شبهات حول الرسول: شهواني يعدد الزوجات (1) ‏

شبهات حول الرسول: شهواني يعدد الزوجات (1) ‏

islam wattan . نشرت في المدونة 9886 لاتعليقات

من المطاعن التى يتغنى بها أعداء الإسلام فى كل وادٍ مسألة تعدد زوجات النبى J، فإنهم لا يتركون فرصة تمر بدون أن يصوِّروها للعامة فى صورة منكرة تتنافى مع مقام النبوة، وتتعارض مع الوحى الإلهى، وتناقض تعاليم القرآن الذى ينهى عن إيتاء الشهوات..

سماحة السيد علاء أبو العزائم

شيخ الطريقة العزمية

شبهات حول الرسول: شهواني يعدد الزوجات (1) ‏

من المطاعن التى يتغنى بها أعداء الإسلام فى كل وادٍ مسألة تعدد زوجات النبى J، فإنهم لا يتركون فرصة تمر بدون أن يصوِّروها للعامة فى صورة منكرة تتنافى مع مقام النبوة، وتتعارض مع الوحى الإلهى، وتناقض تعاليم القرآن الذى ينهى عن إيتاء الشهوات، والواقع أن هؤلاء كانوا شرًّا ووبالاً على دينهم وعلى كتابهم وعلى عقائدهم، فإنهم أرادوا أن يبنوها فهدموها، وأرادوا أن يقوِّموها فأسقطوها، وأرادوا أن يرفعوها فخفضوها، وأرادوا أن يؤيدوها فخذلوها.

إن هؤلاء ذكروا مسألة تعدد زوجات النبى J فى غير موضع من كتبهم، وفى كل مرة يسبُّوا خير الأنبياء، ويعرِّضوا به تعريضًا يستفز غضب الحليم.

وإنى لا أريد أن أجارى هؤلاء ولا أنقل عنهم ما يقولونه فى سيد الرسل الكرام، ولكننى أريد أن أعرض على العقلاء هذا الموضوع، وأبين للناس حقيقة أمره، وأترك لهم الحكم على هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون حديثًا.

إنهم يعيبون على النبى J أنه عدَّد زوجاته، وأحلَّ لنفسه من النساء أكثر مما أحله لأمته، ثم يقولون: إن حبه للنساء دفعه إلى أن يتزوج بزوجة ابنه زيد.. وهم فى هذا المقام يهولون تهويلاً عظيمًا، ويقولون كيف تجتمع الرسالة مع هذا العمل، حتى قالوا: إنها وصمة تدل على أن القرآن من عند محمد، وأن المحققين اجتنبوا دينه من أجلها، وقالوا: إن القرآن قد تناقض مع نفسه؛ لأنه قال: )وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى((النازعات:40،41). ثم أباح تعدد الزوجات لمحمد أكثر من سائر المؤمنين… إلخ.

أما أنا فأقول: إن أعداء الإسلام لبسوا فى هذه المسألة ثياب الملائكة والقديسين، ووقفـوا موقف النزاهة والعفة، فهم يعتبرون تعدد الزوجات بالطرق المشروعة المناسبة للبيئات المختلفة نقيصة تنافى النبوة وتنافى الكتب المقدسة.

حسنًا.. فلنمش مع هؤلاء الأطهار المزيِّفين، ولننظر فيما يزعمون نظرًا نزيهًا لنمحص الحق فى هذه المسألة تمحيصًا دقيقًا، بحيث لا يبقى فى نفس أحد منها شىء.. ويمكن حصر الكلام فى هذا الموضوع فى أمرين:

الأمر الأول: هو أن نثبت بالبرهان القاطع الذى لا يرتاب فيه عاقل أن أعداء الإسلام مضللون فى هذا المقام، متناقضون مع كتبهم تناقضًا صريحًا، وأنهم إما أن يكونوا ملحدين يريدون أن يطعنوا على كتبهم المقدسة عندهم وعلى أنبيائهم قبل أن يطعنوا فى كتاب المسلمين ونبيهم، وإما أن يكونوا كاذبين فى طعنهم على سيدنا محمد رسول الله وعلى كتابه وهم يعلمون أنهم كاذبون، وإنما هم يحاولون بذلك أن يصطادوا من جهلاء المسلمين وضعاف القول أحدًا ليبرروا ما يبتزونه من الأموال التى يظفرون بها أجرًا على ذلك، وجزاء الحالين عند الله نار السعير.

