شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (110)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (110)

islam wattan . نشرت في المدونة 17729 لاتعليقات

 الحكمة العاشرة بعد المائة

من لم يتجاوز (كن) إلى (كان) فهو محصور بالمكان، فكان: ذاته، وكن: كلمته، ويكون: أنت.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة العاشرة بعد المائة

من لم يتجاوز (كن) إلى (كان) فهو محصور بالمكان، فكان: ذاته، وكن: كلمته، ويكون: أنت.

يكشف الإمام عن حقيقة “كن” و “كان” فيقول: كن: لك وهى الخلق الجديد، كان: له هو فيك، ولكنها لم تظهر فيك لك إلا بكنتيتك، فكنتيتك مظهر لظهور “كان” Y.

كن: حضرة الافتتان، وكان حضرة الأمان.

كن: حضرة الإبراز، وألست حضرة الانفصال.

كن: هى سر القدرة، التى تبرز ما قدره الله تعالى أزلاً فى آنات معلومة.

كلمة كن: بها تمام الوجود كله، وبها صار دالاًّ بوجوده على قدرة الله فى إبراز ما يشاء وفق مراده سبحانه، فكلمة:” كن” ليست مركبة من حرفى الكاف والنون، ولكنها فى حقيقتها إرادة إلهية، ومشيئة ربانية، تبرزها قدرة أزلية، وحيطة علمية، وحكمة إبداعية، ووسعة أبدية، تجلت بمقتضى ظهور أسماء الله الحسنى، وصفاته الأسنى، التى بمقتضاها تكون كلمات الله فى غيب بطونها ظاهرة جلية، كما تكون فى نفس الوقت فى نور ظهورها باطنة خفية.

قال ابن الجارود رحمه الله: أتى أناسٌ من أهل اليمنِ إلى رسول الله J فقالوا: يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين، فأنبئنا عن بَدء هذا الأمر ما كان؟ فقال:

(كان اللهُ ولم يكن شىء غيرُه، وكان عرشُهُ على الماء، وكتب في الذكر كلَّ شىء، ثم خلقَ السموات والأرض) رواه البخارى ومسلم.

ومعناه أن الله تعالى كان في الأزل أي فيما لا ابتداء له وحده، ولم يكن مكان ولا ظلام ولا نور ولا عرش، ولا كرسي ولا فراغ، كان موجودًا في الأزل بلا مكان ولا جهة، ولم يكن العالَم كله، فلا يقال: إنه كان في داخل العالم ولا في خارجه، ولا يقال كان متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، والله لا يتغير بعد أن خلق العالم، ما زال موجودًا بلا جهة ولا مكان، ومهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك، قال رسول الله J: (لا فكرة في الرب) رواه أبو القاسم الأنصاري.

لا يسأل عن الله بالأين المكانى

إن من ثوابت العقيدة عند المسلمين أن الله تعالى لا يحويه مكانٌ ولا يَحُدُّه زمانٌ؛ لأنَّ المكانَ والزمانَ مخلوقان، وتعالى الله سبحانه أن يُحيطَ به شيءٌ مِن خَلقِه؛ بل هو خالق كل شيءٍ، وهو المُحيط بكل شيءٍ.

أن هذا الاعتقاد مُتَّفَقٌ عليه بين المسلمين لا يُنكِرُه منهم مُنكِرٌ، وعبَّر عن ذلك أهلُ العلم بقولهم: كان الله ولا مكان، وهو على ما كان قَبلَ خَلقِ المكان؛ لم يتغير عمَّا كان، ومِن عبارات السلف الصالح في ذلك: ما نقله الإمام السبكي في “الطبقات” عن الإمام جعفر الصادق A: مَنْ زعم أن الله في شيءٍ، أو مِن شيءٍ، أو على شيءٍ، فقد أشرك؛ إذ لو كان في شيءٍ لَكَانَ مَحصُورًا، ولو كان على شيءٍ لَكَانَ مَحمُولاً، ولو كان مِن شيءٍ لَكَانَ مُحْدَثًا.

وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي 0: أَخْبِرْنا عن الله عز وجل، فقال: إلهٌ واحدٌ، فقيل له: كيف هو؟ قال: مَلِكٌ قادرٌ، فقيل له: أين هو؟ فقال: بِالمِرصاد، فقال السائل: لَم أسألْك عن هذا؟ فقال: ما كان غير هذا كان صفة المخلوق، فأما صِفَتُه فما أَخبَرْتُ عنه.

وسُئِل ذو النُّونِ المصري 0 عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾، فقال: أَثْبَتَ ذاتَه ونَفَى مَكانَه؛ فهو موجودٌ بذاته، والأشياء بِحِكمته كما شاء، إشارة إلى أن ما وَرَدَ في الكتاب والسُّنة مِن النصوص الدالَّةِ على عُلُوِّ الله عزَّ وجَلَّ على خَلقِه، فالمُراد بها عُلُوُّ المكانةِ والشرفِ والهَيْمَنَةِ والقَهْرِ؛ لأنه تعالى مُنَـَزَّهٌ عن مُشابَهَةِ المخلوقين، وليسَتْ صِفَاتُه كَصِفَاتِهم، وليس في صِفَةِ الخالق سبحانه ما يَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ المخلوق مِن النَّقص، بَل له جَلَّ وعَلا مِن الصِّفَات كَمَالُها، ومِن الأسماء حُسْنَاها، وكلُّ ما خَطَرَ بِبَالِكَ فاللهُ تعالى خِلافُ ذلك، والعَجْزُ عن دَرْكِ الإدراكِ إدراكُ، والبحث في كُنْه ذات الرب إشراكُ.

فإذا سَأَلَنا إنسان: أين الله؟ أجبنا بأن الله سبحانه وتعالى ليس كَمِثْلِه شيءٌ، كما أَخبَرَ سبحانه عن نفْسِه في كتابه العزيز؛ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

أما السؤال عن الله سبحانه وتعالى بـ”أين” كمسألةٍ عقائدية: فيؤمن المسلمون بأن الله سبحانه وتعالى واجِبُ الوُجُود، ومعنى كَونِه تعالى واجِبَ الوُجُودِ: أنه لا يَجوزُ عليه العَدَمُ، فلا يَقبَلُ العَدَمَ لا أَزَلاً ولا أَبَدًا، وأنَّ وُجُودَه ذَاتِيٌّ ليس لِعِلَّةٍ، بمعنى أنَّ الغَيْرَ ليس مُؤَثِّرًا في وُجُودِه تعالى، فلا يُعقل أن يُؤَثِّرَ في وُجُودِهِ وصِفَاتِهِ الزمانُ والمكانُ.

وإذا قُصِدَ بهذا السؤال طَلَبُ مَعرِفَةِ الجِهَةِ والمكانِ لِذَاتِ الله، والذي تَقتضي إجابَتُه إثباتَ الجِهَةِ والمكانِ لله I، فلا يَليقُ بالله أن يُسأَل عنه بـ”أين” بهذا المَعنى؛ لأنَّ الجِهَةَ والمكانَ مِن الأشياءِ النِّسْبِيَّةِ الحَادِثَةِ، التى لا تليق بالله I.

وعلى ذلك: فلَو قال مُسلِمٌ: الله في السماء، فيجب أن يُحمَلُ قَولُه على مَعنَى أنَّ الله لَهُ صِفَة العُلُوِّ المُطْلَقِ في المَكانةِ على خَلْقِه؛ لأنَّ الله تعالى مُنَزَّهٌ عن الحُلُولِ في الأماكن، فهو سبحانه بِكُلِّ شيءِ مُحيطٌ، ولا يُحيط به شيءٌ، والقولُ بأنَّ الله تعالى في السماء مَعناهُ: عُلُوُّهُ على خَلْقِه لا أنَّهُ حالٌّ فيها، حاشاه سبحانه وتعالى، أما مَن يَعتقدُ أنَّ الله تعالى في السماء بِمَعنَى أنها تُحيط به إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فهذا أمرٌ لا يَجوزُ اعتِقَادُه، ويَجبُ تَعلِيمُهُ حِينَئذٍ الصوابَ مِن الخطأ في ذلك، وكَشفُ الشُّبهَةِ العالِقَةِ بِذِهْنِهِ فهذا خطر كبير.

