الهجرة: مشاهد جليَّة ودرجات ‏عليَّة

الهجرة: مشاهد جليَّة ودرجات ‏عليَّة

islam wattan . نشرت في المدونة 7593 لاتعليقات

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- مع بداية عام هجرى جديد تطل علينا ذكرى عزيزة وهى الهجرة أو ما يسميه القوم السياحة إلى الله، فنرجو من سماحتكم التكرم ببيان دروس حوادث الهجرة، مقارنة مع الإسراء، مع كشف سر المعية فى الغار، وتوحيد القلوب بقوله J: (دعوها فإنها مأمورة).

الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم 

سماحة مولانا الإمام المجدد حُجَّةَ الإسلام والمسلمين فى هذا الزمان السيد محمد ماضى أبو العزائم- قدَّس الله سرَّكم, ونفعنا الله بكم, وجعلكم وليًّا مرشدًا لطلاب العلم النافع- مع بداية عام هجرى جديد تطل علينا ذكرى عزيزة وهى الهجرة أو ما يسميه القوم السياحة إلى الله، فنرجو من سماحتكم التكرم ببيان دروس حوادث الهجرة، مقارنة مع الإسراء، مع كشف سر المعية فى الغار، وتوحيد القلوب بقوله J: (دعوها فإنها مأمورة).

فأجاب سماحته قائلاً:

 الهجرة الشريفة

استفتح كنوز الفتح باسم الفتاح العليم, وأستجدى سوابغ الآلاء باسم الوهاب الكريم, ضارعًا إلى القريب أن يفتح علينا أبواب عطاياه بالمنح والمنن دافعًا عنا وهو القوى الدافع شر المحن والإحن والهرج والمرج والفتن.

يا بنى: إن الهجرة الشريفة تبين ما تحمله سيد المرسلين J من العناء فى سبيل إعلاء   كلمة الله بتوحيد الله, ونجاة المجتمع الإنسانى بالإسلام لله, مستعينًا بالله سبحانه على فادح الآلام وقارس الملام, ومعاداة أهل الظلم والظلام بهمة ذكرها يحيى الأرواح وينشط الأشباح, وكيف لا, وهوJ منفردًا قام لله داعيًا إلى الحق بين ملوك عبدوا من دون الله فهدم عروشهم, وجهالة عمياء أصمت الآذان عن الحق, وأعمت الأبصار عن الهدى, وقفلت القلوب عن قبول الرشاد, فتحمل ما لا يتحمله كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم صبرًا فى الله مع الله, حتى ذلت التيجان, وانحنى الطغيان, وساد بلال الحبشى, وسلمان الفارسى, وصهيب الرومى على كسرى وقيصر وهرقل ومقوقس, فأصبح الإنسان بالإيمان ليس فوقه إلا الله ذو الجلال والإكرام؛ لأن الله خلق الإنسان حرًّا مريدًا.

عجبًا.. كيف تشرق تلك الأنوار فى الظلمات الحالكة فتمحقها, وتطلع تلك الشمس فى أفق الجهالة والضلالة والكفر بالله وعبادة غيره من الأصنام والكواكب والأناسى والملوك فتملؤه نورًا, وتكسب الإنسان علوًّا بالحـق حتـى يساوى ملائكة السماء, إخلاصًا وصدقًا وتعظيمًا لله, وبإخوانه رفقًا.

نتأمل حوادث الهجرة الشريفة فنحزن ونفرح, نحزن لما ألمَّ برسول الله J من ظلم الظالمين العتاة ومعاداتهم له للخير الذى أبداه, مع رحمته J لمن آذاه , ودعائه بالخير والهداية لمن حاربه وجفاه.. مع أنه J لو دعا عليهم كما دعا نوح وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليه وعليهم لما بقى لهم بقية.

وإلا فأين قوم نوح؟.. أغرقهم الله.

وأين قوم موسى؟.. أرداهم فى البحر القهار المنتقم.

وأين قوم عيسى؟.. أذلهم الله وفرقهم شيعًا, ولم يتحملوا ما تحمله J.

