شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (98)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (98)

islam wattan . نشرت في المدونة 8554 لاتعليقات

 الحكمة الثامنة والتسعون

معرفة الله فوق كل نعمة.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الثامنة والتسعون

معرفة الله فوق كل نعمة.

نِعمُ الله علينا لا تُعد ولا تُحصى، من أولها وأعلاها وأعظمها نعمته سبحانه علينا بالمصطفى J، وتبقى المعرفة بعد ذلك فوق كل نعمة، فما هى حقيقة المعرفة عند الإمام المجدد، وعند أئمة أهل البيت D، وما معنى معرفة الله ومعرفة العبد؟.

يؤكد لنا الإمام أبو العزائم 0، أن المعرفة بها كمال التحقق بالعبودية، فمن ادعى المعرفة وعمل ما يخالف الشريعة، مُظهرًا أن ذلك من المعرفة فى شيء فقد جهل حقيقة المعرفة، ولو أن المعرفة تبيح مخالفة الشريعة، لكان أولى بذلك الخلفاء الراشدون والمرشدون الكاملون، إلا أن كل معرفة تبيح مخالفة الشريعة معرفة، ولكنها معرفة الشيطان، وإلهام ولكنه من إبليس، ومخالفة الشريعة دليل على الخيبة والعياذ بالله.

والمعرفة عنده على مقامين: معرفة السمع فى الإسلام، وهو أنهم سمعوا به فعرفوه، وهذا هو التصديق من الإيمان، ومعرفة العيان: فى المشاهدة، وهو عين اليقين، ولا كمال إلا بالمعرفة، ولا معرفة إلا بالتوحيد، ولا توحيد إلا بالتسليم: )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( (النساء: 65) وكمال المعرفة: أن تعرف من أنت فلا تتعدى قدرك )وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ( (الرحمن: 46).

ويؤكد الإمام أن الله أباح العلم لجميع العامة، وخص بالمعرفة أولياءه، وبالمكاشفة أصفياءه، وبالمشاهدة أحباءه، واحتجب بربوبيته عن جميع بريته، فإذا ظنوا أنهم عرفوا تحيروا، وإذا توهموا أنهم كوشفوا احتجبوا، فسبحان من أمره عجيب، ومن ادعى أن المعرفة بالكسب جهل، ومن ادعى أن المعرفة بالعجز أساء الأدب، ولو كانت بالبحث والبرهان لكانت أفعال العباد كلها موصلة إلى الله تعالى، إذن فالمعرفة لا تكون إلا بفضل من الله تعالى.

من عرف الله تجلت له أنواره، فلا يرى أجمل منه، ولا يلتفت إلى سواه، ومن عرف الله صغر فى نفسه كل شيء، من عرف ربه أنس به، ومن عرف الله أحبه، وما عرف العارف ربه إلا بعد أن طلبه سبحانه وتعالى، ولا تذوق من علوم المعرفة إلا إذا فارقت الخلق، وأول الخلق نفسك.

أمير المؤمنين ومعرفة الله

فإذا رجعنا إلى إمام الأئمة سيدنا الإمام على بن أبى طالب A، لنتعرف من علومه عن معرفة الله U، لوجدنا عنده كنوز المعارف، فعن سلمان الفارسي 0 في حديث طويل، يذكر فيه قدوم الجاثليق – كلمة سريانية وتعنى كبير الأساقفة – المدينة مع مائة من النصارى، وما سأل عنه الخليفة أبا بكر الصديق 0 فلم يجبه، ثمَّ أُرشد إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه، فسأله عن مسائل فأجابه عنها، وكان فيما سأله أن قال له: أخبرني: عرفتَ الله بمحمد، أم عرفت محمّدًا بالله؟ فقال: ما عرفت الله U بمحمّد J، ولكن عرفت محمّدًا بالله U، حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض، فعرفت أنّه مدبَّرٌ مصنوعٌ باستدلال وإلهام منه وإرادة، كما ألهم الملائكة طاعته وعرّفهم نفسه بلا شبه ولا كيف، عن أبي عبد الله سلام الله عليه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأُولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان.

سُئل أمير المؤمنين A: بِمَ عرفتَ ربَّك؟ قال: بما عرّفني نفسه، قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ قال: لا تشبهه صورة، ولا يُحسّ بالحواس، ولا يُقاس بالناس، قريب في بُعده، بعيد في قُربه، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدئ.

عن أبي عبد الله قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه D، أنَّ رجلاً قام إلى أمير المؤمنين فقال له: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم، لمَّا أن هممت فحال بيني وبين همّي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أنّ المدبِّر غيري، قال: فبماذا شكرت نعماه؟ قال: نظرت إلى بلاء قد صرفه عنّي وأبلى به غيري، فعلمت أنّه قد أنعم عليّ فشكرته، قال: فبماذا أحببت لقاءه؟ قال: لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه، علمت أنّ الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه.

