شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (95)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (95)

islam wattan . نشرت في المدونة 6767 لاتعليقات

الحكمة الخامسة والتسعون

الزهاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين.

الأستاذ سميح قنديل

الحكمة الخامسة والتسعون

الزهاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين.

الزهد فى الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين طريق رب العالمين، والزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وشرط المرغوب عنه أن يكون مرغوبًا فيه بوجه من الوجوه.

والزهد على درجات:

الدرجة الأولى منه أن يزهد فى الدنيا وهو لها مُشتهٍ، لكنه يجاهد نفسه، وهذا يسمى: المتزهد، وهو مبدأ الزهد، ويكون الزهد هنا للنجاة من العذاب والحساب، وهذا زهد الخائفين.

الدرجة الثانية: أن يزهد فيها طوعًا لا يكلف نفسه ذلك، لكنه يرى زهده ويلتفت إليه، فيكاد يعجب بنفسه، ويرى أنه قد ترك شيئًا له قدْر لما هو أعظم قدْرًا منه، كمن يترك درهمًا ليأخذ درهمين، وهذا أيضًا نقصان، ويكون الزهد هنا للرغبة فى الثواب والنعيم، وهذا زهد الراجين.

الدرجة الثالثة: وهى العليا وهى أن يزهد طوعًا، ويزهد فى زهده، فلا يرى أنه ترك شيئًا؛ لأنه عرف أن الدنيا ليست بشيء، فهذا هو الكمال فى الزهد، وفيها يكون الزهد لا خوفًا من حساب ولا رغبة فى ثواب، ولكن لطلب لقاء الله، وهذا زهد المحسنين العارفين.

ويتكلم الإمام أبو العزائم 0 عن الزهد، فيبين أن خالص الزهد إخراج الموجود من القلب، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد، ويؤكد أنه ليس الزاهد من زهد فى دنيا لم تمكنه من متاعها، وضاقت عليه مع اتساعها، وهو مضطر إلى ذلك لظهور عسرته ونفاذ يسرته، إنما الزاهد فى الدنيا من أقبلت عليه وحشدت فوائدها إليه، وحسنت له فى ذاتها، وأمكنته من لذاتها، فأعرض عنها وزهد فيها.

ثم يبين فى حكمته الفرق بين زهد السالكين والواصلين والمتمكنين والعارفين فيقول: السالك يزهد فى الحرام، والواصل يزهد فى المباح، والمتمكن يزهد فى نفسه، والعارف فانٍ عن الزهد، ثم يحذر وينبه ويبين: إذا حدثتك نفسك بترك الدنيا عند إدبارها فهو خدعة، وإذا حدثتك بتركها عند إقبالها فهو ذاك؛ لأن من نظر إلى الدنيا نظرة محبة، أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه.

ثم يكشف لنا أن الزهد عقد وعمل، فالعقد خروج حب الدنيا من القلب بدخول حب الآخرة فيه، والفعل بالزهد إخراج المحبوب من اليد فى سبيل الله، والزاهد هو الخائف مقام ربه، البائع نفسه طوعًا قبل أن يخرج نَفَسُه إليه كرهًا، فإن من لم يترك كثيرًا مما يشتهى، وقع فى كثير مما يكره، والورع أول الزهد، وهو باب من أبواب الآخرة، والطمع أول الرغبة، وهو باب كبير من أبواب الدنيا.

مقامات الزاهدين

قال الله تعالى: )لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ( (الحديد:23)، وقال J: (إِذَا رَأَيْتُمُ ٱلرَّجُلَ أُوتَىٰ زَهِدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَنْطِقًا فَٱقْتَرِبُوا مِنْهُ فِإِنَّهُ يُلَقَنُ ٱلْحِكْمَةِ) رواه ابن ماجة، وأبو نعيم فى الحلية، والبيهقى.

وتعريف الزهد عندهم: هو ترك ما يشغل عن الله جملة، فالزاهد غير العارف مشغول بنفسه، والزاهد العارف مشغول بالله عن نفسه، فالعارف زهد فيما سوى الله،  فمن صحب الزاهد غير العارف، سعطه الخل والخردل، ومن صحب الزاهد العارف عطره بالمسك والعنبر، قال الله تعالى: )وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( (الحشر: 9)، ومن تكلم فى الزهد ووعظ الناس، ثم رغب فى مالهم، رفع الله حب الآخرة من قلبه، وقال الإمام أحمد بن حنبل 0: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام، وهو زهد العوام، والثانى: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل العبد عن الله ، وهو زهد العارفين.

وكما عودنا الإمام أبو العزائم فى كلامه عن مقامات اليقين، أن يقدم لنا بيانًا شافيًا عن تفاوت أهل هذه المقامات بحسب منازلهم فى الطريق بين السلوك والوصول والتمكين، فيبين لنا:

الزهد عند السالكين:

قال الله تعالى: )وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى( (النازعات:40، 41)، وقال J: (ٱلدُّنْيَا مَلْعُونَةٌُ مَلْعُونَةٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ ٱللَّهِ وَمَا وَالاَهُ) رواه ابن ماجة عن أبى هريرة، والطبرى فى الأوسط عن ابن مسعود، زهد المريد أن يتناول الشىء لا لرغبة فيه، ولكن لحاجة تدعو إليه.

