شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (89)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (89)

islam wattan . نشرت في المدونة 4636 لاتعليقات

 الحكمة التاسعة والثمانون

المحبةُُُ حجابٌ، وهى أرقى المقامات، لأنها تشغَل عن المحبوب، وهل يسَع القلبُ محبوبًا وحُبًا؟.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة التاسعة والثمانون

المحبةُُُ حجابٌ، وهى أرقى المقامات، لأنها تشغَل عن المحبوب، وهل يسَع القلبُ محبوبًا وحُبًا؟.

ِمنذ أن شهدت الأرواح فى يوم )أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ( ضياء وجه المحبوب، وسمعت لذيذ خطابه فى العهد والميثاق، وهى دهشى فى محبته، متحيرة فى معرفته، فلا هى تستطيع الوصول إليه لعلو ذاته وتنزه صفاته، ولا تقدر على الصبر عنه خشية المحو والحرمان، وكم احترقت قلوب وتفتتت أكباد، وصُرعَت أرواح فى سبيل هذا العشق الإلهى، وانطلقت أرواح العارفين من سجن وجودها إلى نور شهودها، طمعًا فى الوصال وشوقًا للقاء، ولكن هيهات أن تنال ما تريد، إلا إذا تفضل الحميد المجيد، فكشف لثام الشوق، وبسط بساط المحبة، لمن يشاء من أحبابه.

وقد عبرت ألسنة المحبين – بقدر ما سُمح لها – عن بعض هذا الجَوى وذلك الهيام، وتلك النشوة والحيرة، وأحوال الفرح والحزن والاشتياق، ولكنهم ما ازدادوا بما قالوا إلا حيرة وذهولاً وتقصيرًا، ولكن لا بأس أن نقطف من رياض المحبين بعض الزهور والرياحين، لعلنا نشم منها عبق المحبة الفوَّاح، لتطمئن به القلوب وترتاح.

ويعرف العشاق المحبة بأنها:

– الميل الدائم بالقلب الهائم.

– إيثار المحبوب على جميع المصحوب.

– موافقة الحبيب فى المشهد والمغيب.

– محو المحب بصفاته وإثبات المحبوب بذاته.

– مواطأة القلب لمرادات الرب.

– ويقول العارف بالله أبو يزيد البسطامى 0: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك.

– وعند الإمام أبى العزائم 0 لا تنال المحبة إلا بثلاثة أمور: بمحبة أهل المحبة، وبتحصيل العلم الذى يكشف صفات المحبوب، وبنفْس طاهرة يُمن بها على صاحبها، ومن عرج على معارج المحبة ارتفع لأعلى مقام، ومن عرج على معارج المجاهدة والشدة ارتفع لحضرة الإنعام، وشتان بين من هو مع المنعم ذى الجلال والإكرام، وبين من وصل لحضرة الإِنعام، وعنده أن المحب على أنواع ثلاثة: محب للدنيا، وهى الصحة والقوت والأمن، ومحب للدين، وهى المحبة والاستقامة والإيثار، ومحب لله، وهى واحدة ألا وهى الفناء عمن سواه، المحبوب عنده غيب، والدليل عليه خفىّ، والوصول إليه لا بد منه؛ لأن نار المحبة لا تبقى فى القلب لغير المحبوب حَبَّة.

أهل المحبة فى شوق إلى العيْن

وحين يتكلم الإمام عن أهل المحبة، يبين أنك تراهم بين الناس جلوسًا، وأرواحهم شربت بيد الحبيب من طهور الشراب كؤوسًا، أهل المحبة يخافون من البعد وهم فى أقرب القرب، وأهل الجفا يأمنون وهم فى أبعد البعد، ولا يجب أن يرى الإنسان لنفسه حُبًا؛ لأن من رأى ذلك ليس بمحب، إنما المحب من لم ير لنفسه حبًّا حتى يكون هو المحبوب، أما إذا أردت أن يحبك وتحشر مع أهل المحبة، فانظر إلى ما منه إليك، ولا تنظر إلى ما منك إليه، فإن نظرت إلى ما منه إليك كنت عبدًا حقًّا، وإن نظرت إلى ما منك إليه كنت مشركًا.

وحين يُكتب العبد مع أهل المحبة فى سجل المتحابين، فإنه يجذب بجاذبة الحب بالكلية إلى المحبوب، فلا يرى سواه فى كل شيء يراه – مع النزاهة – يقول ذو النون المصرى 0: رأيت صبيانًا يرجمون رجلاً، فقلت لهم فى ذلك، فقالوا: إنه مجنون، يزعم أنه يرى ربه، فدنوت منه فأخبرته بذلك، فقال: لو احتجب عنى طرْفَة عين، لتقطعت من ألم البيْن، ثم أنشد يقول:

طلبُ الحبيبِ من الحبيب رضـاه

ومُنى الحبيـبِ من الحبيب لقـاهُ

أبدًا يلاحظـه بأعيـن قلبـــه

والقلبُ يعرف ربـَّــه ويـراهُ

يرضى الحبيب من الحبيب بقربه

دون العباد فلا يريد ســـواهُ

فقلت له: أمجنون أنت؟ قال: عند أهل الأرض نعم، أما عند أهل السماء فلا، فقلت له: كيف أنت مع الله؟ قال: ما جفوته منذ عرفته، قلت: ومتى عرفته؟ قال: لما جعل اسمى فى المتحابين.

ويقدم لنا الإمام القشيرى 0 بيانًا فى لطائف الإشارات، حول معنى قوله تعالى: )قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ( (آل عمران: 31) فيقول:

(تحبون الله) فرْق، و (يحببكم الله) جمْع.

