شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (93)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (93)

islam wattan . نشرت في المدونة 5522 لاتعليقات

 الحكمة الثالثة والتسعون

إنى لأستحِى من ربِّى عز وجل، أن أسأله شيئا، فأكون كالأجيرِ السوء، إذا عمِل عملاً طلبَ الأُجرة.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الثالثة والتسعون

إنى لأستحِى من ربِّى عز وجل، أن أسأله شيئا، فأكون كالأجيرِ السوء، إذا عمِل عملاً طلبَ الأُجرة.

الاستحياء كما عرَّفه الإمام: هو انفعال نفسانى يحصل به اضطراب القلب من وقوع ما لا يرضاه من نفسه، أو من طلب إحداث ما يكره أن يراه الناس عليه، هذه بداية الاستحياء، أما نهايته: فهو ترك وقوع هذا العمل.

وإذا نسب الحق تبارك وتعالى هذا الفعل إلى نفسه فى قوله تعالى: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا( (البقرة: 26) فالمعنى الأول لا يليق بجلال الله تعالى وعظمته، فإنه تعالى تنزه عن أن يتأثر بعمل أو يمنعه الحياء عن عمل، فإن الحياء عبارة عن ضعف قوة الحى عند تأثره، والواجب علينا أن نسلم لله فيما يقول، وننزهه عما لا يليق بجلاله، فكأنه سبحانه يقول: إن كمالى الذاتى من شأنه أنى لا أفعل إلا ما هو كمال أو جمال أو جلال، وللعقل هنا جولة: ونهاية حكم العقل أن المراد بالحياء فى قوله: )إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي( هو غايته ونهايته لا بدايته، ونهاية الحياء أن الله تعالى لا يقول ولا يعمل إلا ما هو كمال لا يَستحى منه.

وفى الحكمة التى بين أيدينا يقول الإمام: إنى لأستحى من ربى U أن أسأله شيئًا، فأكون كالأجير السوء، إذا عمل عملاً طلب الأجرة، وذلك غاية الأدب فى الطلب، ونحن مأمورون بدعاء الله وسؤاله فى كل أمورنا كما أمرنا، ولكن لا يجب أن نعتقد أن إجابة الدعاء وتلبية السؤال، أمر واجب على الله بمقتضى ما نقوم به عبادات أو أعمال صالحة، فذلك ما لا يجوز، بل يستحى منه الإمام، حتى لا يكون طلبنا وسؤالنا مقابل ما قمنا به من عمل، كما يفعل أجير السوء الذى يطلب مقابلاً كلما عمل عملاً, يقول الحق تبارك وتعالى: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ( (غافر: 60)، وقال سبحانه: )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ( (البقرة: 186).

وقال النبي J: (الدعاء هو العبادة)، ثم قرأ: )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(، وقال: (أفضل العبادة الدعاء)، وقال صلوات الله عليه وسلامه: (ليس من شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء)، وقال عليه الصلاة وأزكى السلام: (إن ربكم تبارك وتعالى حييّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يداه إليه أن يردهما صفرًا خائبين) وقال J: (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البر).

وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجَّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)، قالوا: إذاً نكثر الدعاء، قال: (الله أكثر)، وقال J: (إنه من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام).

دعاء المخلصين

يقول الإمام أبو العزائم 0: ما أَذن بالبيان فى الدعاء إلا وقد تفضل بالإجابة، المناجاة عند أهل المصافاة إنما هى بالقلوب، وهى مطالعتها بواطن الغيوب، وجولاتها فى سر الملكوت، وعلوها فى معانى الجبروت.

ويبين حكم الدعاء عامة فيقول: لا يكون المؤمن مخلصًا في دعائه حقيقة الإخلاص، ما دام له تدبير وحول وقوة في رفع ما يدعو لكشفه، حتى يتحقق بالعجز عن دفعه، بحوله وقوته وماله وأهله والناس أجمعين.

مثال ذلك ما يحصل لأهل السفينة، فإنهم يدعون الله تعالى مع اعتمادهم على الربان وعلى الملاحين، فإذا علاهم موج كالظلل، وجزع الربان والملاحون ودهشوا، عند ذلك يخلص الكل الدعاء لله،  كما قال سبحانه وتعالى: )دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ( (لقمان: 32).

وقد يحصل الإخلاص الحقيقي في الدعاء، للأفراد الذين كوشفوا بحقيقة التوحيد، وتحققوا أن الضار والنافع هو الله، فإنهم لخشيتهم من الله لا يتحققون بنفع الأشياء النافعة، ولا بضرر الأشياء الضارة، فهم يدعون الله مخلصين أن يدفع عنهم الضر ويمنحهم النفع، ولا تخلو الأحوال التي تصيب بني آدم في أبدانهم وأموالهم وأهليهم، من الحِكم الربانية، فيفزعون إلى الله تعالى ويسألون العارف أن يدعو الله لهم، فيكشف الله عنهم ما ألمَّ بهم.

