شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (99)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (99)

islam wattan . نشرت في المدونة 9468 لاتعليقات

 الحكمة التاسعة والتسعون

متى عرفتَ الله، لا يخطر على قلبك سِواه.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة التاسعة والتسعون

متى عرفتَ الله، لا يخطر على قلبك سِواه.

سبق أن تكلمنا فى الحكمة السابقة عن المعرفة وماهيتها وبعض أسرارها، فى علوم الإمام أبى العزائم، وعند أئمة أهل البيت 4 أجمعين، ولما كان موضوع المعرفة يحتاج إلى مزيد من البيان والتفصيل، خاصة عند أهل التصوف الذين هم أهل المعرفة بالله، لذلك نقدم المزيد من أسرار المعرفة عندهم فى شرح هذه الحكمة، التى يقول فيها الإمام: متى عرفتَ الله لا يخطر بقلبك سواه.

اهتم أهل التصوف بالمعرفة، وربما ظهر هذا الاهتمام عند الصوفية بشكل واضح المعالم، فمن رقى عندهم في طريق التصوف يسمى: العارف بالله، وبنوا جُل علاقة العبد بالرب على المعرفة، لهذا كان لا بد من الحديث عن المعرفة وحدها لغة ثم اصطلاحًا:

المعرفة لغة: هى إدراك الشيىء بتفكر وتدبر لأثره، وهى أخص من العلم، ويقال فلان يعرف الله، ولا يقال فلان يعلم الله؛ لأن معرفة البشر لله هى بتدبر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: الله يعرف، فالمعرفة تستعمل فى العلم القاصر المتوصل به بتفكر، فالمعارف هى العلوم، والأسرار هى الأذواق، فمن رآها وذاقها يقال له عارف، ومن لم يصل لهذا المقام وكان من أهل الدليل، يقال له عالم.

أما عن تعريف المعرفة اصطلاحًا، فقد قيل في التعريفات: المعرفة إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل بخلاف العلم، ولذلك يسمى الحق تبارك وتعالى بالعالِم دون العارف، ولكن الجرجاني عندما عرَّف الذوق، ذكر خلال التعريف معنًى اصطلاحيًّا آخر للمعرفة فقال: الذوق في معرفة الله، عبارة عن نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك عن كتاب أو غيره.

فما هي المعرفة عند الصوفية؟

جاء في معجم مصطلحات الصوفية: المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته، ثم صدق الله تعالى في معاملاته، ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة وآفاته، ثم طال بالباب وقوفه، ودام بالقلب اعتكافه، فإذا تحققت له من ذلك خواطر، ودامت مناجاته في السر مع الله، وصار محدَّثًا من قِبل الحق، بتعرف أسراره فيما يجريه من مصاريف أقداره، يسمى حينئذٍ عارفًا، وتسمى حالته معرفة، وبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه، وقيل المعرفة ثلاثة أوجه: معرفة إقرار، ومعرفة حقيقة، ومعرفة مشاهدة.

أقوال العارفين فى المعرفة

والإمام الجنيد 0 له فى المعرفة كلام حكيم، حيث يقول: من عرف الله لا يُسرّ إلا به، من عرف الله أطاعه، ومن عرف نفسه ساء بها ظنّه، وخاف على حسناته ألا تُقبل، ويقول أيضا: المعرفة هي شهود الخاطر بعواقب المصير، وأن لا يتصرف العارف بسرف ولا تقصير.

ولما سئل عن المعرفة أجاب إجابات مختلفة، لمزيد من الإيضاح والبيان، فقال: هي تردد السرّ بين تعظيم الحق عن الإحاطة، وإجلاله عن الدرك، وقال: أن تعلم أنّ ما تصوّر في قلبك فالحقّ بخلافه، فيا لها من حيرة، لا له حظ من أحد، ولا لأحد منه حظ، وإنما وجود يتردد في العدم، لا تتهيأ العبارة عنه؛ لأن المخلوق مسبوق، والمسبوق غير محيط بالسابق، وقال: المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه، قالوا: زدنا وضوحًا، فقال: هو العارف والمعروف.

ولما سئل عن المعرفة بالله هل هي كسب أو ضرورة؟ فقال: رأيت الأشياء تدرك بشيئين، فما كان منها حاضرًا فبالحس، وما كان منها غائبًا فبالدليل، ولما كان الحق تعالى غير بادٍ لحواسنا، كانت معرفته بالدليل والفحص، إذ كنا لا نعلم الغيب والغائب إلا بالدليل، ولا نعلم الحاضر إلا بالحس.

وقال الإمام الجنيد 0: المعرفة معرفتان: معرفة تعرّف، ومعرفة تعريف. معنى التعرف: أن يعرّفهم الله U نفسه، ويعرّفهم الأشياء به، كما قال إبراهيم A: )لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ( (الأنعام: 76)، ومعنى التعريف: أن يُريهم آثار قدرته في الآفاق والأنفس، ثم يُحدث فيهم لطفًا فتدلهم الأشياءُ أن لها صانعًا، وهذه معرفة عامة المؤمنين، والأولى معرفة الخواص، وكلٌ لم يعرفه في الحقيقة إلا به، وقال: اعلم أنه إذا عظُمت فيك المعرفة بالله، وامتلأ من ذلك قلبك، وانشرح بالانقطاع إليه صدرك، وصَفَا لذكره فؤادك، واتصل بالله فهمك، ذهبت آثارك، وامتحيت رسومك، واستضاءت بالله علومك، فعند ذلك يبدو لك علم الحق.

