصيرة وعلاج لمشكلات الإنسان المعاصرة.

إن عظمة الكتابة عن رسول الله J تتجلى في بيان الأثر الذي أحدثه الرسول J فينا، لقد شاء الله لنا أن نخصص مساحات عريضة من الكتابة في الحديث عن سيد الخلق معلمنا ونبينا سيدنا محمد J، ودورنا الآن هو الكشف عن خصائص سيرة النبي الأكرم وبيان فضائله؛ تلك التي شرعنا توصيلها للناشئة والكبار على السواء.

الهِجْرَةُ.. دروسٌ وعِبَرٌ

في تاريخ الإسلام هجرتان: هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة فرارًا من أذى مشركي قريش، وهي أكثر وقائع السيرة النبوية في سياقها التاريخي جدلاً، وأخصبها حديثًا. والمستقرئ للسيرة النبوية يدرك أن دوافع الهجرة إلى الحبشة ليست خافية، كما أن تحديد مكانها ـ أي الحبشة ـ يدل على وعي رسول الله J وسعة إدراكه بأساليب المشركين في مواجهة الدعوة الإسلامية. ولقد اختار الرسول J الحبشة مكانًا للهجرة بعد أن تأكد أن النجاشي حاكم الحبشة ملك عادل لا يظلم عنده أحد. ولقد أشار الرسول J إلى عدل النجاشي بقوله لأصحابه: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد).

وحديث هجرة المسلمين إلى الحبشة لأمر شائك وشيق أيضًا؛ فالدوافع إلى الهجرة معلومة ويمكن للناظر حصرها في بعدين لهما ثالث هما: الاضطهاد الديني، والتعذيب والتكيل بالمسلمين. ولكن هناك سبب ثالث مهم جدير بالذكر والاهتمام، وهو نشر الدعوة خارج مكة.

وهذا يجعلنا نسلم بالقول بأن هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة كانت لمهمة سامية لنصرة الدين الإسلامي وتوسيع نطاقه خارج شبه الجزيرة العربية.

وهجرة ثانية وهي الهجرة الخاصة بالرسول J إلى المدينة المنورة، وكانت هجرته خالصة لوجه ربه I مخلصًا فيها، فهيأ الله له إخلاصه وإخلاص صديقه أبي بكر الصديق 0، وهيأ الله لهما التوفيق في الهجرة. وحين عزم رسول الله J على ترك مكة إلى المدينة، ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل: )وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا( (الإسراء: 80).

ولعل خير خبر عن حادث الهجرة وأصدقه ما رواه الصديق أبو بكر بنفسه، ولِمَ لا، فعن أم المؤمنين عائشة 1 أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله J أن يأتي بيت أبي بكر، أحد طرفي النهار إما بكرة، وإما عشيًّا، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه رسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه. أتانا رسول الله J بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها.

قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله J في هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل، تأخر أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله J وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله J: (أخرج عني من عندك!) قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي. وما ذاك؟ فداك أبي وأمي.

قال رسول الله J: (إن الله قد أذن لي بالخروج والهجرة). فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: (الصحبة). قالت أم المؤمنين عائشة 1: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • احمد عزت

    |

    نفع الله بكم معالي الدكتور بليغ مقال اكثر من رائع

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.