خبيئة العارف.. رواية عن حياة الشيخ أبي العزائم ورؤيته لواقعنا (2/ 2)

خبيئة العارف.. رواية عن حياة الشيخ أبي العزائم ورؤيته لواقعنا (2/ 2)

islam wattan . نشرت في المدونة 9224 2 تعليقان

تتبدى ثنائية التعرض للظلم والدفاع عن الحق فى شخصيتى شيخ الطريقة العزمية والدكتور خيرى محفوظ، وذلك بحكم الصفات المشتركة بينهما، فكلاهما لديه اهتمام خاص بالكنز وحقيقته، وكلاهما يتسم بشخصية مرنة…

أ.سعيد نصر

تتبدى ثنائية التعرض للظلم والدفاع عن الحق فى شخصيتى شيخ الطريقة العزمية والدكتور خيرى محفوظ، وذلك بحكم الصفات المشتركة بينهما، فكلاهما لديه اهتمام خاص بالكنز وحقيقته، وكلاهما يتسم بشخصية مرنة، فالأول منفتح على العلم، والثانى منفتح على الصوفية، والأول مهتم بالشأن العام وله رأى مستقل، ولم يمنع رجال الطريقة من المشاركة فى ثورة 25 يناير، حيث قال بشأنها لخيرى محفوظ: “لم نكن سوى قطرة فى بحر المصريين المنتفضين ضد الظلم والفساد فى ثورة يناير”، والثانى له مقالات عديدة ومؤثرة ينتقد فيها “العسس”.

والأول دفع ثمن مواقفه، بحرمانه من منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية، بتدخلات مباشرة من الجهاز الأمنى، والثانى دفع ثمن مواقفه بفبركة جريمة سرقة له من جانب الجهاز نفسه، حيث يقول شيخ الطريقة لخيرى محفوظ: “هذا الجهاز يعادينى فوق ما تتصور .. وقف ضدى فحرمنى، وأنا الأحق، من أن أصبح شيخ مشايخ الطرق الصوفية، اتصل ضابط كبير فيه بشيوخ الطرق الذين من حقهم قانونًا انتخابى، وضغط عليهم بكل الأساليب، فأجبرهم على التخلى عنى. ولم يكتف بهذا بل راح يروِّج شائعات تزعم أن الطريقة “العزمية” باب لنشر التشيع فى البلاد.”

وتكمن الرسالة الأشمل للرواية فى أن الصوفية الحقيقية هى التى تهتم بمشاكل الناس، وتدافع عن حقوقهم، وتدعو رجالها إلى المشاركة العامة، وليس حلقات الذكر فقط، حيث كتب خيرى محفوظ جملة فى نهاية مقاله، الذى تركه لمرتضى، وذلك قبل هروبه الأخير لفضاء الحرية، حيث قال وكأنه يصرخ: “استعيدوا ما قاله أبو العزائم فى رفض المذهبية، وإصلاح أحوال الناس، ومقاومة الظلم والاستعباد والفساد، والتصدى للغزاة أيًا كان نوعهم ولونهم، ونصرة المستضعفين أينما وجدوا”.

ويكشف الكاتب السر الحقيقى لاتساع حركة جماعة حسن البنا، رغم أن أتباع الشيخ محمد ماضى أبي العزائم كانوا فى وقتها هم الأكثر عددًا، حيث يقول خيرى محفوظ: “لقد كان أبو العزائم عصيًّا على الاستخدام من قبل الإنجليز وأحزاب الأقلية الموالية لهم، لذا ضيقوا عليه الخناق، ووضعوا فى طريقه الأشواك، وتركوا مشروعه يدمى ويذبل ويخبو، بينما صنعوا هم العملاء الذين شقوا لهم مسارات محددة ليمضوا فيها، وكان عليهم أن يمروا طيلة الوقت من باب الخدم”.

ويتحدث الكاتب عن مطمع جماعة الإخوان فى السلطة، ليس لإصلاح البلد، إنما للتمتع بأموالها مثلما كان يفعل من قامت ضدهم الثورة، فالمهم لدي أفراد الجماعة هو تحقيق مصلحتها، التي هي فوق المصلحة العامة، أو هي المصلحة العامة نفسها في نظرهم. فهذا الإخواني حسن الطويل، يسأل زائرًا له بصوت جهير: “لماذا لا أكون وزيرًا معكم يا باشا؟!” ، فيندهش الزائر منه ويسأله  تهكمًا: “أى وزارة تريد يا شيخ حسن؟ “، فيجيبه على الفور،” وزارة المالية لأستبيح من أموالها ما تستبيحون.”

