شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (97)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (97)

islam wattan . نشرت في المدونة 7935 لاتعليقات

 الحكمة السابعة والتسعون

الأمانةُ وما أدراك ما الأمانة؟ نورُ معانى الصفاتِ، فى مرآة صُقلت بالمواجهات، وجُمِّلت بالمنازلات، فظهر الغيبُ المصونُ، وخَفى المَشهودُ بالعيون.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة السابعة والتسعون

الأمانةُ وما أدراك ما الأمانة؟ نورُ معانى الصفاتِ، فى مرآة صُقلت بالمواجهات، وجُمِّلت بالمنازلات، فظهر الغيبُ المصونُ، وخَفى المَشهودُ بالعيون.

الأمانة خلق إسلامي وإنساني رفيع يقوم على صون ما استؤمن عليه، وأداؤه على الوجه الحسن المطلوب من غير تقصير، وقد سبق الكلام عن الأمانة فى الحكمة السابعة والخمسين، عند شرح حكمة الإمام التى يقول فيها: الأمانة هى ما فيك من أوصاف باريك، ولكن لأهمية هذا الأمر ووسعته أردت أن أقدم للقارئ الكريم مزيدًا من البيان حول معنى الأمانة، وذلك من خلال الحكمة التى بين أيدينا، والتى يسأل فيها الإمام ثم يجيب نفسه قائلاً: الأمانة وما أدراك ما الأمانة؟ نور معانى الصفات فى مرآة صُقلت بالمواجهات، وجُمِّلت بالمنازلات، فظهر الغيب المصون، وخفىَ المشهود بالعيون.

وقد سبق أن علمنا أن محل الأمانة هو القلب، الذي هو عرش الرحمن لا الشكل الصنوبرى المقلب في الأكوان، حملها الإنسان فكان ظلومًا جهولاً حتى يحملها، فيكون محمولاً لا حاملاً، وإشراقًا لا مشرقًا، يصفو اللطيف من الكثيف، ويحمل اللطيف بنوره هذا الكثيف، فيكون الإنسان الكامل وهو في سافل المكان، في أعلى مكان، يرى بما فيه من الأمانة وجه الله حيث ولَّى، ويلحظ بسره غيب القدس الأعلى حيث صلَّى، إذا لمع وميضها أخفى السُّور والرسم، ومحا الوسْم، وألبس المحمول تاج الخلافة عن ربه، وساح في ملكوته الأعلى، فأشرف على قدس عزته وجبروته.

بالأمانة القرب والحب، إذا وفَّى فصفا حاملها، والوفا الاتباع مجاهدة، والصفا الاصطلام مواجهة، وهما واحد وإن  كانا اثنين، إذا زال الرين وأشرقت أنوار العين على العين، وانكشفت حقائق الأشياء بحقيقة الاستجلاء.

ثم يبين الإمام أنه إذا أمكنك أن تدفع الواردات عن القلب بذكر اللسان في منزلة الإنسان، وأمكنك أن تذكر بالقلب مع إمساك اللسان، وأمكنك أن تذكر بالقلب واللسان حضورًا وغيابًا، لديها يظهر لك خافيك، وتقع العين على العين بلا بيْن، أحبَّ ما فيك منه، فهو المحبوب Y له لا أنت، وأحببْه بما فيك منه، إذا تجردت من مقتضيات عناصرك، بالأمانة كُلِّفت وعَرفت، وهي الثواب والعقاب، إذا راق الشراب، وكشف الحجاب عن بديع جمال الجناب.

ما هي الأمانة؟

إذا أردنا أن نعرف ما هى الأمانة أو ما هو سر الإنسانية، فعلينا أن نبحث عن خاصية آدمية تتوفر فيها الشروط الآتية:

أ- أن تكون هذه الخاصية مكونًا أساسيًّا وجوهريًّا فى حقيقة الإنسانية، وليست عرضًا من أعراضها.

ب- أن تكون خاصة بالإنسان فلا يشاركه فيها غيره من مخلوقات الله، حيث إنه المخلوق الوحيد الذي حملها.

ج- أن تكون هذه الخاصية أو هذا الجوهر، شيئًا قابلاً للضياع كما يكون فى استطاعة بنى آدم المحافظة عليه، وأساس هذا الشرط يكمن فى اختيار الله تعالى لفظ: الأمانة للدلالة على الشيء الذي عرضه وحمله الإنسان؛ لأن المفهوم من الآية أن الله سبحانه عرض شيئًا على المخلوقات، وهذا الشيء أمر غيبي، وهو ذو شأن خطير بالنسبة لمن يحمله فى حاضره ومستقبله، وبالرغم من كونه غيبيًّا، فإنه لا بد أن يتصف بالمعنى الخاص للأمانة فى الأرض، ونعنى به الوديعة المستردة التى يحاسب حاملها على التفريط فيها، كما يجازى بالمدح والثناء والجزاء، وقبل ذلك على المحافظة عليها وتأديتها، ومن ثم فهذا الشيء الذى قبِل الإنسان حمله، قابل للضياع أو التلف أو التبديل والتغيير، وفى إمكان حامله أيضًا أن يحافظ عليه.

