ثاني المسيحين: الإمام أبو عبد الله الحسين ‏عليه السلام

ثاني المسيحين: الإمام أبو عبد الله الحسين ‏عليه السلام

islam wattan . نشرت في المدونة 9392 1 تعليق

يَصِفُ الإمَامُ المُجَدِّدُ السَّيِّدْ مُحَمَّدْ مَاضِي أبُو العَزَائِمِ يَوْمَ كَرْبَلاءَ فيَقُولُ:

(… كَانَ أصْحَابُ الحُسَيْنِ قَلِيلِينَ، أكْثَرُهُمْ أهْلُ بَيْتِهِ، وكَانَ مَوْقِفُهُمْ مُبْعَدِينَ عَنِ النَّهْرِ، مَحْرُومِينَ مِنَ المَاءِ جَدِيرًا أنْ يَدْفَعَهُمْ إلى التَّسْلِيمِ مِنْ قَرِيبٍ، وكانَ في وُسْعِ ابنِ زِيَادٍ أنْ يَنَالَهُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ ولا قِتَالٍ..)..

الدكتور عبدالحليم العزمي

أمين الاتحاد العالمي للطرق الصوفية

ثاني المسيحين: الإمام أبو عبد الله الحسين ‏عليه السلام

يَصِفُ الإمَامُ المُجَدِّدُ السَّيِّدْ مُحَمَّدْ مَاضِي أبُو العَزَائِمِ يَوْمَ كَرْبَلاءَ فيَقُولُ:

(… كَانَ أصْحَابُ الحُسَيْنِ قَلِيلِينَ، أكْثَرُهُمْ أهْلُ بَيْتِهِ، وكَانَ مَوْقِفُهُمْ مُبْعَدِينَ عَنِ النَّهْرِ، مَحْرُومِينَ مِنَ المَاءِ جَدِيرًا أنْ يَدْفَعَهُمْ إلى التَّسْلِيمِ مِنْ قَرِيبٍ، وكانَ في وُسْعِ ابنِ زِيَادٍ أنْ يَنَالَهُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ ولا قِتَالٍ.

وقد حَرَّمَ الحُسَيْنُ علَى مَنْ معَهُ أنْ يُشْهِرُوا سِلاَحًا أو يَبْدَأُوا قِتَالاً، ولكِنَّ ابنَ زِيَادٍ رَأَى أنَّ مُطَاوَلَةَ الحُسَيْنِ وإمْهَالَهُ حتَّى يُسْلِمَهُ الظَّمَأُ حَرِيٌّ أنْ يَزِيدَ في جَمْعِهِ، وأنْ يُقَوِّيَ مِنْ عُدَدِهِ، فدَفَعَ الجَيْشَ عَلَيْهِمْ كالسَّيْلِ، فإذَا هُمْ مُصْرَعُونَ، وإذَا حَوَافِرُ الخَيْلِ تَدُقُّ هَامَ الأشْرَافِ وصُدُورَ المُؤْمِنِينَ، وإذَا أمْجَدُ آيَةٍ في التَّضْحِيَةِ يَخُطُّهَا الدَّمُ الزَّكِيُّ علَى صَفَحَاتِ الصَّعِيدِ بِكَرْبَلاءَ.

هذا ثَانِي المَسِيحَيْنِ!! الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ، أنْفَذَ فِيهِ المُسْلِمُونَ ما حَاوَلَ اليَهُودُ مِنْ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ، فمَا أبْشَعَ الظُّلْمِ، وما أجَلَّ الفِدَاءِ، شَيْخٌ تَقِيٌّ أشْيَبٌ[1]، نَفْسٌ زَكِيَّةٌ طَاهِرَةٌ، قَلْبٌ نَبِيلٌ حُرٌّ، اسْتَصْرَخَهُ مَظْلُومُونَ ليَقُودَهُمْ في وَجْهِ البَغْيِ ولَبَّى، فإذَا هُوَ وآلُهُ وَوَلَدُهُ وقَوْمُهُ جَزْرٌ لسُيُوفِ المَظْلُومِينَ المُسْتَصْرِخِينَ بِهِ)[2].