ويزيح الكاتب الستار عن الفارق الشاسع بين رؤية محمد ماضى أبي العزائم لمصر وبين رؤية حسن البنا لها، فهى عند الأول أرض ووطن من منطلق أن شعب مصر أمة واحدة، وذلك على عكس البنا ورفاقة الذين لا يرون أي مانع فى ذوبان مصر فى هوية أخرى، وقد تضمنت الرواية ما يؤكد رؤية شيخ الطريقة العزمية للوطن، وذلك خلال حوار ساخن بين خيرى محفوظ والضابط هانى عبد الوارث، حاول فيه الأخير تشويه صورة الطريقة العزمية وربطها بالشيعة، حيث قال محفوظ: “لا، الشيخ الكبير لم يكن يفرق بين أرض وأرض، فتراب الوطن عزيز أيًّا كان مكانه”، وقال له أيضًا ، خلال شرحه لرسالة أرسلها أبو العزائم لسعد زغلول: “معنى هذا أن الشيخ “أبو العزائم” كان ينظر إلى مصر على أنها أمة قائمة بذاتها، حتى وإن آمن برابطة روحية ورمزية بين كل المسلمين، فلا تلوى عنق الحقائق لتبرير ما تنوى السلطة الإقدام عليه، وتتخد من الشيخ، الذى أراه الآن غير ما رأيته فى أول رحلتى، طُعمًا لاصطيادى”.

وفي المضمون السياسى يشعرك الكاتب بأنه يتحدث عن المشهد المصرى الحالي، على الرغم من أن زمن الرواية فى الماضى، بواقع 80 سنة، ويظهر ذلك من خلال أحداث ووقائع وحوارات عديدة، منها مشهد يقول فيه الكاتب واصفًا حال خليفة “أبو العزائم” وموقفه من قضية وطنية، ضرب شيخ الطريقة بيده على المنضدة وصرخ: “أتقصد وثائق تخص ما يدور حاليًا عن رغبة الجالس على الكرسى الكبير فى التنازل عن جزء من أرض البلاد؟”، ومنها أيضًا حوار ضابط أمن السلطة هانى عبد الوارث مع الدكتور خيرى محفوظ، بشأن تبرئته من تهمة سرقة الوثائق، مقابل تقديمه خدمة جليلة للجالس على الكرسى الكبير، “حيث يقول له الضابط: “سنقول إنك أخذت الوثائق بعلم موظف دار المحفوظات كى تبحث فى أمر الحدود، وأنه قد استقر فى يقينك، بعد دراسة مستفيضة، أن ما أقدم عليه الجالس على الكرسى الكبير من تنازل عن هذا الجزء كان صائبًا.”

ويتضمن المضمون السياسى انتقادات شديدة لإعلام السلطة، وذلك بالإيحاء والتورية، حيث يتحدث شيخ الطريقة لخيرى محفوظ عن إعلام تشويه المعارضين بالتخوين، وذلك بقوله له: “هذه المرة يلمحون بتخاريف عن العمالة والخيانة، وكل هذه الكلمات البائسة التى شاعت فى أيامنا تلك بلا دليل، لإجبار كل صاحب لسان مختلف على الصمت”، ويقول عليوة لخيرى محفوظ، كاشفًا طبيعة الحكم وعلاقته بالإعلام فى زمن الشيخ محمد ماضى أبي العزائم: “لقد نجحوا فى تشويه كل شىء، وكل من يقول للقصر الكبير: لا. أما من يطبلون ويزمرون للجالس على الكرسى الكبير فقد مَلَّ الناس منهم، ويتمنون اختفاءهم اليوم قبل الغد.”، ويقول مرتضى لخيرى محفوظ عن قيمة الصدق فى الفلسفة الإعلامية: “أراها فى وجوه الناس بالشوارع، وليس فى الصحف التى لم يعد فيها إلا الأكاذيب”.

ويكشف الكاتب كيف أن الإعلام صار بوقًا واحدًا لصوت واحد هو صوت السلطة، من خلال تضييق الخناق على الإعلام غير الرسمى، حيث يقول شيخ الطريقة بشأن مصدر تسريب تقرير خيرى محفوظ: “لا أعتقد أن الأمر كذلك، فكل الصفحات صارت تحت المراقبة، وأغلب الشباب سرى فى نفوسهم الخوف وليس بوسع أحدهم أن يجرؤ على هذه الفعلة، وكثير من المدونين و”أدمن” صفحات “فيس بوك” صاروا فى السجون.”

كما تنطوي الرواية على مضمون اقتصادى اجتماعى، يستخدم الكاتب فيه الماضى كما لو كان عدسة مكبرة تعكس للقارىء أخطاء وخطايا الحاضر، سواء كانت أحداث أو قرارات، كقرار تعويم الجنيه، وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق بسببه، حيث سأل ماهر السعدى زملاءه بعد أن طلبوا منه سماع آخر نكتة مضحكة: “ماذا ستدفعون؟”، وعندما أبدوا دهشتهم، قال لهم: “نعم، فحتى الضحك فى بلدنا صار له سعر بعد تعويم الجنيه”. وزاد ماهر على ذلك بأن زفر فى حرقة، وقال: “عوَّموا الجنيه فغرقنا نحن.”