الأمر الثانى: إثبات أن النبى J كان من أنزه البشر وأعف بنى الإنسان، وأن تعدد زوجاته كان غرضًا لازمًا لا بد منه؛ لأن الدعوة إلى الله يومئذ كانت تقتضى ذلك، كما أنه J كان مبرءًا من كل نقيصة تخل بمقام النبوة، وكل ما خالف ذلك فهو كذب، ولكنا سنورد ما ذكرته الكتب المقدسة لإظهار تضليلهم، وأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم فهم من شرار المنافقين.

إنهم يكفرون بكتبهم

فلنتكلم فى الأمر الأول: إنهم يزعمون أن تعدد الزوجات عيب يخل بمقام النبوة، وبديهى أن الزنا الصريح أشد عيبًا وفظاعة من تعدد الزوجات (على فرض أن الزواج عيب). وأن الزنا بامـرأة القائد المخلص وقتله للاستيلاء على امرأته أشد فظاعة ونكرًا من الزنا العادى (كما يكذبون على سيدنا داود). وأن الزنا بالبنات والمحارم أشد فظاعة وجرمًا من الزنا بامرأة القائد (كما يكذبون على سيدنا لوط). وأن خيانة الله تعالى وخداعه فى أمر الرسالة (كما يكذبون على سيدنا موسى وهارون وسليمان) أشد جرمًا من الزنا فى ذاته، وهذه الأمور كلها قد ذكرتها التوراة صريحًا، وألصقتها بأنبيائهم العظام، الذين يعبرون عن بعضهم بأنهم أولاد الله الأبكار. وهم مع ذلك يؤمنون بالتوراة، ويؤمنون بأن هؤلاء الأنبياء الذين ارتكبوا هذه الموبقات والجرائم من كبار الأنبياء الذين ورث عنهم عيسى مجده؛ لأن من بين هؤلاء يعقوب وداود. على أن تعدد الأزواج قد وجد فى الأنبياء العظام كإبراهيم وداود ويعقوب وغيرهم. فكيف يصح لعاقل (يؤمن بالتوراة المشتملة على ذلك، ويؤمن بالأنبياء الذين وصفتهم التوراة بذلك) أن يعيب القرآن الكريم الذى أباح تعدد الزوجات، ويطعن على سيدنا محمد الذى جمع بين عدد من النساء. ألم يفقه هؤلاء أن طعنهم على كتاب الله ونبى الله بهذه الحالة هو فى الحقيقة طعن على كتابهم المقدس عندهم طعنًا مرًّا؛ لأن البداهة تقضى بأن يقول الناس إذا كان تعدد الأزواج عيبًا ينافى النبوة، فالزنا الصريح والخيانة الواضحة، بل الشرك بالله تعالى ينافى النبوة من باب أولى، فالتوراة التى قالت إن هؤلاء الجناة أنبياء كاذبة فيما تقوله من نبوتهم. ذلك أمر بدهى لا يخفى على أحد من الناس.

والنتيجة المنطقية البدهية لهذا الكلام هى أنهم يكفرون بالتوراة وبالأنبياء الذين وصفتهم بأقبح الصفات كفرانًا صريحًا، أشد من كفرانهم بسيدنا محمد وكتابه الحكيم؛ لأن الموبقات التى رمتهم بها لا يذكر إلى جانبها زواج رجل أجنبى بامرأة آخر طلقها باختياره لا رابطة بينهما إلا أن أحدهما كان يخدم الآخر خدمة خالصة، حتى قال له إننى ابنك فدعاه الناس بابنه. فإذا فرضنا أن العقول الإنسانية قد ألغيت واعتبرت هذا عيبًا، فهل يصح أن يكون هذا العيب مماثلاً لعيب الرجل الذى يزنى بابنتيه وهو لوط النبى بعد أن يسكر فيحبلهما وتأتى كل واحدة منهما بولد يكون رأس قبيلة كبيرة منها جدة إلههم؟، أظن أن الذى يقيس هذا بذلك يكون متعسفًا؛ لأننا حتى لو فرضنا أن زيدًا ابن حقيقى لسيدنا محمد وكانت شريعته تبيح زواج امراة الابن، كان زواج امرأته زينب حسنًا، ما كان لهم أن يعترضوا عليه وهم يعلمون أن التوراة قالت إن يعقوب نبيهم العظيم جمع بين بنتى خاله، وإبراهيم أبو الأنبياء تزوج أخته لأبيه.