ثاني المسيحين

وقَدِ اسْتَوْقَفَتْنِي طَوِيلاً عِبَارَةُ الإمَامِ أبي العَزَائِمِ: (هذا ثَانِي المَسِيحَيْنِ!! الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ، أنْفَذَ فِيهِ المُسْلِمُونَ ما حَاوَلَ اليَهُودُ مِنْ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ)، وتَسَاءَلْتُ ما العَلاقَةُ بَيْنَ الإمَامِ الحُسَيْنِ والسَّيِّدِ المَسِيحِ A؟.

المَسِيحُ في القُرْآنِ:

عُدْتُ إلى القُرْآنِ الكَرِيمِ فوَجَدْتُ مَكَانَةً مَرْمُوقَةَ للمَسِيحِ الأوَّلِ سَيِّدِنَا عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ A، مِنْهَا:- الوِلادَةُ العَجِيبَةُ، حَيْثُ وُلِدَ بِلاَ أبٍ.

– ومِنْهَا ألْقَابُ المَسِيحِ، مِثْلُ: كَلِمَةِ اللهِ، ورُوحِ اللهِ، والوَجِيهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ.

– ومِنْهَا مُعْجِزَاتُ المَسِيحِ: كالخَلْقِ، وإحْيَاءِ المَوْتَى، وإبْرَاءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والعِلْمِ بغَيْبِ الشُّئُونِ.

– ومِنْهَا: عِصْمَةُ المَسِيحِ عَنِ الخَطَايَا.

وتَأمَّلْتُ في أوْجُهِ الشَّبَهِ بَيْنَ المَسِيحِ الأوَّلِ وثَانِي المَسِيحَيْنِ، فوَجَدْتُ ما يَلِي:

أوَّلاً: يَنْحَدِرَانِ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُبَارَكَةٍ

بَدَأَتْ مُنْذُ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ 0 وانْتَهَتْ بسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وآلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، هذهِ الشَّجَرَةُ المُبَارَكَةُ تحَدَّثَ عَنْهَا القُرْآنُ بقَوْلِهِ: )إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( (آل عمران: 33، 34)، هذهِ الشَّجَرَةُ المُبَارَكَةُ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى ذُرِّيَّتَهَا كُلَّهَا أنْبِيَاءَ وأوْصِيَاءَ وحُجَجًا علَى الخَلْقِ، بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الظَّالِمِينَ.

ثَانِيًا: الأُمُّ

تَتَشَابَهُ أُمُّ السَّيِّدِ المَسِيحِ السَّيِّدَةُ مَرْيَمُ B مَعَ أُمِّ الإمَامِ الحُسَيْنِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ B في عِدَّةِ ألْقَابٍ، فالسَّيِّدَةُ مَرْيَمُ تُلَقَّبُ بسَيِّدَةِ النِّسَاءِ والسَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ تُلَقَّبُ بسَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ، وأيْضًا تُعْرَفُ السَّيِّدَةُ مَرْيَمُ بالصَِّدِّيقَةِ وتُعْرَفُ السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ بالصِّدِّيقَةِ الطَّاهِرَةِ، ويَشْتَرِكُ كُلٌّ مِنْهُمَا في لَقَبِ البَتُولِ.

ثَالِثًا: مُدَّةُ الحَمْلِ

فلَقَدْ كَانَتْ مُدَّةُ حَمْلِ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ بسَيِّدِنَا عِيسَى سِتَّةَ أشْهُرٍ، وكذلكَ السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ كانَتْ مُدَّةُ حَمْلِهَا بالإمَامِ الحُسَيْنِ سِتَّةَ أشْهُرٍ.

رَابِعًا: كَرَاهِيَةُ الحَمْلِ

لمَّا حَمَلَتِ السَّيِّدَةُ مَرْيَمُ بالسَّيِّدِ المَسِيحِ بِلاَ أبٍ، كَرِهَتْ هذا الحَمْلَ خَوْفًا مِنْ قَوْمِهَا، فقَالَتْ: )يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا( (مريم: 23).

وقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ علَى رَسُولِ اللهِ J وقَالَ: تَحْمِلُ فَاطِمَةُ وَلَدًا تَقْتُلُهُ أُمَّتُكَ غَرِيبًا عَطْشَانًا، فلمَّا حَمَلَتْ بِهِ السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ كَرِهَتِ الحَمْلَ؛ لأنَّهُ سَيُقْتَلُ، ويُقَالُ([3]) بأنَّ الآيَةَ الشَّرِيفَةَ التَّالِيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ الإمَامِ الحُسَيْنِ A، قالَ اللهُ تعالَى: )وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ( (الأحقاف: 15).

