الهجرة: مشاهد جليَّة ودرجات عليَّة

الهجرة: مشاهد جليَّة ودرجات عليَّة

islam wattan . نشرت في المدونة 14794 لاتعليقات

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع – مع بداية عام هجرى جديد تطل علينا ذكرى عزيزة وهى الهجرة أو ما يسميه القوم السياحة إلى الله، فنرجو من سماحتكم التكرم ببيان أئمة السائحين من الأنبياء والصحابة ومشاهدهم ودرجاتهم، وبعض ما حصل  لهم من أذية المشركين حتى نقتدى بهم وننهض بأمتنا الإسلامية…..

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم 

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع – مع بداية عام هجرى جديد تطل علينا ذكرى عزيزة وهى الهجرة أو ما يسميه القوم السياحة إلى الله، فنرجو من سماحتكم التكرم ببيان أئمة السائحين من الأنبياء والصحابة ومشاهدهم ودرجاتهم، وبعض ما حصل  لهم من أذية المشركين حتى نقتدى بهم وننهض بأمتنا الإسلامية.

فأجاب سماحته قائلاً:

أئمة السائحين

يا بنى: أئمة السائحين رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وإمامهم الأعظم هو رسول الله J؛ لأن الله تعالى أسرى به جسمًا وروحًا مطلوبًا، مرادًا، محبوبًا، وهو المقام العلى الذى تقاصرت عن إدراكه أرواح أولى العزم من الرسل، على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فضلاً عن أجسامهم الطاهرة.

مشاهد الأنبياء ودرجاتهم

فى السياحة

كانت سياحته J فوق كل سياحة الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام، فإن الله أرى الخليل عليه الصلاة والسلام ملكوت السموات والأرض فخرج قائلاً: )إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِين( (الصافات: 99). وسياحة الكليم عليه الصلاة والسلام للقيا العبد الصالح، لمزيد العلم. وسياحة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام لنجاته من الطوفان، ومن قومه. وسياحة كل نبى للنجاة من أعداء الله تعالى. وسياحته J كانت بالله وإلى الله، فأشهده آيات ملكه وملكوته، وجلال عزته وجبروته، وحظائر قدسه ولاهوته، حتى دنا J بالله، وتدلَّى له الله، وأوحى إليه من غيب كمالاته، وعلىِّ جمالاته وجلالاته، ما أبهمه الحق سبحانه وتعالى علوًّا له أن يدركه  غير حبيبه ومصطفاه J، وتنزيهًا عن أن يحيط به أحد غير الفرد المراد لذات الله تعالى، قال تعالى: )فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى((النجم: 10-11)، والفؤاد قررنا أنه برزخ بين القلب والجسم، فكأنه J كان فى دنوه من ربه بجسمه وروحه حينما تدلى الرب تعالى له عليه الصلاة والسلام، ولو لم يكن ذلك كذلك لقال: ما كذبت الروح ما رأت.

فإذا كان أئمة أهل السياحة هم رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، فلكل سائح من أولياء الله قسط من تلك المواهب الإلهية، ومشرب من تلك الموارد العلية، ومشهد من تلك المشاهد الربانية، وإنى أنبه القارئ الذى لم يتفضل الله عليه بذوق ما سأبديه من غوامض أسرارهم أن يتحصن بدرع التسليم، وأن يعتقد أن عجائب القدرة وغرائب تصريفها وأسرار الحكمة وخفى غيبها، نور لا يشرق إلا على نفس تزكت، وقلب اطمأن بذكر الله، وبدن حفظه الله من الوقوع فيما يكره، وعقل عقل عن الله.

وقد أخطأ بعض من يدعى العلم، فحكم على القدرة والحكمة بما يحكم به على قدرته وحكمته، فشبَّه القديم بالحادث، وزعم- لجهله بنفسه- أنه لا قدرة فوق قدرته، ولا حكمة إلا

ما عرف، وكل سر تظهره القدرة لكمال
إطلاقها، وكل سر تظهره الحكمة من الأسرار التى تناسب الحكيم الخبير العلى الكبير ينكره، لأن عقله الذى يعقل عن نفسه وعن الكون لا يقبله، وشتَّان بين العالم الربانى الذى يعقل عن الله تعالى، وبين الجاهل المحجوب بنفسه وحسه وعقله، فإن الأول قال كما أخبر الله تعالى عنه: )آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا((آل عمران: 7) وقال فى حق غيرهم من الذين عقلوا بغير عقلهم الإنسانى: )وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ( (الأنفال: 23).

