شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (96)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (96)

islam wattan . نشرت في المدونة 7527 لاتعليقات

الحكمة السادسة والتسعون

من نسىَ بدايتَه، هلك فى نهـايتِه.

الأستاذ سميح قنديل

الحكمة السادسة والتسعون

من نسىَ بدايتَه، هلك فى نهـايتِه.

لعل أهم ما تميز به تراث الإمام أبى العزائم فى موضوع من أهم الموضوعات وهو الإنسان، أنه تحدث عن الحقيقة الإنسانية قبل ظهورها في العالم المادى المحسوس المتمثل في عالم الدنيا، فقد أكد الإمام أن عالم الأرواح متقدم على عالم الأجسام، مستدلاً بقوله تعالى: )وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ( (الأعراف: 11)، وقوله: )ثُمَّ( تفيد التراخي، أي )وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ..( في عالم الروح ).. ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ..( كما سبق في علمنا أن نصور كلاًّ منكم في صورة معينة فى عالم الأرحام، ثم كان خلق آدم A والأمر للملائكة بالسجود له.

وقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة حين ذكَّرنا سبحانه بنشأة حقيقة الإنسان الروحانية فى قوله تعالى: )وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ( (الواقعة: 62)، فالإمام يرى أن النشأة الأولى هي خلق الحقيقة الروحانية، بل ويؤكد على أهمية تعرف الإنسان على نشأته الأولى فيقول: من عرف نشأته الأولى، سارع إلى نيل السعادة فى النشأة الأخرى. ومن جهل نشأته الأولى، اعتقد الخلود فى الدنيا فعمل لها فهلك وأهلك ولا خلود فيها؛ وإنما يتميز الإنسان عن الحيوان بمعرفة نشأته الأولى، وإلا فهو حيوان وأضل منه، والنشأة الأولى هى الخَلق الأول للإنسان مصداقًا لقوله تعالى: )كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ( (الأنبياء: 104)، وقوله: )أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيد( (ق: 15).

والخلق الجديد المراد هنا هو هذا الهيكل الجسمانى الذي طوَّره الحق أطوارًا في عالم بطن الأم، ليؤدي دوره في الدنيا إلى أن تنتهي منه الأنفاس، واللبس جاءنا من ظن الإنسان أن هذا الهيكل هو (أنا) أى حقيقته، ولو أدرك الحقيقة لعلم أن هذا الهيكل سكن مؤقت لحقيقته، وأن الإنسان إنسان بمعناه لا بمبناه، يوضح الإمام أبو العزائم ذلك فيقول فى حكمة بليغة: الخلقُ الأولُ هو أنتَ، والخلقُ الجديدُ جاء ليُعرفك من أنتَ، فالخلق الأول خلق حقيقة الإنسان ومعناه، والخلق الجديد خلق جسم الإنسان ومبناه، ووظيفة الخلق الجديد (الجسم) أن يتعرف الإنسان من خلاله على ما أودعه الله فيه من المعانى والحكم والأسرار، فإذا انقضت مدة الجسم المحددة بالموت رجع الى أصله وهو التراب، وبقيت حقيقة الإنسان بمكوناتها لتكمل رحلتها فى عالم جديد هو البرزخ.

الإنسانُ صورةُ الرحمن

ويدعونا الإمام فى جوامع كلمه إلى الرجوع إلى النشأة الأولى للتعرف على الحقيقة الإنسانية فيقول فى الحِكم:

نسيان بدء الشهود مؤد إلى نسيان بدء الوجود، ونسيان بدء الوجود مؤد إلى نسيان العهود، ونسيان العهود مؤد إلى فك القيود، وفك القيود مؤد إلى نسيان الملك المعبود.

كيف يجهل الإنسان نشأته الأولى، وينسى عهد المولى، ويميل إلى أسفل سافلين، وهو مُعَد لأعلى عليين؟.

ارجع إلى العدم ليظهر وتخفى، فيظهرك مجمَّلاً.

كن لربك طفلاً يكن لك أبًا وأمًا، بمعنى اعتمادك الحق عليه، وكن له جنينًا فى بطن أمك يخرجك بأنوار شهوده، وكن له ماء مهينًا يصورك وينفخ فيك من روحه، وكن له طينًا يخلقك بيديه، ويجعلك خليفة نائبًا عنه فى أرضه.

لكل حقيقة ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالإنسان ظاهره الجسم، وباطنه القلب، وحده الروح، ومطلعه نفخة القدس، والجسم ظل الروح، والروح ظل نفخة القدس، ونفخة القدس ظل الله، قال تعالى: )إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً( (البقرة: 30) وقال فى الخليفة: )فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ( (الحجر: 29).