وهكذا يَأْتِي التَّعْبِيرُ عَنِ أوَّلِ المَسِيحَيْنِ بقَوْلِهِ: )وَبَرًّا بِوَالِدَتِي( (مريم: 32)، وبالمُقَابِلِ يَأْتِي التَّعْبِيرُ عَنِ الإمَامِ الحُسَيْنِ ثَانِي المَسِيحَيْنِ: )وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا(، وقالَ أوَّلُ المَسِيحَيْنِ: )إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ( (مريم: 30)، وبالمُقَابِلِ قالَ ثَانِي المَسِيحَيْنِ: )إِنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ( أيْ: مِنْ عِبَادِ اللهِ الذين أسْلَمُوا وَجْهَهُمْ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

خَامِسًا: البَرَكَةُ

يَتَّصِفُ أوَّلُ المَسِيحَيْنِ وثَانِي المَسِيحَيْنِ بأنَّ وُجُودَ كُلٍّ مِنْهُمَا بحَدِّ ذَاتِهِ سَبَبٌ للبَرَكَةِ الوَافِرَةِ، فسَيِّدُنَا عِيسَى قَالَ: )وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا( (مريم: 31)، وذَكَرَ أبُو السُّعُودِ في مَعْرِضِ شَرْحِهِ للبُرْدَةِ حَدِيثًا يَقُولُ: (إنَّ اللهَ جَعَلَ للإمَامِ الحُسَيْنِ: الشِّفَاءَ في تُرْبَتِهِ، والأئِمَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وإجَابَةَ الدُّعَاءِ تَحْتَ قُبَّتِهِ)، وهذَا الحَدِيثُ مَكْتُوبٌ علَى البَابِ الذي بِجَوَارِ المِنْبَرِ بمَسْجِدِ الإمَامِ الحُسَيْنِ بالقَاهِرَةِ، وفي مَصَادِرِ الشِّيعَةِ يَذْكُرُونَ هذا الحَدِيثَ، إلاَّ أنَّهُمْ يَقُولُونَ: (وإجَابَةُ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ)([4]).

سَادِسًا: الرِّسَالَةُ

لخَّصَ السَّيِّدُ المَسِيحُ رِسَالَتَهُ في إنْجِيلِ لُوقَا، بقَوْلِهِ: [رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ؛ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ]([5]).

ولخَّصَ الإمَامُ الحُسَيْنُ نَهْضَتَهُ في نِدَائِهِ عِنْدَمَا خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ: (إنِّي لَمْ أخْرُجْ أشِرًا ولا بَطِرًا ولا ظَالِمًا ولا مُفْسِدًا، إنَّمَا خَرَجْتُ لطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدِّي)([6]).

سَابِعًا: تَجَرُّأُ الأُمَّةِ علَى القَتْلِ

يَشْتَرِكُ أوَّلُ وثَانِي المَسِيحَيْنِ في تَجَرُّؤِ أُمَّتَيْهِمَا علَى قَتْلِهِمَا، فالمَسِيحُ الأوَّلُ حَاوَلَ اليَهُودُ عَنْ طَرِيقِ الحَاكِمِ الرُّومَانِيِّ أنْ يَقْتُلوهُ صَلْبًا، لكِنَّ اللهَ تعَالَى رَفَعَهُ إلَيْهِ وألْقَى شَبَهَهُ علَى تِلْمِيذِهِ يَهُوذَا الذي وَشَى بِهِ، مُقَابِلَ دَرَاهِمَ مَعْدُودَاتٍ.

والمَسِيحُ الثَّانِي أنْفَذَ فِيهِ مِنْ يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدِّهِ J ما حَاوَلَ اليَهُودُ أنْ يُنَفِّذُوهُ في عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ A، فحَكَمُوا علَى أنْفُسِهِمْ أنَّهُمْ أشَدُّ إجْرَامًا مِنَ اليَهُودِ، فعَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ.