إذ لا شك فى أن زواج امرأة الابن بعد طلاقها أهون من زواج الأخت للأب، ومن الجمع بين الأختين.

أظن أن هذا ظاهر لا يخفى على هؤلاء المنصِّرين، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون.

ولعل العقلاء يريدون أن يعرفوا تفاصيل الفضائح التى نسبتها توراتهم إلى الأنبياء، وإننى أؤكد لهم أننى أخجل من ذكرها، وأعتقد أن الأنبياء منزَّهون عنها كل التنزيه ومبرَّؤون منها براءة تامة، وقد أدخلها فى التوراة المفسدون المحرِّفون، حملهم عليها الجهل الفاضح؛ لأنه قد يقع من الأنبياء بعض الأمور التى لا نقص فيها فى الواقع، ولكن يتخيلها بعض الجهلة نقائص، فيشيعونها بينهم على وجه مشوه، ثم ينقلها أعداء الأنبياء فى صورة مكبرة قبيحة، ويحشرونها فى الكتب المقدسة لتكون وصمة عار أبد الآبدين.

نزاهة النبى J وبراءته من كل عيب

وأما الأمر الثانى: وهو نزاهة النبى J وبراءته من كل عيب، فهى معروفة لأعدائه قبل أتباعه وأحبابه، فلم يجمع J بين الزوجات لشهوة فاسدة أو لغرض خسيس، وحاشاه أن تتحكم فيه شهوة وهو المربى العظيم للعالم أجمع، الذى أسس للبشر قواعد الفضائل التى ينبنى عليها إصلاح المجتمع، حاشاه أن ينقاد لشهوة أو يخضع للذة جسمانية، وهو الذى كان يهجر كل اللذات الدنيوية إلى حد أنه يصوم صوم الوصال، بينما كانت الأموال توضع أمامه أكوامًا، فيوزِّعها على الناس، ولا يأخذ منها لا قليلاً ولا كثيرًا. أنا لا أريد بذلك أن أقول إنه J كان مجردًا من الشهوة الطبيعية، كلا، فإنه كان أكمل الناس خَلقا وخُلقًا، وأحسنهم صحة وقوة، بل أريد أن أقول إنه كان يتصرف فى شهواته تصرف الحاكم الحازم الذى لا يسمح لها أن تطغى عليه فى أى حال من الأحوال، فلم يجمع J بين نساء كثيرات إلا لمصلحة اقتضتها ضرورة الدعوة إلى الله تعالى.

كيف لا، وهو الذى سنَّ لأمته مراقبة الله فى كل حركة وسكون، وعلَّمهم أن هذه اللذات التى هى فى الواقع من لوازم الأجسام الحساسة، يجب أن يراعى فيها ما يسمو بالإنسان إلى الروحانيات، فلا يصح لهم أن يقصدوها لذاتها مطلقًا، وقد ثبت فى الصحيح أن النبى J قال: (تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك)([1]). وقال J: (لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن، ولا لمالهن فلعله يطغيهن، وانكحوهن للدين، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل)([2]) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا.

فمن يتأمل فى هذين الحديثين يستطيع أن يحكم على غرض الشريعة الإسلامية من الزواج حكمًا جازمًا، وهو أنه لا غرض للإسلام من الزواج إلا تكوين أسرة صالحة تنفع المجتمع، فليس الغرض مجرد قضاء الشهوات البهيمية، كلا، فإن الذى يتبع مقتضى شهوته لا مناص له من التعرض لما عساه أن يترتب عليها من مفاسد وشرور، ألا ترى أن الرجل الذى يجعل همه منحصرًا فى البحث عن امرأة حسناء لا يعنيه غير ذلك قد يقع فى شباك امرأة حسناء تذيقه مر العذاب، وتستعمل حسنها فى إذلاله إلى حد أن يخنع لها فى أعز شىء لديه، فيفرط فى عرضه ويكون بذلك ديوثًا لا قيمه له فى الوجود. ومثلها المرأة ذات المال فإن مالها يطغيها فتتسلط عليه وتستذله، وتنقلب حاكمة تتصرف فيه كما تهوى، بل ربما تسخره لقضاء شهوتها الفاسدة من حيث لا يدرى، فلا بد للرجل من أن يجعل همه منحصرًا فى البحث عن خلق المرأة واستقامتها، ويتأكد من تمسكها بدينها الذى يفرض عليها حقوقًا لزوجها تقتضيها البشرية، كما يفرض لها عليه حقوقًا فإذا توفرت فى المرأة ذلك المعنى، كانت هى الزوجة الصالحة فى نظر الشريعة الإسلامية. أما ما وراء ذلك من جمال ومال فهو وإن كان من المرغبات التى تبعث الرجل إلى الاقتران بها، ولكن ينبغى أن يكون الأساس الأول هو الخلق الفاضل بما فرضه الله على الأزواج من الحقوق والواجبات.

