خبيئة العارف.. رواية عن حياة الشيخ أبي العزائم ورؤيته لواقعنا (1/ 2)

خبيئة العارف.. رواية عن حياة الشيخ أبي العزائم ورؤيته لواقعنا (1/ 2)

islam wattan . نشرت في المدونة 8995 2 تعليقان

تتوزع رواية عمار علي حسن الأخيرة “خبيئة العارف” إلى ثلاثة أقسام، هى: خطى العارف، وأوراق العارف، وطريق المعروف، لتعرض بعض طقوس وأشواق وتصورات الطرق الصوفية بوجه عام، والطريقة العزمية بوجه خاص…

أ.سعيد نصر

تتوزع رواية عمار علي حسن الأخيرة “خبيئة العارف” إلى ثلاثة أقسام، هى: خطى العارف، وأوراق العارف، وطريق المعروف، لتعرض بعض طقوس وأشواق وتصورات الطرق الصوفية بوجه عام، والطريقة العزمية بوجه خاص، وتزيح الغبار العالق عليها بفعل خرافات الدروشة، والثقافة السمعية، وتجعل منها عنصرًا فاعلا فى المجتمع، وتحكى عن  كنز ذهب مطمور تحت “بيت آل العزائم”، يكشف سره شخصان يعملان فى نظارة وقف البلد، كان أحدهما سمع من جده المقرب لمؤسس الطريقة أنه رآه يقينًا رؤى العين، ويسمعهما أحد السعاة بالهيئة، فينقل ما سمعه إلى مديرها، فينقل بدوره ما سمعه إلى ناظر وقف البلد، فينقل بدوره الخبر إلى الجالس على الكرسى الكبير المولع بالرؤى والأحلام والبحث عن حلول سهلة وسريعة لحل أزمة دولته الاقتصادية، ويرشح له صديق أستاذًا جامعيًّا متخصصًا فى التاريخ يدعى خيري محفوظ” لجمع معلومات عن الشيخ أبي العزائم تساعد في تحديد مكان الكنز بالضبط بالتعاون مع ساحر مغربى.

ويتجول د. محفوظ فى رحلة بحث شاقة إلى الأماكن التى اشتغل بها الشيخ الكبير لجمع كل واردة وشاردة عنه، من أحفاد مريديه فى كل مكان، وتبدأ رحلته بزيارة الضريح فى القاهرة، وتشمل قرية محلة أبو على بكفر الشيخ، ومدينة “البُرلُس”، وحى طه السبع بالمنيا، وجزيرة سواكن بالسودان، ودراو بأسوان، وأرض الحجاز، وتنتهى رحلته بالضريح مرة أخرى وفيه يسمع صوت الشيخ الكبير يقول له: “الكنز الذى تبحث عنه مررت به ولم تدركه”.

ويكتب الدكتور الطامح فى منصب رئيس الجامعة أو وزير التعليم، تقريرًا شاملاً عن الشيخ محمد ماضى أبي العزائم، ويرسله إلى ناظر الوقف، فيرسله بدوره إلى جهاز أمن السلطة، ويقوم رئيس الجهاز ومعاونون بكتابة تقرير للجالس على الكرسى الكبير، يتهمون فيه خيرى محفوظ، زورًا وبهتانًا، بالعديد من الاتهامات الخطيرة، منها التطاول على ذات رأس الدولة، والتآمر عليه، وذلك نكاية فيه بسبب مقالات كان قد كتبها عن “العسس” من قبل، وانتقد فيها الجهاز بلغة ناعمة، ويدبر رئيس الجهاز لمحفوظ مكيدة كبرى يساعده فيها ناظر الوثائق والمحفوظات، مقابل مزيد من الرضا أو نيل منصب أكبر، ويتهمونه بسرقة وثائق بعينها، ويشوهون صورته أمام الرأى العام، فيلجأ لناظر الوقف مستنجدًا به، فينصحه بالهرب والتخفى بإيعاز من رئيس الجهاز، فيذهب إلى شيخ الطريقة العزمية، كمريد حقيقى يطلب الحماية، فيسهل له الجهاز عن طريق عملاء له، وبدون علم الشيخ، الهرب إلى رجل صوفى يدعى مرتضى فى المنيا، وبعد نحو 4 أشهر من قراءته بنهم وشغف لكتب ومآثر الشيخ الكبير، يذهب إليه ضابط من أمن السلطة يدعى هانى عبد الوارث ويضغط عليه لكتابة عدة مقالات تجعل حدود الدولة على هوى الجالس على الكرسى الكبير لتمكنه من التنازل عن قطعة منها لدولة أخرى، ولكن الأستاذ الجامعى يرفض تنفيذ ما طلب منه، ويقرر الهرب، وذلك بعد أن فك لغز الكنز المطمور.