ثَامِنًا: عَلاقَةُ المَسِيحَيْنِ بدَوْلَةِ أهْلِ البَيْتِ في الخِتَامِ

إنَّ لِكُلٍّ مِنَ المَسِيحَيْنِ ارْتِبَاطٌ بالدَّوْلَةِ الخَاتِمَةِ لأهْلِ البَيْتِ، فالسَّيِّدُ المَسِيحُ عَضُدُ إمَامِهَا، وقَدِ اتَّفَقَ المُؤَرِّخُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ لَهُ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِيهَا، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ قالَ J: (كَيْفَ بِكُمْ إذَا نَزَلَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ عَلَيْكُمْ وإمَامُكُمْ مِنْكُمْ)([7])، وأضَافَ ابنُ مَاجَةَ([8]): أنَّهُ يُقَدِّمُهُ في بَيْتِ المَقْدِسِ ويُصَلِّي خَلْفَهُ، إذَنْ هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ بَيْنَ المَسِيحِ الأوَّلِ وبَيْنَ الدَّوْلَةِ الخَاتِمَةِ.

وكَذَلِكَ هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ بَيْنَ ثَانِي المَسِيحَيْنِ الإمَامِ الحُسَيْنِ وبَيْنَ الدَّوْلَةِ الخَاتِمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

الوَجْهِ الأوَّلِ: أنَّ إمَامَهَا مِنْ نَسْلِ الإمَامِ الحُسَيْنِ A.

الوَجْهِ الثَّانِي: أنَّ هذهِ الدَّوْلَةَ مَرَّتْ بمَرَاحِلَ:

مَرْحَلَةِ النَّبِيِّ J الذي زَرَعَ البِذْرَةَ، قالَ تعَالَى: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ( (التوبة: 33).

وقد أشَارَ الإمَامُ أبُو العَزَائِمِ في كِتَابِهِ الجَفْرِ: أنَّ الإسْلامَ سَوْفَ يَعْلُو علَى كُلِّ دِينٍ تَحْقِيقًا لوَعْدِهِ تعَالَى: )لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(، بَعْدَ أنْ يُعْلِنَ إمَامُ دَوْلَةِ أهْلِ البَيْتِ عن قِيَامِهَا، وانْدِحَارِ كُلِّ خَائِنٍ مُوَالٍ للأعْدَاءِ في بِلادِ الإسْلامِ، وانْمِحَاءِ الكُفْرِ مِنْهَا، فيَقُولُ 0:

يُظْـهِرُ اللهُ دِيـنَـهُ بـإمَـامٍ

حَقَّقَ اللهُ بالقُـرْآنِ انْتِـصَارَهْ

حَوْلَهُ الحِزْبُ حِزْبُ رَبٍّ قَوِيٍّ

آيَةُ الذِّكْرِ وَضَّحَتْ لِي الإشَارَهْ

سَوْفَ يَأْتِي؛ وَعْدٌ مِنَ اللهِ حَقٌّ

فَاقْرَأَنْـهَا بنَصِّـهَا والعِبَـارَهْ

كُلُّ خِـبٍّ مُسَارِعٍ في الأعَادِي

سَوْفَ يُبْلَى بنَكَبَـةٍ أوْ بِغَـارَهْ

يَنْمَحِي الكُفْرُ مِنْ بِلادٍ أضَاءَتْ

والكِرَامُ الأبْدَالُ تَمْحُو شَرَارَهْ

وَيْ لدَيْهَا يَعْلُو عَلَى كُلِّ دِينٍ

دِينُ رَبِّي فَاتْلُ لَنَا أخْبَـارَهْ([9])

ثُمَّ كَانَتِ المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ J هي مَرْحَلَةُ الإمَامِ الحُسَيْنِ A، الذي سَقَى بدَمِهِ البِذْرَةَ التي زَرَعَهَا رَسُولُ اللهِ J، ولَوْلا الإمَامُ الحُسَيْنُ لتَبَدَّلَتْ أحْكَامُ الإسْلامِ بأحْكَامِ الجَاهِلِيَّةِ.

وقَدْ أجَادَ القَائِلُ: (الإسْلامُ مُحَمَّدِيُّ الوُجُودِ، حُسَيْنِيُّ البَقَاءِ).

ثُمَّ تَكُونُ المَرْحَلَةُ الأخِيرَةُ للدَّوْلَةِ الخَاتِمَةِ علَى يَدِ إمَامٍ مِنْ أهْلِ البَيْتِ الكِرَامِ، رَوَى الإمَامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، قَالَ J: (لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدنيا إلاَّ يَوْمٌ لبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أهْلِ بَيْتِي، يَمْلَؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا)([10])، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ J: (يَلِى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِى، يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِى)([11])، ويَكُونُ شِعَارُهُ: (يَا لَثَارَاتَ الحُسَيْنِ).

