الوَقْف في التشريع الإسلامي (1 /3)

الوَقْف في التشريع الإسلامي (1 /3)

islam wattan . نشرت في المدونة 4458 1 تعليق

الوقف في التشريع الإسلامي، باب مهم لارتباطه بالحياة العملية للفرد والمجتمع، في شتى الأعصار والأمصار، له معالمه ومجالاته ومقاصده وآثاره التي أوسعها العلماء الراسخون تأصيلاً وتنظيرًا وتفريعًا، ونبهوا على عظم آثاره في المجتمع الإنساني، ووضحوا عواقب الاستهانة به والتعدي عليه والانحراف به عن حدود الشرع المطهر، ومع معالمه الرئيسة إبراء للذمة وخروجًا عن العهدة..

الدكتور أحمد كريمة

مقدمة

الوقف في التشريع الإسلامي، باب مهم لارتباطه بالحياة العملية للفرد والمجتمع، في شتى الأعصار والأمصار، له معالمه ومجالاته ومقاصده وآثاره التي أوسعها العلماء الراسخون تأصيلاً وتنظيرًا وتفريعًا، ونبهوا على عظم آثاره في المجتمع الإنساني، ووضحوا عواقب الاستهانة به والتعدي عليه والانحراف به عن حدود الشرع المطهر، ومع معالمه الرئيسة إبراء للذمة وخروجًا عن العهدة.

أولاً: مفهوم الوقف

الوقف لغة:

من معانيه فيما له صلة وعلاقة: الحبس، يقال: وقفت الدار وقفًا: حبستها في سبيل الله تعالى، ويطلق على الشيء الموقوف تسمية بالمصدر، وجمعه: أوقاف، كثوب وأثواب([1]).

الوقف اصطلاحًا:

أ- الحنفية: حبس العين على حكم ملك لواقف والتصدق بالمنفعة ولو في الجملة([2]).

ب- المالكية: إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه ولو تقدير([3]).

ج- الشافعية: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود([4]).

د- الحنابلة: تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه وغيره في رقبته بصرف ريعه إلى جهة بر تقربًا إلى الله تعالى([5])، وقيل: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة([6]).

وهذه التعاريف توجه إليها مناقشات واعتراضات تطلب من محالها، وعليه فتعريف الحنابلة المختار لاعتبارات مهمة منها:

1- أن السبب في جمع الشارع بين لفظتي “التحبيس” و”التسبيل” تبيان لحالتي الابتداء والدوام.

2- أن التعريف مأخوذ من قول سيدنا رسول الله J لسيدنا عمر بن الخطاب 0: (إن شئت حبست أصله وسبلت ثمره)([7])، وخبر: (حبس الأصل وسبل الثمرة)([8]).

ثانيًا: مشروعية الوقف

ثبت الوقف بدليل الكتاب والسنة والإجماع:

أ- دليل القرآن الكريم: منه قول الله U: )وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( (الحج: 77).

وجه الدلالة: عموم وإطلاق فعل الخيرات وهي إمارة الفلاح، والوقف من وسائلها.

ب- دليل السنة النبوية: منها:

1- روي أن عمر بن الخطاب 0 أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي J يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه فما تأمر به؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)، فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول…([9]).

2- روي: “ما أعلم أحدًا كان له مال من المهاجرين والأنصار 4 إلا حبس مالاً من صدقة مؤبدة لا تشترى أبدًا ولا توهب ولا تورث”([10]).

وجه الدلالة: هذا إجماع الصحابة 4 فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك، فلم ينكره أحد، فكان إجماعًا([11]).

ج- الإجماع – عامة -: الأحباس سنة قائمة عمل بها رسول الله J والمسلمون من بعده([12]).

ثالثًا: الحكم التكليفي

الوقف أصله الندب، وقد تعتريه أحكام أخرى في حالات معينة، فقد يكون واجبًا في حالة النذر، ومباحًا إن لم يقصد القربة، وحرامًا كالوقف على المعاصي، وقد يكون مكروهًا كالوقف على الذرية الذكور دون الإناث([13]).

رابعًا: الأركان

لدى جمهور الفقهاء – المالكية والشافعية والحنابلة -: الصيغة، الواقف، الموقوف عليه، الموقوف([14]).

الإيضاح بإيجاز:

1- الواقف: وهو المتبرع الحابس للعين.

2- الموقوف: الشيء المحبوس أو الموقوف من أموال عينية ونقدية.

3- الموقوف عليه: الجهة المنتفعة بالعين المحبوسة.

أ- وقف أهلي: وقف الإنسان على نفسه مثلاً، ثم على أولاده، ثم على ذريته، ثم إلى وجوه خير أخرى.

ب- وقف خيري: الوقف مباشرة على جهات بر مثل شئون الدعوة الإسلامية، ومؤسسات تعليمية عامة أو خاصة، والنفع العام لغير ما ذكر مثل مرافق عامة وما أشبه.

4- الصيغة: ألفاظ الوقف الصريحة أو الكافية، القولية والكتابية، والإشارة المفهمة([15]).

البقية العدد القادم إن شاء الله تعالى.

([1]) لسان العرب، والمصباح المنير: مادة: “وقف”.

([2]) حاشية ابن عابدين 3/357 وما بعدها، والهداية 3/13 وما بعدها.

([3]) منح الجليل 4/34، وجواهر الإكليل 2/205.

([4]) مغني المحتاج 2/376.

([5]) شرح منتهى الإرادات 2/489، والإنصاف 7/3.

([6]) المقنع 2/307.

([7]) أخرجه الشيخان: فتح الباري 5/354 وما بعدها، وصحيح مسلم 3/1255.

([8]) سنن النسائي 6/232، وسنن ابن ماجة 2/801.

([9]) سبق تخريجه.

([10]) الخصاف في أحكام الأوقاف ص6.

([11]) المغني 5/599.

([12]) منح الجليل 4/34.

([13]) حاشية ابن عابدين 3/358 وما بعدها، والبحر الرائق 5/206، وحاشية الدسوقي 4/97، ومغني المحتاج 2/380 وما بعدها، وكشاف القناع 4/246.

([14]) الخرشي 7/78، ومغني المحتاج 2/376، وشرح منتهى الإرادات 2/490.

([15]) مراجع تراثية: البحر الرائق 5/205 وما بعدها، والشرح الصغير 2/299 وما بعدها، ومغني المحتاج 2/381 وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات 2/49 وما بعدها.

مراجع معاصرة: “الوقف الإسلامي” أ.د/ السيد عبد الحليم محمد حسين، و”محاضرات في الوقف” للشيخ محمد أبو زهرة، و”الوقف في الفقه الإسلامي” د/ حسن عبد الله الأمين، و”الدور الاجتماعي للوقف” عبد الله أحمد السيد، و”الوقف ودوره في التنمية الاقتصادية” للشيخ صالح كامل، و”أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية” أ.د/ محمد الكبيسي، و”الوصايا والوقف في الفقه الإسلامي” أ.د/ وهبة الزحيلي، و”أحكام الوقف” زهدي يكن، و”أحكام الوقف” مصطفى الزرقا، والعنوان ذاته أحمد الحصتاف، و”الوصايا والأوقاف والمواريث في الشريعة الإسلامية” أ.د/ عبد الودود السريتي.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    بارك الله فيك يا لسان الحق اللهم انصر الازهر الشريف منارة العلم اللهم طهرة من دنس الاخوان واتباعهم اللهم ولي الاصلح شئون الاوقاف فعلا الساكت عن الحق شيطان اخرص وانت لسان الحق فجزاك الله الخير كله وحفظك

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.