ولقد اختلف المفسرون والعلماء منذ عهد الصحابة 4 حتى الآن، حول تحديد الشيء الذى عرضه الله على المخلوقات كأمانة، وقبِله الإنسان وحده، وقالوا فى ذلك كلامًا كثيرًا، نعرض بعضه هنا لنتعرف عن مدى مطابقته للشروط التى تتوفر فيها، فمن أبرز ما قيل عن الأمانة قديما أنها: الصلاة، العبادة، الطاعة، التكليف، الرسالة السماوية، وهذه كلها أمور متداخلة، فالصلاة من العبادة، والطاعة هى جوهر العبادة، كما أن العبادة جزء من التكليف، أوهى القيام بالتكليف والرسالات السماوية، وهى ما كلف الله به الإنسان، وقيل أنها الشهوة بمعنى الغريزة الجنسية، وفى العصر الحديث نجد اتجاهًا جديدًا ينحو إلى تفسير الأمانة بالحرية والاختيار والمسئولية، وكلها خصائص متلازمة، فقد خلق الله الإنسان لابتلائه، ومن ثم جعله حرًّا مختارًا، وهذه الصفة يترتب عليها المسئولية والجزاء فى الآخرة، وهناك اتجاه آخر إلى اعتبار الأمانة هى العقل، باعتبار ما يتميز به الإنسان عن غيره، أو هى الخلافة عن الله فى الأرض، باعتبار أن الله قد خصه بذلك.

وبعرض كل معاني الأمانة التى ذكرت من قبل، على الشروط التى اتفقنا عليها أولاً، وهى: البحث عن خاصية آدمية تتوفر فيها الشروط الآتية: أن تكون هذه الخاصية مكونًا أساسيًّا وجوهريًّا فى حقيقة الإنسانية، وليست عرضًا من أعراضها، وأن تكون خاصة بالإنسان فلا يشاركه فيها غيره من مخلوقات الله، حيث إنه المخلوق الوحيد الذي حملها، وأن تكون هذه الخاصية أو هذا الجوهر شيئًا قابلاً للضياع، كما يكون فى استطاعة بني آدم المحافظة عليه، وبعرض معانى الأمانة على الشروط التى ذُكرت، لم نجد خاصية من الخصائص المذكورة تصلح أن تكون هى الأمانة، لعدم توفر الشروط كاملة فى كل منها، ولذلك نستبعدها جميعًا أن تكون هى حقيقة الأمانة التى حملها الإنسان اختيارًا، ويكون للأمانة معنى آخر يجدر بنا أن نتعرف عليه.

معنى الأمانة عند الإمام

إذا نظرنا إلى معنى الأمانة عند الإمام أبى العزائم 0، لوجدناه يختلف عن كل الآراء السابقة، فهو يرى أن الأمانة: هى ما فيك من أوصاف باريك، أى ما حمله الإنسان من الصفات الإلهية السبعة، التى تجلى الله بها على الهيكل الطينى للإنسان بسر النفخة، حين قال سبحانه للملائكة: )فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ( (الحجر: 29)، فالأمانة هى معانى الصفات الإلهية التى أنت إشراقها حال شروقها، وهذه الصفات هى: الحياة، القدرة، الإرادة، العلم، السمع، البصر، والكلام، ولتلك الأمانة كان سجود الملائكة، ولها سخر جميع ما فى السموات وما فى الأرض منه سبحانه، وهى كما سبق ليست من الإنسان وانما أُفيضت عليه.

يقول الإمام فى مزيد من البيان: الأمانة هى ما حملته أمانة لديك، ليس منك ولا فيك، ولكنه منه Y، وهى حق الاختيار بين البدائل، والأمانة للسالك اتباع الأوامر، وللواصل هى الصفات الإلهية، والأمانة هى معانى الصفات، وأودع الله أمانته فى آدم فنسى آدم ونسب لنفسه ما ليس له، فكان ما كان من ظهور سوءته، ومن شدة وجَلِه، والله غالب على أمره، قال سبحانه: )وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً( (الأنبياء: 35)، وإنما أكل آدم ما فيه من أمانة باريه، وحمل الإنسان الأمانة فكان ظلومًا جهولاً، حتى يحملها فيكون محمولاً.

يقول مولانا الإمام 0:

أمـانتُه حـمَلتُها ليـلـوحَ لـى

إلهٌا عليَّا فـى الجمـال البـادى

واسجدَ لى الأملاكَ كيما أرى أنا

به فى عبـودةِ خـاشـعٍ ومُرادِ

فإن أنْسَهُ كنتُ الظلـومَ ونـائيا

وكنتُ جهولا بالضِّيـا الإرشـادِ

أمـانـتُـه داءٌ دواءٌ وسرُّهـا

خفىُّ عـن الأمـلاكِ والأفـرادِ

أعوذ به منـه ظهـورًا بهيكلىِ

وأسألُـه وصْـلا إلـى الآبـادِ

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.