تربية ‏الأولاد في ‏الإسلام (2)‏

تربية ‏الأولاد في ‏الإسلام (2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 6905 2 تعليقان

من الأمور البديهية في مبادئ الشريعة الإسلامية، أن الشريعة حاربت الرهبانية لكونها تتصادم مع فطرة الإنسان، وتتعارض مع ميوله وأشواقه وغرائزه…..

الدكتور جمال أمين

بقية: أولاً: الزواج المثالي

وارتباطه بالتربية

(‌أ) الزواج فطرة إنسانية:

من الأمور البديهية في مبادئ الشريعة الإسلامية، أن الشريعة حاربت الرهبانية لكونها تتصادم مع فطرة الإنسان، وتتعارض مع ميوله وأشواقه وغرائزه.

– فقد روى البيهقي في حديث سعد بن أبي وقاص 0: (إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة).

– وروى الطبراني والبيهقي عن رسول الله J أنه قال: (من كان موسرًا لأن ينكح ثم لم ينكح فليس مني).

– فأنت تفهم من هذه الأحاديث وغيرها أن شريعة الإسلام تحرم على المسلم أن يمتنع عن الزواج، ويزهد فيه بنية الرهبانية، والتفرغ للعبادة، والتقرب إلى الله، ولاسيما إن كان المسلم قادرًا عليه، متيسرًا له أسبابه ووسائله.

ونحن إذا تأملنا مواقف رسول الله J في مراقبة أفراد المجتمع، ومعالجة النفس الإنسانية ازددنا يقينًا بأن المراقبة وتلك المعالجة مبنيان على إدراك حقيقة الإنسان، وراميتان إلى تلبية أشواقه وميوله، وحتى لا يتجاوز أي فرد في المجتمع حدود فطرته، ولا يعمل ما ليس بإمكانه واستطاعته، بل يسير في الطريق السوي سيرًا طبيعيًّا متلائمًا معتدلاً … لا يتعثر وقد سار الناس، ولا يتقهقر وقد تقدم البشر، ولا يضعف وقد قوي أبناء الحياة )فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( (الروم: 30).

وإليكم هذا الموقف من رسول الله J، فهو يعد من أعظم المواقف الإصلاحية والتربوية في معالجة الطبائع السلبية، وفهم حقيقة الإنسان:

– روى البخاري ومسلم عن أنس 0: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي J يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها “وجدوها قليلة” فقالوا: وأين نحن من النبي J، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله J فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

– فمن هذه النصوص يتبين لكل ذي عقل وبصيرة أن الزواج في الإسلام فطرة إنسانية؛ ليحمل المسلم في نفسه أمانة المسئولية الكبرى تجاه من له في عنقه حق التربية والرعاية … حينما يلبي هذه الفطرة، ويستجيب لأشواق هذه الغريزة، ويساير سنن هذه الحياة!!!

(ب‌) الزواج مصلحة اجتماعية:

من المعلوم أن للزواج في الإسلام فوائد عامة، ومصالح اجتماعية، سنتعرض بتوفيق الله لأهمها، ثم نبين وجه ارتباطها بالتربية:

1- المحافظة على النوع الإنساني:

فبالزواج يستمر بقاء النسل الإنساني، ويتكاثر ويتسلسل … إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يخفى ما في هذا التكاثر والتسلسل من محافظة على النوع الإنساني، ومن حافز لدى المختصين لوضع المناهج التربوية، والقواعد الصحيحة لأجل سلامة هذا النوع من الناحية الخلقية، والناحية الجسمية على السواء، وقد نوّه القرآن الكريم عن هذه الحكمة الاجتماعية والمصلحة الإنسانية حين قال: )وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً( (النحل: 72).

وقوله: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً( (النساء: 1).

2- المحافظة على الأنساب:

وبالزواج الذي شرعه الله يفتخر الأبناء بانتسابهم إلى آبائهم ….. ولا يخفى ما في هذا الانتساب من اعتبارهم الذاتي واستقرارهم النفسي وكرامته الإنسانية … ولو لم يكن ذلك الزواج الذي شرعه الله، لعجّ المجتمع بأولاد لا كرامة لهم ولا أنساب؛ وفي ذلك طعنة نجلاء للأخلاق الفاضلة، وانتشار مريع للفساد والإباحية.

3- سلامة المجتمع من الانحلال الخلقي:

وبالزواج يسلم المجتمع من الانحلال الخلقي، ويأمن الأفراد من التفسخ الاجتماعي .. ولا يخفي على كل ذي إدراك وفهم أن غريزة الميل إلى الجنس الآخر حين تشبع بالزواج المشروع، والاتصال الحلال تتحلى الأمة – أفرادًا وجماعات – بأفضل الآداب، وأحسن الأخلاق، وتكون جديرة بأداء الرسالة، وحمل المسؤولية على الوجه الذي يريده الله منها، وما أصدق ما قاله عليه الصلاة والسلام في إظهار حكمه الزواج الخلقية، وفائدته الاجتماعية حين كان يحض فئة من الشباب على الزواج: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة([1]) فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء([2])) رواه الجماعة.

4- سلامة المجتمع من الأمراض:

وبالزواج يسلم المجتمع من الأمراض السارية الفتاكة التي تنتشر بين أبناء المجتمع نتيجة للزنا، وشيوع الفاحشة، والاتصال الحرام .. ومن هذه الأمراض الزهري، وداء السيلان (التعقيبة) … وغيرها من الأمراض الخطيرة التي تقضي على النسل، وتوهن الجسم، وتنشر الوباء، وتفتك بصحة الأولاد.

5- السكن الروحاني والنفساني:

وبالزواج تنمو روح المودة والرحمة والألفة ما بين الزوجين … فالزوج حين يفرغ آخر النهار من عمله، ويركن عند المساء إلى بيته، ويجتمع بأهله وأولاده، ينسى الهموم التي اعترته في نهاره، ويتلاشى التعب الذي كابده في سعيه وجهاده، وكذلك المرأة حين تجتمع مع زوجها، وتستقبل عند المساء رفيق حياتها.

وهكذا يجد كل واحد منهما في ظل الآخر سكنه النفسي، وسعادته الزوجية، وصدق الله العظيم عندما صور هذه الظاهرة بأبلغ بيان، وأجمل تعبير: )وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (الروم: 21).

([1]) الباءة: القدرة على الزواج.

([2]) وجاء: قاطع للشهوة.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (2)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    مقالة رائعة بارك الله فيك

    رد

  • ايمان محمد جويلي

    |

    بارك الله فيك صدقت فالعقل السليم في الجسم السليم

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.