فأكرر تنبيهى على إخوانى أن السالك منهم يجب عليه أن يسلم تلك المقامات، وأن يستعيذ بالله من أن يدَّعيها لنفسه بلا وجد صادق، أو جاذب قاهر، فإن دعواها بلا تحقق بمشاهدها، وتجمل بأحوال أهلها، واقتداء بأئمة أهلها، كذب على الله، قال الله تعالى: )إِنَّمَا يَفْتَرِى الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ((النحل: 105) فإن تلك الأسرار العلية نفائس قدسية قد تلقى بين أهل الرجس فينكرونها، ويزدرون بها، وقد تلقى بين أهل التسليم من السالكين فيخرجون عن مقاماتهم الاعتدالية، ويدعونها تقليدًا، فيكون ضررًا لكل من الطائفتين، فتأبى نفوسهم الخبيثة التى سجل الله عليها الشقاء إلا محاربة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، فيخسف الله بهم الأرض.

ومشاهد سيدنا لوط عليه الصلاة والسلام فى هجرته وسياحته فوق أن تسطر على الأوراق، وأعلى من أن تمثل بالعبارة.

ثم هاجر الخليل u، ومعه زوجه سائحًا منتقلاً من الكون إلى المكون سبحانه، فارًّا إلى الله سبحانه، مفارقًا أقرب الخلق منه، وألصقهم به وأرحمهم عادة، وما يدرينا قدر تلك الجواذب الإلهية التى أخرجته J متوجهًا إلى ربه.

لعلك أيها المطالع – إذا تبصرت – تلوح عليك أنوار شمس الخلة الخالصة، التى تجعل الخليل لا يقر له قرار إلا بالإقبال بالكلية على خليله، والفناء عن نفسه به، والرغبة عن كل شىء فيه.

ثم هاجر الكليم صلوات الله وسلامه عليه ومعه قومه من أرض تعوَّدوا على نباتها ومائها، إلى صحارى قاحلة وشدائد فادحة، وقد بيَّن القرآن المجيد قدر آلامهم، وشكواهم بعد السياحة وتمنيهم ما كانوا فيه، ليظهر لك جليًّا أن السياحة فرار إلى الله، وإقبال على حضرته بالكلية، وإنما تمنى- أى: ذلك الرجوع إلى مصر، وإلى ما تعودوه من النبات- بعض من لم يكمل إيمانهم، ممن لم يذوقوا حلاوة السياحة لله.

وإلا فأهل السياحة ما خرجوا من مكان إلى غيره، ولا من صفة إلى غيرها، ولا من حال إلى غيره، إلا وما خرجوا منه كان أحبَّ إلى أنفسهم أولاً مما خرجوا إليه، حتى داهمتهم صولة المحبة الإلهية، وجذبهم اصطلام الشوق إلى ما كوشفوا به من جمال ملكوته الأعلى، فصارت الآلام لهم ملاذًا، والشدائد لهم مسرات، فخرجوا متوجهين لربهم جل جلاله، فرحين بالقرب منه، مبتهجين بالحب فيه، مسرورين بما نالوا من الفوز والخلاص مما كانوا فيه.

ولما كانت السياحة سنة رسل الله، وكان التعلق بالأهل والأقارب مما يدعو إلى السكون بالأماكن، وعمل المعدات، لذلك لم يشتهر منهم بالسياحة حتى صارت علمًا عليه إلا من لا زوجة له ولا ولد ولا والد، وهو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه بلغ من التخلى عن الدنيا مبلغًا حتى قال: أنا لا أم لى ولا أخوة – لأمه وإخوته – فراغًا لقلبه، وراحة لبدنه، وإقبالاً على السياحة بالكلية، حتى أن بعض الرجال يقول: إنه إمام هذه الطائفة – يعنون أهل السياحة – الذين صرفوا عمرهم فى السياحة قلبًا وقالبًا فلم يركنوا إلى الدنيا، ولم يسكنوا إليها. ومشاهد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم المقتضية لتلك الأحوال الخارقة للعادة البشرية، هى الحجة لمن خرقوا عوائدهم البشرية، فخرقت لهم العادة فى أحوالهم ومعاملاتهم.