خُلاصَةُ الكَلامِ: أنَّ الإمَامَ الحُسَيْنَ شَهِيدُ العَقَائِدِ الإنْسَانِيَّةِ والأدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ، قَالَ الكَاتِبُ المَسِيحِيُّ أنْطُوَانْ بَارَا: (لو كَانَ الحُسَيْنُ مِنَّا لنَشَرْنَا لهُ في كُلِّ أرْضٍ رَايَةً، ولأقَمْنَا لَهُ في كُلِّ أرْضٍ مِنْبَرًا، ولدَعَوْنَا النَّاسَ إلى المَسِيحِيَّةِ باسْمِ الحُسَيْنِ).

وقالَ غَانْدِي مُحَرِّرُ الهِنْدِ: (تَعَلَّمْتُ مِنَ الحُسَيْنِ كَيْفَ أكُونُ مَظْلُومًا فَأنْتَصِرْ)([12]).

فيَا أُمَّةَ الإسْلامِ: أمَا آنَ الآوَانُ أنْ نَدْعُوَ النَّاسَ للإسْلامِ بِاسْمِ الإمَامِ الحُسَيْنِ، وأنْ نَرْفَعَ الظُّلْمَ عَنِ الأُمَّةِ اقْتِدَاءً بالإمَامِ الحُسَيْنِ، وأنْ نَرْفَعَ رَايَاتِ الإمَامِ الحُسَيْنِ، ونُكْثِرَ المَنَابِرَ التي تتَحَدَّثُ بلِسَانِهِ؟.

تَاسِعًا: المَسِيحُ أمِينٌ في شَهَادَتِهِ

يَكْشِفُ الإمَامُ أبُو العَزَائِمِ وَجْهَ الشَّبَهِ الأخِيرَ بَيْنَ المَسِيحَيْنِ في قَصِيدَتِهِ التي نُشِرَتْ في كِتَابِ (صَحِيفَةِ الأوْلِيَاءِ)، يَقُولُ لجَدِّهِ الإمَامِ الحُسَيْنِ:

أَنْـتَ نُـورٌ مِنْ سَيِّدِ ٱلأَنْبِيَاءِ

أَنْتَ فَـرْعُ ٱلْبَتُولِ وَٱلأَصْفِيَاءِ

أَنْتَ يَا سَيِّدِي ٱلْحُسَيْنُ وَصِيٌّ

مِنْ وَصِيٍّ مِنْ دُرَّةٍ فِي ٱلصَّفَاءِ

قَدْ شَهِدْتُ ٱلْغُيُوبَ بَدْءًا وَخَتْمًا

فَشَهِيدٌ مِـنْ خِيـرَةِ ٱلشُّهَدَاءِ

مِنْ جَمَالِ ٱلْمُخْتَارِ نَصُّ حَدِيثٍ

بَلْ وَمِنْكَ ٱلْمُخْتَارُ فِي ٱلأَنْبِيَاءِ

صَاغَكَ ٱللَّهُ مِنْ جَمَالٍ وَتَقْوًى

أَنْتَ عِيسَى ٱلشَّهِيدُ فِي ٱلإِقْتِدَاءِ([13])

وتَوَقَّفْتُ مُتَأمِّلاً أمَامَ قَوْلِ الإمَامِ أبي العَزَائِمِ للإمَامِ الحُسَيْنِ: (أَنْتَ عِيسَى ٱلشَّهِيدُ فِي ٱلإِقْتِدَاءِ)، ففَتَحَ اللهُ تعالى بَابَ فَضْلٍ، دَخَلْتُهُ فوَجَدْتُ أنَّ شَهَادَةَ الحَقِّ بالنِّسْبَةِ للإنْسَانِ المُخْتَارِ مُهِمَّةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، ولا يَتَصَدَّى لهَا إلاَّ أُولُو العَزْمِ، الذين جَمَعُوا بَيْنَ عُمْقِ المَعْرِفَةِ وأصَالَتِهَا وصَفَائِهَا والتَّجَرُّدِ لمَرْضَاةِ اللهِ تبَارَك وتعالَى، مَهْمَا اشْتَدَّتْ علَيْهِمُ الضُّغُوطُ والمِحَنُ، ومَهْمَا نَاوَشَتْهُمُ الإغْرَاءَاتُ المَادِّيَّةُ والرَّغْبَةُ في طُولِ البَقَاءِ.