فهل الذى يضع للناس ذلك النظام الخلقى الكامل تتغلب عليه شهوته فتدفعه إلى أن يجمع بين زوجات كثيرات لمجرد قضاء شهوة؟ كلا، إن ذلك ضرب من ضروب المحال، فلم يتزوج J إلا لضرورة اقتضتها الدعوة إلى الله تعالى وهذه الضرورة تتنوع إلى أنواع:

1- منها: إيجاد لُحمة نسب بين كبار أصحابه الذين بذلوا مهجهم وأموالهم فى سبيل الله تعالى، ومنهم أبو بكر وعمر، وقد كان لرابطة النسب قيمتها عند قبائل العرب، وأقل ما يترتب عليها من الفوائد تخفيف وطأة العداء الشديد بين النبى J وبين من لم يؤمن من أقارب أصحابه المقربين منه، وفى ذلك من الفوائد ما لا يخفى. على أن المصاهرة قد يترتب عليها ترك العناد والنظر فى البراهين نظرًا صادقًا فيؤمنون، وقد ثبت فى الصحيح أن عمر قال لحفصة: إننى أعلم أن رسول الله ما تزوج بك إلا لأجلى، إذ ليس بك من الجمال ما يبعثه للتزوج بك.

2- ومنها: تزوجه بعض النسوة لضرورة نشر الدعـوة إلى الله تعالى؛ لأن الشريعة الإسلامية قد أبانت كل ما يتعلق بحقوق الاستمتاع وآدابه، كما أبانت مسائل الحيض والنفاس وغيرهما من أحوال النساء، ولا ريب فى أن الأحكام المتعلقة بهذا تحتاج إلى عدد من النساء يباشرها عمليًّا، فلا مناص للنبى J من أن يعاشر عددًا منهن معاشرة الأزواج لينقلوا عنه شريعته كاملة.

ومنهن أم سلمة وسودة بنت زمعة 5. وقد تزوجهما J وهما فى سن الشيخوخة تقريبًا لا رمق فيهن حتى أن سودة لم تكن صالحة للرجال.

3- ومنها: تزوجه J بعض النسوة لغرض هداية قومها للإسلام كما وقع مع جويرية بنت الحارث فإنه لما تزوج بها أسلم قومها.

زواجه J من السيدة زينب 1

4- ومنها تزوجه بعض النسوة لضرورة التشريع. وهو ما وقع له مع زينب بنت جحش مطلَّقة زيد 5، وأعداء الإسلام يعتبرون هذه القصة سُبَّة وعارًا، وقد أعانهم على ذلك بعض المحدثين الذين لا همَّ لهم إلا البحث عن صدق الراوى مع الغفلة عن حاله، فقد نظروا إلى بشريته J ولم ينظروا إلى عظمة وجلال مقام النبوة. ومع ذلك فإن هذه القصة قد ذكرها الله فى القرآن الكريم، فكل معنى زائد على القرآن ويتعارض معه لا قيمة له أيضًا، وإليك قوله تعالى: )وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً( (الأحزاب:37).

وقال تعالى: )مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ((الأحزاب:40).

الرد على شبهة المستشرقين

بمقدورنا أن نجبه هذه الأقوال بأن ما حدث هو سمو من الخضوع لقانون المجتمع يسمح به لكل عظيم، ويسمح به للملوك ورؤساء الدول الذين تقدسهم الدساتير، وتجعل ذاتهم مصونةً لا تمس.. لكننا فى هذا نجنى على التاريخ، وعلى عظمة سيدنا محمد وجلال رسالته.