ونفرح بما تفضل الله به على المجتمع الإنسانى الذى قبل من رسول J ما آتاهم به من الإيمان والألفة والمودة والرحمة, حتى تبدلت العداوة بالحب, والجفا بالوفا, والظلم بالعدل, والكفر بالإيمان, والمسارعة إلى غضب الله بالمسارعة إلى محابه ومراضيه, حتى أنجى الله كثيرين من خلقه نزهوه عن الشريك والولد,    وأخلصوا له العبادة والعمل, وأقبلوا عليه بالكلية مفارقين العادة والطبع يعبدونه لا يشركون به شيئًا, ولا تزال تلك الأنوار ساطعة فى الآفاق واضحة المحجة قوية الحجة, وإنما هو الحق لا يأباه إلا شقى ولا ينكره إلا عمى الطرف, وعناء ينتج الخير والفرح وإن كان أضر وأحزن ليس بعناء.

حقًّا إن هذا النبى الأمى هو رحمة الله الواسعة, ونعمة الله العظمى.

الهجرة أعلي من الإسراء

بالنسبة له J

إن تنزل الله I لحبيبه ومصطفاه ليلة الهجرة إلى الحق، أعلى من إسرائه (هجرته إلى القدس) J؛ لأن تنزل الحق لفرد ذاته المصطفى هو الكرامة الكبرى، وهو عين المحبة الكلية ويظهر ذلك من قوله: )إِنَّ اللهَ مَعَنَا(.

لـدى الإصـطلام الحق في جلوة الصفا

بروحك فاصـغى إن أشـرت إلى الخفا

ومـن راح هـجـرته تنـاول مدامـة

لتشـهد غيـب الهجـرتين لـدى الوفا

سـرى هـجـرة والله جـل جـلالـه

خليـل وصديـق الحبيـب بـه اقـتفى

وسـر سـرى ينـبى بإسرا لمـن صفا

وبـكة كـانـت مبـدءًا بـل وموقفـا

سرى بعد أن أسـرى بـه الله وارتـقى

وهـاجــر كـان الله جـل موفـقـا

ومن مكة يسـرى الحبيـب مصـاحبًا

إمـام الهـدى الصديق من كان منصفا

إلـى طيبـة يسـرى لتـشرق شمـسه

وذو العـرش مـعه بالـتـنزل مسعفا

يـؤانـسـه في الغـار جل جـلالـه

وصـديقـه عطـفًا عليــه تخـوَّفا

فنـاداه لا تحـزن مـعي الله خالـقى

فبشرى لمن في الغار صحب المصطفى

سـرى سيد الرسـل الكـرام مهـاجرًا

إلى الله مـعـه الله أشـرح واصـفـا

سـرى قبـله أسـرى بـه الله راقـيًا

إلى القـدس زج بـه فشـاهـد أتحفا

مع الله في الإسـراء بـدءًا مواجـهًا

وفي طيبـة مولاه مـعه فـي صـفا

فكان سـرى المصـطفى نـحو طيبة

ليـظـهـر غيب معيـة منه شـرفا

ففـي ليـلة الإسـرا مـع الله ربـه

ومولاه معه في السـري بـلا خفـا

إلى بيت مقدسه إلـى قـدس مجـده

وهجرته أعـلى وقـد مـحي الجـفا

مقامـك غيـب والتـطور غـامض

وقـدرك أعـلى مـا أجـلَّ وألطفـا

المعية ثلاثة

اعلم يا بنى أن رسول الله J كان متحققًا بعناية الله تعالى ونصرته حتى لو وقف العالم أجمع ضده قال تعالى: )إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ( أى: نصره فى الأزل بسابقة حسناه ولم يقل فسينصره الله.