ويستخدم الكاتب الواقعية السحرية فى الحكى والسرد بشكل يبدو منطقيًّا لكونه يتماشى مع المنطلقات والمرتكزات الصوفية، ويتفق مع مخيلة الصوفى وواقع التصوف، وتظهر هذه الواقعية السحرية فى سرديات كثيرة منها، على سبيل المثال لا الحصر، أحلام ورؤى خيرى محفوظ، ورؤية ماهر السعدى للحفرة المتلألئة بالذهب وظهور شبح له يضع يده على صدره، وظهور شخص مجهول له فجأة أكثر من مرة واختفائه عنه فجأة فى كل مرة، وهو ما يشى بوجود اتصال روحانى بين الصوفى وبين الله، حيث يقول الكاتب:

“لكن صورة الرجل الغريب لم تغب عن ذهنه. لم يكن حلم يقظة، ولا هلاوس بصرية. كان يراه ويحدثه، وهو يتطلع إلى هيئته الغريبة، وملامحه التى يسكنها زمن بعيد، وملابسه التى لا تنتمى لهذا الزمان.”

وتتنوع عناصر الواقعية السحرية فى الرواية ما بين رؤى وأحلام وأشباح وهواتف عجائبية لناس وأشياء وأماكن، وأجمل ما فيها أنها تجعل من الزمن الماضى مرآة تعكس كل سلبيات الزمن الحاضر، وكأنك تعيش الواقع الراهن، وتخطف ذهن المتلقى لمعايشة قلق وحيرة الشخصيات أثناء رحلتها لمعرفة حقيقة الكنز المطمور، وذلك حتى استقرارها فى النهاية على أنه كنز العلم والمعرفة، وكنز الروحانيات، وتلعب كل شخصية الدور المحدد لها فى إيصال الرسالة، وذلك لكونها مختارة بحس أدبى رفيع، سواء ما يتعلق بأسمائها أو لغة كل واحدة منها، وتتمثل الرسالة فى أمرين مهمين: أن الكنز الحقيقى هو كتب الشيخ أبي العزائم ومآثره، وأن الصوفيين ليس كلهم مجرد مجاذيب ودراويش وسذج، وإنما هناك صوفية إيجابية يهتم رجالها بالشأن العام ولرجالها دور وطنى ويشاركون بفعالية فيه، ويؤمنون بالوطنية ويرون أن مصر أمتهم الواحدة ووطنهم الواحد، وهو ما يتمثل فى الطريقة العزمية، فهى شاركت فى الثورة العرابية وثورة 1919م، وفى حرب فلسطين 1948م، وشارك  بعض رجالها فى ثورة 25 يناير 2011م، وقاوم مؤسسها الاحتلال الإنجليزى، وتعرض للنفى بسبب ذلك، وكان له رؤية لتجديد الخطاب الدينى فى عصره. وكانت حركة الإمام محمد ماضى أبي العزائم أقوى من حيث العدد والتأثير عن حركة حسن البنا، ولكن أحزاب الأقلية والإنجليز لم يدعما الطريقة العزمية؛ لأنها كانت مستقلة ومناهضة للاحتلال، ويصعب عليه استغلالها وتوظيفها مثلما حدث مع جماعة الإخوان أحيانًا.

وتتضمن الرواية خمسة ثنائيات توضح السمات والصفات المشتركة بين كل شخصيتين فى قائمة تضم ثمانى شخصيات مؤثرة بها، لا تضم بطلها الأساسى الشيخ الكبير “محمد ماضى أبو العزائم”، وبما يعنى أن كل شخصيتين مشتركتين فى صفات بعينها تتداخل مع الكنز المطمور، فثنائية الشغف بالكنز والميل للتصوف تظهر بوضوح فى شخصيتى ماهر السعدى وخيرى محفوظ، فالأول يبدى اهتمامًا كبيرًا بحديث عليوة عن كنز الذهب، ويجرى مهرولاً وراء المال والكسب السريع، والثانى يبحث بدأب كبير عن تحديد مكان الكنز لإرضاء الجالس على الكرسى الكبير، وكلاهما تنتابه حالة من التشتت الذهنى أو الإنجذاب الروحانى، وكلاهما يرى رجلاً أشبه بالشبح يمد يده إلى صدره ويضعها فوقه، ويقول له: “احفر هنا”.