ويكفينا فى هذا المقام أن ندحض هذه الشبهة بما ذكره الإمام أبو العزائم t فى كتابه (النجاة فى سيرة رسول الله) حيث يقول:

أولاً: إن زعم بعض القدامى والمحدثين أن رسول الله J رأى السيدة زينب فوقع حبها فى قلبه، روايات لا تعدو أن تكون من دسِّ القصاصين ونسج الإسرائيليين الذين ينسبون ما هو أشنع من ذلك لأنبيائهم، ومهما قيل فى ناقليها من صدق وضبط كالطبرى والزمخشرى، فإن القواعد المقررة التى تثبت العصمة للرسل تؤكد بُعد هذه الأقاصيص عن الحقيقة، وما من شك أن عشق النبى لزوجة رجل آخر يتنافى مع العصمة التى تعنى الطهارة، طهارة ظاهرهم وباطنهم من الإثم بل ومن شبه الإثم، ولو قيل عن واحد منا – يتكرم فى نفسه -: إنه عشق امرأة صديقه لعامة الناس لتجنبوه فكيف لو كان نبيًا ورسولاً؟.. وما معنى حفظ الله له إذا تركه يقع فى مثل هذا؟ وكيف وقد أمره الله بعكس ذلك: )وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ( (الحجر:88). وهذه الفرية وضعها أعداء الرسل بقصد التطاول على مقام العصمة الواجب لهم.

ثانيًا: وقع بعض المخلصين فى إيمانهم فى وهم تأكيد بشرية الرسول بإثبات أمثال هذه الأقاصيص، ونسوا أن الرسل مع أنهم بشر إلا أن لهم خصوصية ليست لسائر البشر، وهى العصمة التى تنافى كل ما يرذلون به ويعابون، فضلاً عن منافاتها لما به يأثمون، وقصتهم هذه حول السيدة زينب تكاد تتفق مع ما زعموه وردده كثير من المفسرين حول نبى الله داود زاعمين أنه رأى زوجة أوريا فأعجبته، وكيف احتال ليتزوجها مع كثرة ما عنده من الزوجات، وكل موقف من أحداث القصة المزعومة يخرق العصمة، ويهدم طهارة النبوة، وليس إثبات بشرية الرسول J فى حاجة إلى مثل هذه الأقاويل.

ثالثًا: ليست السيدة زينب بالتى لم يرها النبى J مرات عديدة قبل زواجها حتى يفاجأ بعد زواجها بهذا الجمال الباهر، ولو كان الأمر كما يزعمون لتزوجها بكرًا، وقد كانت زينب طامعة بهذا الزواج، حريصةً عليه، بعد أن وهبت نفسها لرسول الله J.

رابعًا: أكشف لك حكمة تزويجه J بالسيدة زينب بنت جحش 1، لتعلم أنه J نور الله المشرق لعباده أجمعين فى عمله الشخصى، والاجتماعى، وقوله، وحاله، ومعاملاته.. قال تعالى: )وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ( (الأحزاب:37). صرح الله سبحانه وتعالى لحكمة تزويجه J بزينب بنت جحش 1 تصريحًا لا يحتاج إلى تأويل، مبينًا أن ذلك العمل حكم من أحكام الله تعالى، تبين به سنة الله التى لا تبديل لها، وذلك لرفع الحرج عن المؤمن إذا تبنى لنفسه أجنبيًّا من أن يتزوج زوجة من تبناه إذا طلقها، وكان هذا من العار عند الجاهلية، ومما يُسب به الرجل إذا فعله، وجاء القرآن المجيد فحرم زوجة الابن على الأب وأشكل الأمر، قال تعالى: )حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ ( إلى أن قال سبحانه وتعالى: )وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ( (النساء:23).

فاقتضت حكمة الله أن ينزع من قلوب المسلمين عادةً لصقت بها، وبدعةً استحكمت فيها، وهى إنزالهم المتبنى منزلة الابن للصلب حكمًا، قال الله تعالى ماحيًا تلك الضلالة، مثبتًا حكمه وسننه سبحانه وتعالى: )وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ( (الأحزاب: 4، 5). ولو أنها نسخت علمًا مع استحكامها عملاً لما تخلت النفوس عن عادتها. ومعلوم أنه J خاتم الرسل وعمله  بنفسه فى نفسه هو الفضيلة العظمى عند كل مسلم، والحق الصراح بلا شك ولا ريب، وأكمل الله لنا ديننا بأن أمر رسوله J بزواج السيدة زينب لتتم النعمة علينا بعمله J، ولتزول من القلوب ما أشربته من العوائد الجاهلية، وينمحى من النفوس ما اعتادته من السنة المضلة.

البقية العدد القادم  إن شاء الله تعالى

————————-

([1]) رواه البخاري في صحيحه: ح4802، ومسلم في صحيحه: ح1466.

([2]) رواه ابن ماجه في سننه: ح1859، والبزار في مسنده: ح2438.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.