ويكشف الإمام عن سر التنزل وسر الظهورفى البدء من قبل الخلق والأمر، فيقول فى القصيدة:

فى البدء نورٌ نعم قد كان تكوينى

لا كونَ لا أينَ حالَ البدء يحْوينى

من كلمة هى (كن) قد كنتُ فى أزل

نورًا أطوف بقدس المجدِ تمكينى

بل صورةٌ أشرقت أنوارُ طلعتها

من قدس عظموتها فى حال تلوينى

فى عالم الغيبِ كان الوجه حيطتُها

أنوارُها أشرقت فى القدس تُحيينى

من قبل خلقٍ وأمرٍ كنت فى أزلٍ

فى حضرة العلم فى أسوار تعيينى

الغيبُ أشرق فى المجلى ولازِمها

سرُّ التدلى بدا فى مظهر الطين

نورٌ أضاء لمن صافاهمو أزلاً

الحقُّ يظهرنى والكونُ يخفينى

سرُّ التنزل فى الأطوار أشهدنا

سرَّ الظهور بمعنى باطنِ الدين

هذا الطهور سقاه الله من أزل

فى (هل أتى) فاقرأنه بعد تبيين

ولقد ورد فى الحديث الشريف: (خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِه) ِويفسر الإمام أبو العزائم هذا الحديث فيقول: آدم عليه السلام هو المخلوق الذى تجلى فيه الحق سبحانه لخلقه، فإن الله سبحانه خلق آدم على صورته، وليس المراد أنه خلقه على صورة لها أبعاد وحدود وكمٍ وكيف، بل المراد أنه جمله بمعانى صفاته وجمال أخلاقه.

ومعنى هذا أن تجليات السميع والبصير، والمتكلم والخلاق والمدبر فيك، هي تجليات ربك لأنها أسماؤه، فكما تسرى أشعة الشمس فيك فتنتفع خلاياك، فإن شمس التجلي مشرقة أيضًا، فتُظهرك إنسانًا سويًّا فيك من مظاهر الربوبية، وكما لا يدعى من تشرق عليه الشمس أنه عين الشمس، كذلك لا يستطيع عبد أن يدعي بإمداداته وإشراقات أنوار الربوبية عليه أنه رب، ومن ادعى ذلك فقد هلك، فكل أسماء الله وصفاته تنزلت فيك على قدر أهليتك واستحقاقك، ولكن مع الفارق أن صفات الله حقٌ لله مستعارة للإنسان، فهى لله بحكم الأصل ثم سرى حكمها فينا – بحسب استعداد قوابل نفوسنا لها- بحكم الخلق على الصورة الرحمانية.

من أسرار التجلى

فى وطن التصوير

والتجلي في عالم بطن الأم فوق إدراك العقل والروح، ولا يصل إليه واصل بفكر محدود، ويكفي أن نعلم أن عالم بطن الأم هو عالم الخلق والتصوير والتجليات في أسمى مراتبها، ومن قرأ: )وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( (هود: 7)، احتاج إلى الخبير القرآني الذي يكاشفه بماء التكوين الذي تعرش عليه الأسماء بتجلياتها، والصفات بتنزلاتها.

وهنا يكشف له الخبير أن فى هذا الوطن تجتمع الحضرة الأسمائية الأكملية، الممثلة لأسماء حضرة الحق كلها، ولكل اسم عمل في ماء التكوين، فتجليات اسم الخلاق والبارئ والمصور، والسميع والبصير، والمتكلم والحي، والقادر والمريد، والعالم والرزاق، والمحيى والمميت .. الخ الأسماء لها تجليات – لأن الإنسان هو مظهر لكل هذه الأسماء – فيغطي نور تجلي هذه الأسماء هذه النطفة الصغيرة في نظر العين، والجامعة لكل الحقائق في نظر أهل اليقين، وتبدأ دورة الخلق في رحم الأم، يقول الإمام أبو العزائم: فتعرش الأسماء على ماء التكوين في عالم الأرحام الذي هو رمز الرحمن، وهذا مراد قول الحق: )الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى( (طه: 5) وقوله تعالى: )وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( (هود: 7).

وليس من المعقول أو من المنطق أن نقول: أن عرش ربنا كان على الماء في نهر معين، أو بحر من البحار أو محيط من المحيطات؟ و(كان) هنا ليست دلالة على الماضى؛ لأنها – فى بعض معانيها في القرآن – تشير إلى البداية والنهاية: كما يقول سبحانه: )وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا( أي: كان الله ولم يزل غفورًا رحيمًا، لذلك نقول: كان ولم يزل عرشه على الماء، ولكن الله في هذه الآية يعلل وجود عرشه  على الماء بقوله: )لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً( والابتلاء هنا بظهور الأحسن عملاً، وعلى هذا فوجود العرش على الماء هو لأجلنا نحن ليبلونا، أي يختبرنا أينا أحسن عملاً، نسأل الله حُسن الخاتمة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.