وكأن الكاتب بهذا يريد هنا أن يقول لنا أن الكنز روحانى وليس مادى، وأن التغيير يجب أن يكون من داخلنا، وليس من خارجنا، ويستدل على ذلك بقول الدكتور خيرى محفوظ للضابط هانى عبدالوارث:

“هى ملامحى التى تعرفها .. لكن ما بداخلى تغير، وإلى حد عميق لا تدركه، ولا تتصوره. كنت أعمى أجرى وراء المال والكراسى، والآن صار هذا لا يشغلنى.”، وذلك عندما نظر إليه الضابط بدهشة قائلاً له:”كأنى أسمع رجلاً لا أعرفه.”

وتظهر ثنائية الهوس بالسحر والرغبة فى الكسب السريع، بوضوح شديد فى شخصيتى ماهر السعدى والجالس على الكرسى الكبير، فالأول كثير السؤال عن السحر والسحرة ومدى علاقة السحر بالكنز المطمور، والثانى يستعين بساحر مغربى لاستخراج الكنز لحل المشاكل الاقتصادية للدولة، وكلاهما لديه رغبة جامحة فى الوصول إليه، حيث يقول ماهر السعدى: “أنا قرأت التقرير، فرغبتى فى الوصول إلى الكنز تفوق رغبة الجالس على الكرسى الكبير”. ويوجد فى أقوال خيرى محفوظ ما يؤكد وجود تلك الثنائية، فعندما أكد له ماهر أن الكنز حقيقة وليس خرافة ضحك بمرارة شديدة، وقال له: “يبدو أن الجنون قد نزل من القصر الكبير، وسرى فى كل البلاد.”

وتتجلى ثنائية حب المال ورؤية كرامات الولى فى شخصيتى خلف المنياوى ومحمد باشا علمى، فلكل منهما موقفًا خاصًّا به مع الشيخ أبي العزائم، يكتنف فى طياته دروسًا صوفية مهمة، ولكنهما متشابهين فى مدلولهما إلى حد كبير، فالأول رأى بعينيه سبائك الذهب تتلألأ فى الحفرة، وسال لعابه إليها، ثم رآها طينًا بعد أن وضع الشيخ الكبير أبو العزائم يده عليها، وسمع الشيخ الكبير يقول بصوت جهير: “شبه الشيطان لكم الطين ذهبًا، فاحذروا الغواية، ولا تخوضوا فى هذا مرة ثانية”.، والثانى رأى كرامة الولى الصالح عندما أنزل سرجه المطرز بالذهب ورآه ترابًا بعد أن رماه على الأض، عقب قول أبي العزائم له: “الذى تمتطيه أنت من ركائب الذهب هو التراب الذى أسير عليه أنا”.

أما ثنائية ارتكاب الفساد وإرضاء الجالس على الكرسى الكبير، فتظهر بوضوح فى شخصيتى ناظر وقف البلد ورئيس جهاز أمن السلطة، فالأول يسرق وينهب أموال نظارته، وكل حوارات موظفيها أمثال ماهر وعليوة تؤكد ذلك، والثانى يفبرك الاتهامات للخصوم السياسيين والمعارضين الوطنيين، بدليل فبركته لجريمة شنعاء لخيرى محفوظ وتزوير تقرير ضده، وكلاهما يعملان على إرضاء الجالس على الكرسى الكبير بأى وسيلة، فالأول ساق له بشارة الكنز المطمور، والثانى ضغط على محفوظ للإدلاء بشهادة مزورة تسهل للجالس على الكرسى الكبير التنازل عن قطعة أرض من الدولة لدولة أخرى.

تعقيب من موقعك.

التعليقات (2)

  • ايمان محمد جويلي

    |

    هل هذا الدعاء الجليل يصلح لاي وقت آخر غير ليلة النصف من شعبان اجيبونا اثابكم الله خيرا

    رد

  • ايمان محمد جويلي

    |

    فعلا الصيام هو صلاح الجسد وتنقيته من السمرم وله فوائد اخري عديدة فمابالك للروح سبحان الله نحند الله باننا مسلمون وان الله من علينا بهذه النعم …وعرفنا مولانا الامام ابو العزائم بارك الله فيه وفي الخليفة القائم

    رد

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.