وعقد الإمام الغزالي 0 فصلاً في كتاب الإحياء بعنوان: بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل التصوف في اكتساب المعرفة لا من التعلم ولا من الطريق المعتاد، جاء فيه: قال تعالى: )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا( (الطلاق: 2)، من الإشكالات والشُّبَه )وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ( (الطلاق: 3)، يعلِّمُه علمًا من غير تعلم، ويفطنه من غير تجربة، ثم استشهد على ذلك بكلام أبي يزيد البسطامي 0: ليس العالم من حفظ العلم من كتاب، فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس، وقد علق الغزالي: وهذا العلم هو العلم الرباني، وإليه الإشارة بقوله تعالى: )وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا( (الكهف: 65)، والعلم اللدني هو الذي ينفتح في سر القلب، من غير سبب مألوف من خارج.

والمعرفة التي يصل إليها الصوفي إذن هي معرفة مباشرة، بغير وسائط من مقدمات أو قضايا أو براهين، إنها معرفة فوق عقلية، لا يحوزها إلا من سلك سبيل التصوف، وألهم المعرفة المباشرة، ومن هنا أيضًا تسمى المعرفة كشفًا.

المعرفة نوعان

وردد الكلاباذي والطوسي والقشيري وغيرهم 4 الكثير من الأقوال في المعرفة والعارف، فالمعرفة باعتبار موضوعها نوعان: معرفة حق، ومعرفة حقيقة.

أما النوع الأول: فيراد بها معرفة الواحد الحق، بإثبات وحدانيته على ما أخبر من صفاته تعالى، فيثبتون ذاته بصفاتها، كما أخبر بها الله عن نفسه، على معنى التفرد وعدم المماثلة، حيث  لم يكن له كفوًا أحد، لا في ذاته ولا في صفاته.

أما النوع الثاني: ويتعلق بمعرفة حقيقته تعالى، فيؤمن العارف أن لا سبيل له إليها لامتناع الصمدية عن الإحاطة؛ لأن الصمد هو الذي لا تدرك العقول حقائق نعوته وصفاته، كما قال تعالى: )وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا( (طه: 110)، والمعلوم أن النوع الأول من المعرفة  معرفة حق، هي حظ مشترك بين جميع الصوفية وغيرهم ممن لم يشاركهم على الطريق الصوفي، في حين أن النوع الثاني خاص بالصفوة منهم، أو إن شئت فقل إنه يتعلق بصفوة الصفوة، وتجدر الإشارة هنا إلى ذلك الاختلاف بين تفسير الصوفية هنا لمعنى: (الصمد)، وبين التفاسير القرآنية لهذه الكلمة؛ كتفسير ابن كثير وغيره، والتي تعني من يصمد إليه الخلائق بحوائجهم ومسائلهم على الدوام، ويوضح هذا القول ما ورد عن الشبلى 0 عندما سئل عن المعرفة فقال: أولها الله تعالى، وآخرها ما لا نهاية له، وقول الكتانى عن صفاء الصفاء أنه: إبانة الأسرار عن المحدثات، لمشاهدة الحق بالحق على الاتصال بلا علة.

إن المعرفة بالله ما لها طريق إلا المعرفة بالنفس، لذلك قالوا: (من عرف نفسه عرف ربه)، وقالوا: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه، فجعلوك دليلاً، أى جعلوا معرفتك بك دليلاً على معرفتك به، وسُئل أبو يزيد 0 عن المعرفة، فتلى قول الله تعالى: )إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً( (النمل: 34)، ولها إشارة فى القلب.

يقول الإمام أبو العزائم 0:

عرفتُ حقيقتى وجهلتُ قدرى

تنزَّل واشرحَن يا رب صدرى

أنا لا شيء قدرى رَقُّ معنـى

معانى وصفِه من بدءِ أمـرى

عَرَفتُ وما عمِلتُ فتبْ تقبَّـل

متابى أخفِى أوزارى بغَفْــر

وفى شيخوختى يا ويحَ نفسى

أُسيءُ فنوِّرن يا ربِّ ســرى

أنا مِن سافلٍ أصْلى وفعلــى

ونورُ اللهِ جمَّل كلَّ سيــرى

وبعد هذا العرض عن المعرفة فى أقوال العارفين، نجد أن الإمام أبا العزائم 0 يؤكد فى هذه الحكمة على معنى واحد، وهو أنك أيها المريد إذا عرفت الله على ما ظهر لك من حقائقها، فلن يخطر على قلبك سواه؛ لأنك بها أفردت ربك بالقصد، وعرفت من عظمة أسمائه وصفاته وتجليات ذاته، ما يحجبك عن كل ما يشغل الخلق ويحجب عن الله، فقد استوى سبحانه بمعرفتك على عرش قلبك، فلا يشاركه شيء فيه، فكيف يخطر فيه غير مولاك، الذى بفضله تولاك، وعرَّفك نفسه وبقربه والاك؟.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.