فإن دعاء العارف يهدي النفوس إلى معرفته سبحانه، فيعلمون أن لهم إلهًا جبارًا، عالمًا قديرًا، يسمع دعاءهم ويعلم ما هم فيه، وهو قادر على نجاتهم، يراهم وإن كانوا لا يرونه، ويسمع دعاءهم ونجواهم، وعلى هذا القياس فإن كل ما يصيب الناس من الجهد والبلاء، يضطرهم إلى الدعاء، والتضرع إلى الله عز وجل ليذهب الغلاء والوباء، وآلام الأطفال ومصائب الأخيار وما شاكلها من الأمور السماوية، التي لا سبيل لأحد عن دفعها عنهم إلا الله تعالى، فيكون ذلك دلالة لهم على الله عز وجل، وهداية إليه كما قال سبحانه: )أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ( (النمل: 62).

مشاهد العارفين فى دعاء رب العالمين

للعارفين مشاهد وآداب فى دعاء الله U لا تكون عند سواهم، فقد تجملوا بالأدب قبل الطلب خشية العطب، قال ابن عطاء الله 0: لا يكن طلبك سببًا إلى العطاء منه، فيقِل فهمك عنه، وليكن طلبك لإظهار العبودية، وقيامًا بحقوق الربوبية، وقيل لبعضهم: ما ذا تشتهى؟ قال: ما يقضى الله، وقال الشيخ أبو الحسن 0: لا يكن حظك من الدعاء ومناجاة ربك، الفرح بقضاء حاجتك، فتكن من المحجوبين، وقال بعضهم: فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه، وإلا فالرب يفعل ما يشاء.

ويقول ابن عطاء الله السكندرى 0: لا يكن تأخر أمَد العطاء مع الإلحاح فى  الدعاء موجِبًا ليأسك، فهو إنما ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختاره لنفسك، وفى الوقت الذى يريد لا الوقت الذى تريد، وقد قيل فى ذلك أن سيدنا موسى A قال: يا رب أطعمنى فإنى جائع، فأوحى الله إليه: قد علمت ذلك، قال: يا رب أطعمنى، قال له: حتى أريد.

قال ابن عطاء الله أيضًا فى أدب الدعاء متسائلاً ومتعجبًا: كيف يكون طلبك اللاحق سببًا فى عطائه السابق؟ جلَّ حُكم الأزل أن يضاف إلى العِلل، ويقول أيضًا: لا يشكِِّّكَنَّك فى الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعيَّن زمنه، لئلا يكون ذلك قدْحا فى بصيرتك، وإخمادًا لنور سريرتك، إنه أدب واجب فى حضرة صاحب الكرم والجود الكبير المتعال.

قال ذو النون 0 لمن قال له أدع لى: إن كنت أُيِّدت فى علم الله بصدق التوحيد، فكم من دعوة مستجابة قد سبقت لك، أى من الأنبياء والأولياء الداعين لكل مؤمن، وإلا فالنداء لا يُنقذ الغرقى.

قيل للواسطى 0: لم لا تسأل الله شيئًا؟ فقال: أخشى أن يُقال لى: إن سألتنا الذى لك عندنا، فقد اتهمتنا، وإن سألتنا ما ليس لك عندنا، فقد أسأتَ الأدب معنا، وإن سلَّمتَ الأمر لنا، ونظرت بنظرنا، أجرينا لك الأمور على مقتضى الموافقة، وهذا معنى دقيق فى الأدب مع الله لا يدركه إلا أهل المعرفة بالله، ولا يقدح فى ذلك أن الرسل D كانوا يسألون الله ويدعونه، فيجيبهم أو يردهم، وإنما ذلك لحِكم عليَّة منها: إظهار الاضطرار والعبودية من كُمَّل الأنبياء والرسل، فكيف يكون مِمَّن دونهم فى المنزلة؟، ومنها أن الأنبياء والرسل أسوة لمن أُرسلوا إليهم، فهم يفعلون ما أمرهم الله، إظهارًا للخضوع وقيامًا بحقوق الربوبية، وإلا فالله يفعل ما يشاء، ومنها تفويضهم الأمور كلها له سبحانه، وتجردهم عن الحول والطول والقوة، والتفكير والتدبير والتأثير، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله وهو العلى القدير.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.