تِلْكَ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ، والرُّؤْيَةُ الصَّافِيَةُ التي تَخْتَرِقُ الحُجُبَ، أرْوَعُ مَا يُوَضِّحُهَا تِلْكَ الكَلِمَةُ التي أرْسَلَهَا الإمَامُ الحُسَيْنُ لأخِيهِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ: (مِنَ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ إلى أخِيهِ مُحَمَّدٍ ومَنْ قِبَلَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، أمَّا بَعْدُ: إنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ، وإنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ، والسَّلاَمُ)، تَصْدِيقًا لقَوْلِهِ تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ( (النساء: 135).

الشَّهَادَةُ إذًا هي عُنْوَانُ الحَقِّ والحَقِيقَةِ التي لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا ولا تَبْدِيلُهَا، وكَمَا أنَّ الشَّمْسَ مَعْرُوفَةٌ بالعَيْنِ والآثَرِ، فالحَقِيقَةُ تَثْبُتُ وُجُودًا وتَثْبُتُ بشَهَادَةِ أهْلِ الحَقِّ الذينَ لَمْ تَقْتَصِرْ مُهِمَّتُهُمْ علَى البَلاغِ نِذَارَةً وبِشَارَةً، قالَ تعالى: )وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ( (المائدة: 116 – 118).

فالشَّهَادَةُ كمَا أنَّهَا وَظِيفَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، فهَيَ أيْضًا وَظِيفَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ يَنْهَضُ بِهَا خَاصَّةُ أوْلِيَاءِ اللهِ، وهي لَيْسَتْ قَاصِرَةً علَى مَقَامِ النُّبُوَّةِ الذي لهُ شَهَادَةٌ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ، كَمَا في قَوْلِهِ تعَالَى: )فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا( (النساء: 41، 42)، وهي وَظِيفَةٌ مُمْتَدَّةٌ في الأئِمَّةِ الأطْهَارِ، قالَ تعالَى: )إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ( (غافر: 51، 52).

فكَمَا أنَّ المَسِيحَ الأوَّلَ شَهِيدٌ علَى أُمَّتِهِ أمَامَ اللهِ U، فالمَسِيحُ الثَّانِي شَهِيدٌ أيْضًا علَى أُمَّتِهِ أمَامَ اللهِ U، وصَدَقَ الإمَامُ أبُو العَزَائِمِ حِينَ قَالَ للإمَامِ الحُسَيْنِ: (أَنْتَ عِيسَى ٱلشَّهِيدُ فِي ٱلإِقْتِدَاءِ).

نسأل الله تعالى أن يكشف لقلوبنا حقيقة الجمال الربَّانى, الذى به ننجذب بكليتنا إلى الرضوان الأكبر.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين.

================================

([1]) كان عمر الإمام يوم استشهاده ثمانية وخمسين عامًا.

([2]) ينظر: مجلة الإسلام وطن السنة (19) العدد (221) المحرم 1426ﻫ – فبراير – مارس 2005م.

([3]) رواية عن الإمام جعفر الصادق A ذكرها ابن قولويه في كامل الزيارات ص122.

([4]) ينظر: بحار الأنوار: 44/211، ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة 14/537 بلفظ: (روي أن الله عوض الحسين A من قتله أربع خصال: جعل الشفاء في تربته، وإجابة الدعاء تحت قبته، والأئمة من ذريته، وأن لا تعد أيام زائريه من أعمارهم).

([5]) ينظر: الكتاب المقدس، إنجيل لوقا، الإصحاح الرابع، الآية 18.

([6]) ينظر: موسوعة المصطفى والعترة لحسين الشاكري 6/99-100، ومقتل الحسين للموسوي ص139.

([7]) ينظر: صحيح البُخَارِيِّ في كِتَابِ الأيْمَانِ والنُّذُورِ ح6326.

([8]) ينظر: سنن ابن ماجة 5/530 ح4077.

([9]) ينظر: الجفر للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم ص172.

([10]) ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل 2/163 ح773.

([11]) ينظر: سنن الترمذي 8/174 ح2156.

([12]) ينظر: نظرة في إحياء مراسم عاشوراء لمحمد تقي مصباح اليزدي 1/7، وموسوعة أعمال المهاتما غاندي 13/518، ط.2، 1969م.

([13]) ينظر: صحيفة الأولياء للإمام أبي العزائم 1/43.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (1)

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.