من هم أهل السياحة؟

أما من الصحابة فكثيرون، لأنهم 4 وأرضاهم هاجروا إلى الحبشة وإلى المدينة وغيرهما، الهجرة الحقة التى خصصهم الله بها وأفردهم لها، ورفعت مقاماتهم العلية عن أن ينافسهم فيها غيرهم، حتى بلغوا مبلغًا تغبطهم الملائكة والأنبياء لقربهم من الله، لما وفقهم له وأعانهم عليه سبحانه، وجملهم بمعانى موجبات رضوانه الأكبر، ودامت تلك الأبواب مفتحة لمن جذبتهم عناية الله حتى فتحت مكة لرسول الله، فسبق المفردون، وصار المهاجر بعدها لا يبلغ معشار ما بلغوا، 4 وأرضاهم.

بعض ما حصل لهم

من أذية المشركين

أورد عليك نموذجًا من صبر الصحابة على أذية المشركين، ترويحًا لنفسك، وميزانًا تزن به أحوالك الصادرة عن شهود التوحيد، وخالص المحبة لله بعد العلم، لتعلم قدر الدين عند من اجتباهم الله، ودعاهم داعى الأزل دعوة القبول، فإنهم لما سمعوا من رسول الله J دعاءه لهم سمعوا منه J بآذان قلوبهم التى دعاها الله سبحانه وتعالى فسمعت من الله سبحانه، وتلقت عنه Y، فسارعوا إلى ما دعاهم إليه، وأقبلوا بالكلية عليه.

تعذيب المستضعفين

من المسلمين

يا بنى: المستضعفون هم الذين سبقوا إلى الإسلام، ولا عشائر لهم تمنعهم، ولا قوة لهم يمنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفار إليه، فلما رأوا امتناع من له عشيرة، وثبت كل قبيلة على من فيها من مستضعفى المسلمين، فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من تصلب فى دينه، ويعصمه الله منهم:

عمار بن ياسر:

منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسى، وهو بطن من مراد وعنس هذا أسلم هو وأبوه وأمه، وأسلم قديمًا ورسول الله J فى دار الأرقم بن أبى الأرقم بعد بضع وثلاثين رجلاً، أسلم هو وصهيب فى يوم واحد، وكان ياسر حليفًا لبنى مخزوم، فكانوا يخرجون عمارًا وأبوه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحرِّ الرمضاء، فمر بهم النبى J فقال: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) (أخرجه الحاكم، وأحمد، وابن منده، والطبرانى فى الأوسط). فمات ياسر فى العذاب، وأغلظت امرأته سمية القول لأبى جهل فطعنها فى قلبها بحربة فى يديه فماتت، أى: بعد أن قال لها: إنك ما آمنت بمحمد – J – إلا لأنك عشقتيه لحسنه وجماله، وهى أول شهيدة فى الإسلام 1، وشدد العذاب على عمار، بالحر تارة، وبوضع الصخر الأحمر على صدره أخرى، وبالتفريق أخرى، فقالوا: لا نتركك حتى تسبَّ محمدًا وتقول فى اللات والعزى خيرًا، ففعل، فتركوه، فأتى النبى J يبكى، فقال: (ما وراءك؟) قال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا، قال: (فكيف تجد قلبك؟)، قال: أجده مطمئنًّا بالإيمان، فقال: (يا عمار إن عادوا فعد) فأنزل الله تعالى: )إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ((النحل: 106) فشهد المشاهد كلها مع رسول الله J، وقتل بصفِّين مع سيدنا علىٍّ u وقد جاوز التسعين، قيل: بثلاث، وقيل: بأربع سنين.

صهيب بن سنان الرومى

ومنهم صهيب بن سنان الرومى، ولم يكن روميًّا، وإنما نسب إليهم لأنهم سبوه وباعوه، وقيل: لأنه كان أحمر اللون، وهو من النمر بن قاسط، كناه رسول الله J أبا يحيى قبل أن يولد له، وكان ممن يعذب فى الله فعذب عذابًا شديدًا، ولما أراد الهجرة، منعته قريش، فافتدى نفسه منهم بماله أجمع، 4 وعنا بهم إنه مجيب الدعاء، آمين.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.