ويتحدث عليوة لماهر السعدى، من منظور اجتماعى، عن الفساد الاقتصادى بنظارة وقف البلد، فى زمن الشيخ  محمد ماضى أبي العزائم ، بقوله: “لا يوجد هنا مجنون غيرك. كبار الموظفين ينهبون أموال الأوقاف، حتى امتلأت جيوبهم وكروشهم، وأنا وأنت نسير فى الشوارع بحذاءين ممزقين”، ويقول ماهر أيضًا فى هذا الشأن: “فى المكاتب لا يكف بعض الزملاء عن الحديث عن مديرى العموم ووكلاء نظارة وقف البلد المتعاقبين الذين يستولون على الكثير من أموال الوقف، فيثيرون غيظه  الشديد”، ويقول موظف آخر: “نظارتنا تعوم على كنز فوق أرض البلد كلها، من شرقها إلى غربها، يغرف الناظر وأعوانه منه، كما غرف سابقوهم، لكنه لا يفنى”، وها هو ماهر يهمس فى أذن عيلوة، قائلاً له: “منذ متى كانت الحكومة تهتم بالكنوز؟”، فيكتم عيلوة الضحك ويقول له: “أغلب تجار الآثار من رجال الدولة الكبار.”

ويغلب على الرواية المضمون الصوفى المصحوب بلمسة فلسفية، وتوجد أمثلة كثيرة له، منها قول الشيخ الكبير لأتباعه لحظة انشغالهم برؤية ذهب الكنز: “أردنا ماء للاغتسال والوضوء، حتى نحلق طاهرين فى السماء البعيدة، ولم نسع لمالٍ يجعلنا نزحف على بطوننا فوق التراب”، وقوله بعد رميه قطعة لحم وتكالب القطط عليها: “عرض الدنيا يثير الشحناء بين المتكالبين عليها”، وقوله: “مكتوب علينا غنى لا تدركه”، عندما سأله أحد أتباعه، “هل الفقر مكتوب علينا يا سيدنا؟”، وقوله أيضًا: “لا فرق بين قطعة لحم وسبيكة ذهب”، وكذلك قول شيخ الطريقة: “الغنى فى الاستغناء، والغنى غنى النفس”، وقوله لماهر السعدى: “فقر الروح أشد وأنكى”، وقول مرتضى لخيرى محفوظ: “هناك حكمة لشيخنا الكبير تقول: ليس الرجل من جعل الحجر ذهبًا، إنما الرجل من جعل البعيد قريبًا من الله”، وقول رجل فى مشهد عجائبى لماهر السعدنى فى مكتبة دار الكتاب الصوفي: “كنت معك ولست معك، أسمعك ولا تسمعنى، وأراك ولا ترانى”، وقول عبد المجيد العشرى لخيرى محفوظ: “لا نرى ما بين أيدينا؛ لأننا ننظر إلى البعيد”، وقول درويش طاعن فى السن لناظر وقف البلد عن الكنز: “هو لغز على من لا يشغله إلا ما تحت قدميه.”

ويتطرق الكاتب فى الرواية إلى مؤلفات الشيخ محمد ماضى أبي العزائم، والتى تعكس المعنى الحقيقى للكنز، ومنها كتب يرد فيها على داروين وكارل ماركس، ومسرحية بعنوان محكمة الصلح الكبرى، ومجموعات قصصية نشر بعضها فى مجلة السعادة الأبدية، بالإضافة إلى إسهاماته فى مجلة المدينة المنورة ومجلة الفاتح، وعلم الدكتور خيرى محفوظ أن الشيخ كان يعرف فى أسرار الحروف والأرقام، وأنه أملى قصائد تحمل نبوءات، من خلال إطلاعه الواسع على كتاب الجفر، ويلقى الكاتب بصيصًا من الضوء على نماذج من أناشيد الشيخ، مكتفيًا فى كل واحد منها بالمقطع الأول، ومنها قوله:

ثغر البرلـس فيـه البحـر يتبـعه

بحيرة ماؤهـا مـلـح لـقـصـاد

وأرضها الرمل لا زرع ولا ضرع

لكـنهـا تجـذب الأرواح للهـادى

وقوله أيضًا:

خـذوا بـالإشارة فالإشارة للقلب

وللروح في حال التجرد من ترب

وخل العبـارة أو كنهـها فـإنها

تستر أسرارًا وتخفي ضيا الغيب

تعقيب من موقعك.

التعليقات (2)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    هل هذا الدعاء الجليل يصلح لاي وقت آخر غير ليلة النصف من شعبان اجيبونا اثابكم الله خيرا

    رد

  • ايمان محمد جويلي

    |

    فعلا الصيام هو صلاح الجسد وتنقيته من السمرم وله فوائد اخري عديدة فمابالك للروح سبحان الله نحند الله باننا مسلمون وان الله من علينا بهذه النعم …وعرفنا مولانا الامام ابو العزائم بارك الله فيه وفي الخليفة القائم

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.