والزهد قربة للعامة، وضرورة للمريد، وخشية من الله ، ورغبة فيما عنده للخاصة، فالمريد يترك الشبهة بعد ترك الحرام، ويحذر من المعتبة، وتستنكف نفسه من النقيصة، وتكره مشاركة الفساق، فمن رغب فى الشىء وطلبه وادعى أنه زاهد فهو كاذب، ونعم هو زاهد ولكن فى الآخرة، وليس بمريد عندنا، وكم غر الشيطان مريدًا فأوهمه أنه زاهد وأنه ولىُّ، فجمل ظاهره للخلق، وقلبه معلق بالدنيا يطلبها من حلها وحرامها، وإنما هى معاملة القلوب لعلام الغيوب.

الزهد عند الواصلين:

ترك ما زاد على الضرورة، حرصًا على فراغ القلب لمعاملة مقلبه، وعمارة الوقت بمحاب الله ومراضيه، ومسارعته إلى التحلى بحلة الأنبياء والأولياء والصديقين، ولأهل العزائم فى هذا المقام إشارات عالية، ترمى بهمة الواصل إلى قدس العزة والجبروت، رغبة فى الله وفناء عما سواه.

الزهد عند أهل التمكين:

وهو لبه وخالصه، إخراج الموجود من القلب ثم إخراج ما خـرج من القلب عن اليد، استصغارًا له واحتقارًا، ثم نسيان الزهد فى الزهد، حتى يكون زاهدًا فى زهده، لرغبته فى مزهده – سبحانه وتعالى- وهو أعلى الأحوال فى مقامات اليقين؛ لأنه زهد فى النفس فرارًا إلى منفسها، ولديها تستوى الحالات عند الزاهد، ويواجه بالبهاء الجلالى، والنور الجمالى، فيكون آنسًا بالمعطى الوهاب، المنعم المتفضل، راضيًا عنه – سبحانه – مرضيًّا من الله Y.

ثم يقول 0 نظمًا فى مقام الزهد والزاهدين:

عَرَفَ ٱلْكِرَامُ مَنَازِلَ ٱلأَصْـحَابِ

فَتَوَاضَعُوا ذُلاًّ عَـلَى ٱلأَعْتَـابِ

مَالُوا عَنِ ٱلْعُذَّالِ بَلْ وَعَنِ ٱلسِّوَىٰ

وَتَمَـسَّكُـوا بِٱلـزُّهْـدِ وَٱلآدَابِ

وَفَنَوْا بِمَظْهَرِ حُسْنِ مَعْشُوقٍ عَلاَ

حَتَّـىٰ عَنِ ٱلْقُرَنَاءِ وَٱلأَصْحَابِ

دُهِشُـوا بِنُـورِ جَمَـالِهِ وَجَلاَلِهِ

وَبِمَظْـهَرِ ٱلأَسْمَـاءِ فِي ٱلأَلْبَابِ

شَهِدُوا ٱلْجَمَالَ مِنَ ٱلْجَمِيلِ فَحُيِّرُوا

وَٱلْجَمْعُ فِيـهِ تَحَيُّـرُ ٱلطُّـلاَّبِ

فَٱلْكَوْنُ نُـورٌ لِلْمُكَـوِّنِ جَهْـرَةً

وَٱلنُّورُ مِـنْ مِـشْكَاتِـهِ ٱلْوَهَّابِي

لاَ لَوْمَ إِنْ بَـاحُوا بِسِـرِّ حَقِيقَـةٍ

فَٱلْكَتْمُ لِي فِي ٱلْجَمْعِ عَيْـنُ عَذَابِي

شَاهَدْتُ نُورَ ٱلْحَقِّ فِيَّ وَفِي ٱلْوَرَىٰ

وَٱلْحَقُّ مَخْفِـيٌّ عَـنِ ٱلْمُرْتَـابِ

زِدْنِي وَحَقِّـكَ لَوْعَـةً وَتَحَيُّـرًا

فَٱلسُّكْرُ يَامَوْلاَيَ عَيْنُ صَوَابِـي

قال ابن المبارك: أفضل الزهد إخفاء الزهد، وينبغى أن يُعوَّل فى هذا على ثلاث علامات:

الأول: أن لا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، كما قال تعالى: )لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ( (الحديد: 23) وهذا علامة الزهد فى المال.

الثانى: أن يستوى عنده ذامه ومادحه، وهذه علامة الزهد فى الجاه.

الثالث: أن يكون أنسه بالله، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة.

فأما محبة الدنيا ومحبة الله تعالى، فهما فى القلب كالماء والهواء فى القدح، إذا دخل الماء خرج الهواء فلا يجتمعان.

وقيل لأحدهم: إلام أفضى بك الزهد؟ قال: إلى الأنس بالله.

قوت الزهد الذى لا بد منه وبه تظهر صفة الزاهد، وينفصل به عن الراغب هو: أن لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس، ولا يحزن على مفقود من ذلك، وأن يأخذ من الحاجة من كل شيء عند الحاجة إلى الشيء، ولا يتناول عند الحاجة إلا سد الفاقة، ولا يطلب الشيء قبل الحاجة، وأول الزهد دخول غم الآخرة فى القلب، ثم وجود حلاوة المعاملة لله تعالى، ولا يدخل غم الآخرة إلا بعد خروج هم الدنيا، ولا تدخل حلاوة المعاملة حتى تخرج حلاوة الهوى.

ولأجل هذه المعانى السامية لأهل الزهد، يجعل الله الزهاد ملوك الآخرة؛ لأنهم كانوا فى الدنيا فقراء العارفين بالله، 4 ورضوا عنه.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.