روي عن أمير المؤمنين A حين أتاه رجل اسمه “نجدة” يسأله عن معرفة الله، قال: يا أمير المؤمنين بماذا عرفت ربّك؟ قال عليه السلام: بالتمييز الذي خوّلني، والعقل الذي دلّني، قال: أفمجبول أنت عليه؟ قال: لو كنت مجبولاً ما كنت محمودًا على إحسان ولا مذمومًا على إساءة، وكان المحسن أولى باللائمة من المسيء، فعلمت أنّ الله قائم باق وما دونه حدث حائل زائل، وليس القديم الباقي كالحدث الزائل، قال “نجدة”: أجدك أصبحت حكيمًا يا أمير المؤمنين، قال: أصبحت مخيّرًا، فإن أتيتُ السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها.

معرفة الله تعالى أول الواجبات، وأساس الفضائل والأعمال، بل هي غاية الغايات، ومنتهى كمال الإنسان، فعلى قدر التفاضل فيها يكون التفاضل بين الناس، وكفى من كلام الإمام جعفر الصادق A فيها، أن نورد هذه الشذَرَات، التي يدعو فيها إلى المعرفة  ويحثُّ عليها، كاشفًا عن جليل آثارها وعظيم قدرها، حيث يقول A:

لَو يعلم الناسُ ما في فَضلِ مَعرفةِ اللهِ U، ما مَدُّوا أعينهم إلى ما متَّع الله به الأعداء من زَهرَة هذه الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دُنيَاهم أَقَلَّ عندهُم مِمَّا يطئُونَه بأرجُلِهِم، وَلَنعموا بمعرفة الله U، وتلذَّذُوا به تَلَذُّذ من لم يَزَل في روضات الجنَّات مع أولياء الله،  إِن معرفة الله عزَّ وجلَّ أُنْسٌ مِن كُلِّ وَحشةٍ، وصَاحِبٌ مِن كُلِّ وِحدَة، وَنُورٌ من كُلِّ ظُلمة، وقوَّةٌ مِن كُلِّ ضَعف، وشِفَاءٌ مِن كُلَّ سَقم.

ثم قال A: قَد كان قبلَكُم قومٌ يُقتلون ويُحرقون ويُنشرون بالمَنَاشير، وتَضيقُ عليهم الأرض بِرَحبِهَا، فما يَردُّهُم عما هم عليه شيء مِمَّا هُم فيه، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بِهم وَلا أَذى، بل ما نَقِمُوا منهم إِلا أن يُؤمنوا باللهِ العزيزِ الحميد، فَاسْألوا درجاتهم، واصبِرُوا على نَوائِبِ دَهرِكُم، تُدرِكُوا سَعيَهُم .

فمعرفة الله U لها دور كبير في إخضاع القلب له سبحانه، من ذل وانكسار وخشية وافتقار، وكذلك رؤية النفس على حقيقتها، ومدى ضعفها وعجزها وحاجتها إلى مولاها، فنحن نحتاج لمعرفة الله U لتزداد خشيتنا له، وخوفنا منه، وتوكلنا عليه، وغير ذلك من ألوان العبودية، وعلى قدر التفكر في كلام أمير المؤمنين عليه السلام تزداد المعرفة بالله تعالى.

منازل وأحوال المعرفة بالله

قيلَ لأبي بكرٍ الصديق 0: يا أبا بكر بما عرفت ربّك؟ فقال: عرفتُ ربي بربي، ولولا ربي ما عرفتُ ربي، فقيل لهُ: فكيف عرفت ربك؟ فقال الصديق 0: العجز عن الإدراك إدراك، والبحث في ذات الله إشراك.

وهناك منازل وأحوال للمعرفة مترتبة بعضها فوق بعض، فالعشق مثلاً يحصل بعد المعرفة، والمعرفة تحصل بعد الوجْد، والوجْد يحصل بعد الطلب، ولا طلب قبل معرفة النفس، مع العلم أن شمة من المعرفة خير من خير العمل، والحيرة مفتاح المعرفة، لولا أنت ما عُرف – يعنى الله – لغيره، ولولاه لم توجد أنت من عدمك، ومن فاته شيء من المظاهر، فاته قدرها من معرفة الله.

معرفة الولىّ أدقُّ من معرفة الله، ومن عرف الله ولم يعرف هذا العبد بعُد عن الله، فقد كان إبليس يعرف الله ويعبده السنين الطوال، ولكن عندما أمر بالسجود للعبد ـ وهو آدم عليه السلام ـ أبَى واستكبر وادعى أنه خير منه، ولذلك لعن وطرد من رحمة الله، فمن ادعى أنه يعرف الله ولم يعرف العبد لم يعرف الله، إنما يعرف الله من عرف العبد،  ومن عرف العبد سعد بالزلفى، ومن تشبه به فاز بالحسنى، والعبد لا يعرفه إلا من أحبه الله، ولا يتشبه به إلا من اختاره واصطفاه.

اعلم أن سعادة كل شيء ولذته راحته، ولذة كل شيء تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خلق له، فلذة العين في الصورة الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة.. وهكذا، ولذة القلب بمعرفة الله I؛ لأنه مخلوق لها، وكل ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به، مثل كل هواية أو لعبة يلعبها، إذا عرفها فرح به، ولو نهي عنها لم يتركها، ولا يبقى له عنها صبر، وكذلك إذا وقع في معرفة الله I وفرح بها، لم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب المعرفة، وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة أكبر، وليس موجود أكبر من الله تعالى؛ لأن شرف كل موجود به ومنه سبحانه، فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من معرفته عز وجل.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.