شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (84)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (84)

islam wattan . نشرت في المدونة 1745 لاتعليقات

 الحكمة الرابعة والثمانون

من سلَك طريق اللهِ بنفسه فهو جهُول، ولابد أن يكون عن طريقِ وارثِ الرسول.

كمال الروح والجسم فيما يحبه الله، لا يكون إلا للورثة الكمَّل القائمين مقام رسول الله J، يقول الإمام: (لا تكن بكلِّك إلا لنبى أو وارث نبى)، ويقول: (ثلاثة إذا ظهروا قهروا: النبى والوارث والعاشق، فالنبى مؤيد بروح القدس، والوارث مؤيد بالفيض المقدس، والعاشق جذاب للأرواح إلى الفتاح، الوارثون قليل لأنهم فى مقام الإصطفاء، والمقتطعون كثير لأنهم فى مقام الاجتباء).

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الرابعة والثمانون

من سلَك طريق اللهِ بنفسه فهو جهُول، ولابد أن يكون عن طريقِ وارثِ الرسول.

كمال الروح والجسم فيما يحبه الله، لا يكون إلا للورثة الكمَّل القائمين مقام رسول الله J، يقول الإمام: (لا تكن بكلِّك إلا لنبى أو وارث نبى)، ويقول: (ثلاثة إذا ظهروا قهروا: النبى والوارث والعاشق، فالنبى مؤيد بروح القدس، والوارث مؤيد بالفيض المقدس، والعاشق جذاب للأرواح إلى الفتاح، الوارثون قليل لأنهم فى مقام الإصطفاء، والمقتطعون كثير لأنهم فى مقام الاجتباء).

ويكشف الإمام أن هذا الوارث المحمدى له ميراث، وهذا الميراث له ثمن لا بد من دفعه أولاً، ويختلف هذا الثمن بحسب مقام من يطلبه، فثمن ميراث النبى J الذى نعطيه للوارث لننال منه قسطًا يكون ثمنه من السالك: السمع والطاعة، قال الله تعالى: )سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا( (البقرة: 285)، وثمنه من الواصل: النفس والمال، قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ( (التوبة: 111)، وثمنه من المتمكن: الفرار من الدنيا والآخرة إلى الله، قال تعالى: )فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ( (الذاريات: 50).

وفى عبارة جلية لا لبس فيها ولا غموض، يبين الإمام حقيقة هؤلاء الورثة فيقول: الورثة أشبه بالمرائى، فإن المرآة الأولى التى واجهت الحقيقة المحمدية ورسمت فيها صورته J، لا فرق بينها وبين آخر مرآة رسمت فيها تلك الصورة، ولكن التفاوت بين الظرف والظرف لا المظروف، وبين الإناء والإناء لا ما فيهما، والصورة لم تتغير فهى هى، وتكون المرآة بحسب زمانها، فخير مرآة تكون فى خير زمان وكلها خير.

وها هو سيدنا الإمام على كرَّم الله وجهه يؤكد هذا المعنى ويبين سر الوراثة وأهميتها، فيقول لتليذه كميل بن زياد 0: (اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا، أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا؟ وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلون عددًا والأعظمون قدْرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقًا إلى رؤيتهم، انصرف إذا شئت).

ويبين إمامنا أن الوراثة امتداد لوظيفة الرسالة واستكمالاً لها فيقول عن الورثة: وهم أئمة الهدى، الدالون على الحق بالحق، الذين يعيدون الأمر إلى ماضيه، وبهم تزكو النفوس كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 151)، فتلك الأنواع التي أظهرها الله برسوله ابتداء يظهرها بورثته J ختمًا واتباعًا، فمن أراد أن يفوز بالسعادتين فليبدأ بالبحث عن المرشد، فإن صحبة المرشد نفسًا خير من عبادة ألف عام:

نُورُ ٱلْوِرَاثَـةِ عنْ سِرِّ ٱلرِّسَالَةِ قَـدْ

وُهِبَتْ بِفَضْلٍ وَنِعْمَ ٱلْفَضْلِ وَٱلْوَهْبِ

فَـرْدٌ تَجْـمَّلَ بِالْعِلْـمِ ٱللَّـدُنِّى عَنْ

حَقِّ ٱلْيَقِـينِ وَلاَ شَرْقٍ وَلاَ غَـرْبِ

بَابُ ٱلْمَدِينَةِ عَنْ حَالِ ٱلْفُتُـوَّةِ عَـنْ

نُورُ ٱلنُّبُوَّةِ نِعْـمَ ٱلذُّخْـرُ وَٱلْحَسَبُ

لِسَانُ حِكْمَتِـهِ ٱلْعَلْيَاءِ شَمْسُ هُـدًى

قَدْ عَمَّمَ ٱلْفضْلُ وَٱلإِمْدادُ وَٱلْكَسْبُ

شَمْسُ ٱلْحَقِيقَةِ بَدْرُ ٱلشَّرْعِ قَدْ كَمُلَتْ

فِيهِ ٱلْمَعَانِي وَلاَ فَخْـرٌ وَلاَ عَجَـبُ

الفرد الوارث الجامع

الورثة أربعة: ورثة الأقوال وهم حملة الشريعة الأمناء الممنوحون الفهم، وورثة الأعمال وهم العُبَّاد الورعون، وورثة الأحوال وهم أهل المواجيد الصادقون المحدثون، والوارث الفرد الجامع وهو هيكل الرب ومشكاة المكانة المحمدية، وشجرة زيتون المثل الأعلى للمكانة الأحمدية، القائم بالحي الذي استظهر بالقرآن من لدن، ورتله محادثة مع ربه بعد تلاوته؛ لأن الفرد قرآنى، وهو الذي أفرده الله بالإيثار لحبيبه، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: 87)، و(عظيم) هنا إشارة إلى إقبال القلوب على الفرد القائم إقبالاً به يكون القرآن عظيمًا في نفوسهم بعد غفلة القلوب، ولكل وارث أصحاب، ولكن الرضوان الأكبر لأهل الفرد الوارث الجامع لأنهـم أهل الذكر الأكبر، وذلك لأنهم استغرقوا في ذكر الله في كل شأن، بعد أن أتقنوا الوضوء وصلوا الركعتين لله، قال J: (من توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين لله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) [رواه الطبراني في الكبير].

ويقول الإمام نظمًا في شأن هذا الوارث الفرد الجامع:

وَٱلْوَارِثُ ٱلْفَرْدُ زَيْتٌ مُشْرِقٌ أبَدًا

يُجْلَى لِعَالِينَ وَهْوَ ٱللَّيْلُ إِصْبَـاحُ

فِي رُؤْيَةِ ٱلْفَرْدِ قُرْبُ الاتِّحَـادِ بِهِ

يَخْفَي وَنُورُ مُحْيى ٱلْفرْدِ وَضَّاحُ

غَيْبٌ عَنِ ٱلرُّوحِ مَحْـبُوبٌ لِخَالِقِهِ

وَهْوَ ٱلْمُجَمَّلُ فِيهِ ٱلرُّوحُ وَٱلرَّاحُ

سِتْرُ ٱلْعُبُـودَةِ أَخْـفَاهُ وَنَكَّــرَهُ

وَفِيهِ يُذْكَرُ وَهَّابٌ وَفَتَّــــاحُ

ثم يقول فى موضع آخر:

وَٱلْوَارِثُ ٱلْفـرْدُ مَحْـبُوبٌ لِخَالِقهِ

فَاتَ ٱلْمَقَـامَاتِ تَحْـقِيقاً وَتَمْكِـينَا

يَمْشِي عَلَى ٱلأَرْضِ فِي ذُلٍّ وَمَسْكَنَةٍ

هَـامَ ٱلْمَلاَئِكُ شَـوْقًا فِيهِ وَحَنِيـنَا

القرآن الكريم والوراثة

وفى القرآن الكريم من الأدلة ما يؤكد ضرورة اتخاذ المرشد الحق فى الوصول إلى الله تعالى، فبعد أن بين سبحانه ضرورة أخذ الأسوة من الرسل D فى قوله تعالى: )قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ( (الممتحنة: 4)، وقوله سبحانه: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ( (الأحزاب: 21) جاءت آيات كثيرة تنادى باتخاذ القدوة من الصالحين:

منها قوله سبحانه: )مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا( (الكهف: 17) فإن من أراد الله أن يهديه يجعل له وليا مرشدا يهتدى به، وقوله تعالى: )إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ( (الرعد: 7) وعلى كل قوم أن يهتدوا بهذا الهادى حتى يصلوا به إليه سبحانه، وقوله تعالى: )الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا( (الفرقان: 89) فالكل فى حاجة إلى هذا الخبير للوصول إلى الرحمن U، وقوله تعالى: )وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ( (فاطر: 14) أما غير الخبير فلن يتمكن من الإنباء الحق بالنبأ اليقين، وقوله تعالى: )فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (النحل: 43) وهم أهل بيت النبى الطاهرين فعندهم الخبر اليقين، وقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( (التوبة: 119) يعنى لا تأتونى منفردين فإن يد الله مع الجماعة، ولكن كونوا مع أهل الصدق واليقين، قال تعالى فى حق الجماعة: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( (الفاتحة: 5) ولم يقل: أعبد أو أستعين؛ لأنه سبحانه يريدنا أن نأتى إلى حضرته مجتمعين، وقوله تعالى: )هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا( (الكهف: 66) وهو قول موسى A للعبد الصالح، وفيه دليل وبرهان على أهمية المرشد العالم الربانى فى الوصول، مهما كانت منزلة طالب الوصول والمعرفة، وقوله تعالى: )قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ( (البقرة: 33)، فكان سيدنا آدم هو الشيخ المعلم للملائكة:

أملاك ربى لهم شيخ يعلمهم

فكيف لا تطلبون الشيخ بالهمم

وقوله تعالى: )وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ( (لقمان: 15)، ومن سار على درب الواصلين، واتبع سبيل المؤمنين المنيبين إلى ربهم، أوصله الله إلى منازلهم وحشر فى معيتهم.

يظهر ممـا سبق بيانه، أنه يلزم لمن أراد أن يسلك طريق الله تعالى – لتحصل له النجاة والفوز والسعادة والوصول – أن يبدأ أولاً بالبحث عن الرجل الحى، العالم بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله J، والعالم بتزكية النفوس وتخليصها من أمراضها ورعوناتها، والعالم بالأخلاق المحمدية المتجمل بها، الممنوح الحال الذي به يجرد النفوس من أوحال التوحيد، العالِم بعلوم اليقين، ومشارب الأبرار ومشاهد المقربين، العالِم بحقيقة التوحيد الخالص من الشرك الخفي والأخفي.

فإذا وُجد هذا الرجل، فهو إمام أهل عصره جميعهم، والواجب عليهم جميعًا أن يتركوا الحظ والهوى، والعلو في الأرض، والتعصب للآباء والأجداد، إقبالاً على الله تعالى، وتحقيرًا لكل لذة يعقبها العذاب، وكل سيادة تنتج الشقاء، وكل شهرة تؤدى إلى حرمان الرحمة والغفران، وكل وظيفة تبعد عن دار الكرامة والإحسان الأبدى، حتى لو أن العاقل رأى أن عضوًا من أعضائه يمنعه عن الاقتداء بالرجل الذي جعل الله له النور ومنحه الحكمة، لقطع العضو وفر إلى المرشد، خشية من الشقاء الأبدى.

وَٱلْوَارِثُ ٱلْمَخْصُـوصُ فَرْدُ مَكَانَةٍ

شَمْسٌ تَُرَى لِلرُّوحِ لاَ ٱلأَحْـدَاقِ

فَنِيـَتْ مَعَالِمُـهُ وَأَلْبِـسَ حُـلَّةً

سَجَـدَتْ لَهَا ٱلأَمْلاَكُ بِالإِشْفَاقِ

وَرِثَ ٱلْمَكَـانَةِ رُتْبـَةً أَحَــدِيَّةً

مِنْ دُونِهَـا ٱلْمَلَكُـوتُ يَا عُشَّاقِي

خَمْـرٌ بِلاَ قَـدَحٍ شَمْـسٌ بِلاَ أُفُقٍ

رُوحٌ بِلاَ هَيْـكَلٌ لِتَنَـزُّلِ ٱلْوَاقِي

عَـزَّتْ مَكَانَتُهُ عَنْ عَـارِفٍ فَانٍ

غَابَتْ حَـقِيقَتُهُ عَنْ مُخْلِـصٍ رَاقِ

إِذَا رُئِـى يُذْكَـرُ ٱللَّهُ ٱلْعَـلِى لِمَا

يَلُوحُ مِنْ نُورِ قُدْسٍ فَي حِمَى ٱلسَّاقِي

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.