ولقد تحقق J بعناية الله الأزلية حين قال لصاحبه: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) فحين   قال لصاحبه: (لاَ تَحْزَنْ) فقد نفى الحزن عن نفسه وفؤاده وقلبه، وفى ذات الوقت يريد لمن كان فى معيته أن يكون على نفس النهج، ثم أثبت المصطفى J لنفسه الأنس بالله حين قال: (إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) إذ لو كان خائفًا لقال: (إن الحفيظ معنا)، والمعية ثلاثة هى:

1- معية الهوية من مقام الغيب، قال تعالى: )وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ( ( الحديد: 4) وهى معية عامة.

2- معية الربوبية، قال سيدنا موسى: )إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ( (الشعراء: 62).

3- معية الألوهية، قال J: ) إِنَّ اللهَ مَعَنَا( (التوبة: 40) وهذه أتم وأكمل وأسمى من معية موسى A؛ لأنه قدم معيته على ربه فقال: )إن معى ربى(، والمصطفى العظيم J قدم ذات الله فقال: )إِنَّ اللهَ مَعَنَا(.

وموسى قال: (معى ربى) فخص نفسه بالمعية دون غيره، والسيد الكريم J قال: (اللّهَ مَعَنَا) لأن معيته تشمل الكل، وتربى الكل، وتجمع الكل، كما كانت رحمته J للعالمين.

توحيد القلوب بأرجل الناقة

وصل J إلى المدينة, والناس يتعلقون بخطام ناقته, يتنافسون فى نزوله لديهم, كل يقول بالنزول عنده, وهو يقول لهم صلوات الله عليه وسلامه: (دعوها، أى: الناقة فإنها مأمورة), وفى رواية مسيَّرة لا مخيَّرة.

فسارت حتى أناخت بدار أخواله بنى النجار, فنزل J ففرحوا وحملوا ما كان له من متاع على الراحلة فى بهجة وسرور.

أخرج البيهقى عن أنس قال: قدم رسول الله J المدينة فلما دخل جاءت الأنصار برجالها ونسائها, فقالوا: إلينا يا رسول الله, فقال: (دعوا الناقة فإنهــا مأمورة) فبركت على باب أبى أيوب , فخرجت جوارى من بنى النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن:

نحن جوارى من بنى النجار

يا حبـذا محمـد مـن جار

وأخرج أحمد عن أنس بن مالك 0 قال: إنى لأسعى فى الغلمان يقولون: جاء محمد J فأسعى ولا أرى شيئًا. ثم يقولون: جاء محمد J, فأسعى ولا أرى شيئًا؛ قال: حتى جاء رسول الله J وصاحبه أبو بكر 0. فكمنا (توارينا) فى بعض خراب المدينة. ثم بعثا رجلاً من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار فاستقبلهما زهاء خمس مائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما, فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله J وصاحبه بين أظهرهم. فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق (الشابة أول ما تدرك) لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به! قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيهًا بهما.

انظر كيف وحد الحبيب المصطفى قلوب المسلمين فى ساعة تفرقت فيها القلوب لمحبتهم له J بقوله:

(دعوها فإنها مأمورة)؛ فتعلقت قلوبهم وعيونهم بأرجل الناقة وانصرف عن كل قلب ما كان يشغله بنزول الحبيب J عنده, مشهد من مشاهد العزة النبوية والروح المحمدية تؤلِّف بين القلوب فى وداعة.. وتسكــن الخــلاف الذى فى النفوس وتجمعهم فى جماعة.

ثم دعا النبى J فقال: (اللهم حبب لنا المدينة, كحبنا لمكة أو أشد, اللهم بارك لنا فى صاعها, اللهم اجعل مع البركة بركتين).

أسال الله تعالى أن يتجلى باسمه القريب, الولى, المجيب, الهادى, النور, العليم, المعين, الجامع, الوهاب, الكريم, ليجمع على الهدى قلوبنا, وبعنايته يمدنا, وإلى محابه ومراضيه يجذبنا, ومن الفتن المضلة, والبدع المضرة يحفظنا, ويمكن لنا فى الأرض بالحق, ويعيد لنا وبنا ما تفضل به على سلفنا الصالح.. إنه مجيب الدعاء.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.