(تحبون الله) مشوب بالعلة، و(يحببكم الله) بلا علة، بل هو حقيقة الوصلة.

وهناك فرق بين الحبيب والخليل عليهما الصلاة والسلام، الخليل قال: (فمن تبعنى فإنه منى) وقال الحبيب: (فاتبعونى يحببكم الله)، فإن كان متبع الخليل منه إفضالاً، فإن متبع الحبيب محبوب الحق سبحانه، وكفى بذلك قُربة وحالاً.

وقال أولاً: (يحببكم الله) ثم قال: (ويغفر لكم ذنوبكم)، والواو تقتضى الترتيب، ليُعلم أن المحبة سابقة للغفران، فالمحبة توجب الغفران؛ لأن العفو يوجب المحبة.

والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال، ومنه حبَبُ الأسنان وهو صفاؤها.

والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب فى السر، ويقال: أحبَّ البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب.

وحين سكر المحبون من شراب الوجد والحال، وفنوا عن آمالهم وعن المال والعيال، وغابوا بهذا السكر فلم تشهد بصائرهم إلا المهيمنَ المتعال، طلب الإمام أبو العزائم من الساقى لهذه المدامة، أن يمزج شرابهم بالحب؛ لأنه المشهد العالى، ومعراج القبول، وباب الوصول، لذا نسمعه يقول:

يا ساقى القوم خمرَ الوجدِ والحــالِ

أسكرتهم ففنوا عن كل آمــــال

غابوا بسكرك لم تشهد بصائرُهــم

إلا المهيمنَ من دانٍ ومن عـــال

هلا مزجتَ لهم هذا الشراب عسـى

أن يُمنحوا الحب فهو المشهدُ العالى

الحبُّ معراج قرب للوصول إلــى

مقام قدسٍ وإكرامِ وإيصـــــال

الحب يمحق من قلب الحبيب سوى

محبوبَه فيراه لا بأمثــــــال

لو قطرةٌ مُزجت بالحب واتصلـت

بالقلب أشرق نورًا مشرقًا عالـى

تصفو به النفس ترقى للعلى على

رفارف خصصت لوصـول أبدال

الحب ما الحب نور الله يمنحــه

أهل الصفا بجمال الود والحــال

لقد صار المحبوب يملأ على المحب كل حياته، فهو أنفاسه فى كل أوقاته، وهو حديثه مع جُلاَّسه، وهو معه فى أفراحه وأتراحه، بل إنه يرى خياله فى كل كأس يشربها ليروى بها ظمأه، يقول الحلاج:

والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت

إلا وحبُّك مقرونٌ بأنفاســـى

ولا جلستُ إلى قومٍ أحدثهـــم

وإلا وأنت حديثى بين جُلاسـى

ولا ذكرتك محزونًا ولا فرحًـا

إلا وأنت بقلبى بين وسواسـى

ولا هممت بشرب الماء من ظمأ

إلا رأيت خيالاً منك فى الكاس

فناء عن المحبة بالمحبوب

ورغم ما أفرده الإمام أبو العزائم للمحبة من كشف وبيان، ونور وتبيان، على اعتبار أنها أساس الوجود، وباب القرب من الودود؛ لأن كل أبواب العبادة مزدحمة إلا بابى المحبة والرضا، معتبرًا المحبة من أرقى المقامات، ولكنه فى هذه الحكمة يقول أن المحبة حجاب، معللاً ذلك بأنها تشغل عن المحبوب، متسائلاً: وهل يسع القلب محبوبًا وحُبًّا؟ فكيف تكون المحبة حجابًا؟.

هناك محبة ومحبوب، والمحبة وصف المحب، ولها أعباء ومتطلبات، لا بد أن يقوم بها المحب لتظهر عليه آثارها، وقد تشغل أعباء المحبة المحبوبَ عن حبيبه، وعندئذ تكون المحبة قد حجبته عمن يجب أن لا يشغل بسواه، حتى لو كانت المحبة ومتطلباتها وآثارها، وهذا مشهد نورانى رائع، لا يذوق حلاوته وطلاوته إلا من فنى بالكلية فى المحبوب.

يقول العارف بالله السوسى 0 فى هذا المعنى: لا تصلح المحبة إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب، بفناء عن المحبة، ويقول العارف بالله عبد الله بن المبارك 0: من أُعطى شيئًا من المحبة ولم يُعط مثله من الخشية فهو مخدوع، وقيل: المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم السكر الذى يحصل عند الشهود لا يوصف، ويقول العارف بالله يحيى بن معاذ 0: مثقال ذرة من الحب أحب إلى من عبادة سبعين سنة بلا حُب.

ويقول الإمام أبو العزائم 0 مفردًا المحبوب بالقصد:

أفردن بالقصد مولاك العَلـىْ

تشهدن غيبا مصونًا أوَّلــىْ

فى المظاهر فاشهدن آيا تَرى

غيبَه قد لاح يُجلى للولـــىْ

لا تقف عند العلومِ وسرِّهــا

واطلب المعلومَ منه به أُخَـىْ

لا تقف عند المحبة إنهـــا

حَجْبة العشاق عن غيبٍ بهِىْ

واعبد المعروفَ جل جلالـه

إن مُنحت العلمَ والكشفَ السِّنِىْ

جعلنا الله ممن أفرد بالقصد مولاه العلى، لشهد الغيب المصون الأوَّلى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.