وقد ورد أن النبي J سأل ِجاريةً فقال لها: (أين الله؟) فأشارت بأصبعها إلى السماء، فقال النبي o لصاحبها: (أَعتِقْها فإنها مؤمنة) رواه مسلم، وليس في ذلك إثباتُ المكانِ لله؛ وإنما ذلك لأنَّ السماءَ قِبْلَةُ الدُّعاءِ؛ لأنَّ جِهَةَ العُلُوِّ هي أشرفُ الجِهَاتِ، لا أنَّ الله مَحصُورٌ فيها، حاشاه I عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، ولذلك قال الإمام النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى في “شرح صحيح مُسلِمٍ”، وهو يَتَحَدَّثُ عن مَسْلَكِ التأويل: كان المُرَادُ امتِحَانُها؛ هل هي مُوَحِّدةٌ تُقِرُّ بأنَّ الخالقَ المُدَبِّرَ الفَعَّالَ هو اللهُ وَحْدَهُ، وهو الذي إذا دَعَاهُ الداعي استَقْبَلَ السماءَ، كما إذا صَلَّى المُصَلِّي استَقْبَلَ الكعبةَ؟ وليس ذلك لأنه مُنْحَصِرٌ في السماء، كما أنه ليس مُنْحَصِرًا في جِهَةِ الكعبة، بل ذلك لأنَّ السماءَ قِبْلَةُ الدَّاعِين، كما أنَّ الكعبةَ قِبْلَةُ المُصَلِّين، أو هي مِن عَبَدَةِ الأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: في السماء، عَلِمَ أنها مُوَحِّدَةً وليست عابِدَةً للأوثان.

هو الأول والآخر

إن المسلمين يؤمنون بأنَّ الله سبحانه وتعالى قديمٌ، أي إنَّهُم يُثْبِتُونَ صِفَةَ القِدَمِ، وهو القِدَمُ الذاتِيُّ ويَعني عَدَمَ افتِتَاحِ الوُجُودِ، أو هو عَدَمُ الأَوَّلِيَّةِ لِلوُجُودِ، وهو ما استُفِيدَ مِن كتابِ الله في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾، وقَولِه J: (أنتَ الأولُ فليس قَبلَكَ شيءٌ) رواه مسلم؛ فصِفَةُ القِدَمِ تَنفي أنْ يَسبِقَ وُجُودَهُ وُجُودُ شيءٍ قَبلَهُ أو وُجُودُ شيءٍ معه، لذا فهي تَسلُبُ مَعنى تَقَدُّمِ الخَلقِ عليه.

وكذلك فإن صِفَاتُ الله I كذلك قَديمةٌ، فهي لا تَتَغَيَّرُ بِحُدُوثِ الحوادثِ وإثباتُ الجِهَةِ، والمكانِ مَعناه يَقتضي هذا التَّغَيُّرَ، وبهذا تَكُونُ الفَوْقِيَّةُ المكانيةُ أو العُلُوُّ المكانِيُّ صِفَةً حادِثَةً نَتَجَتْ عن حادِثٍ؛ ولِذا فهي لا تَصلُحُ صِفَةً لله I، ولا يجوزُ وَصْفُ الله I بالحوادث، فلا يُوصَفُ سبحانه بأنه فَوقَ شيءٍ أو في جِهَةٍ، على مَعنَى المكانِيَّةِ والجِهَةِ، تعالى الله سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا.

يقول الإمام أبو العزائم 0:

ظهـر الجـلالُ فزُلزلت أرجائى

وتجــددت بظهـوره أدْوائــى

ما كنت أعهـد قبـل مظهر سرِّه

أن الجـلالَ مفتِّـت أعضائــى

جاء الجمالُ ببـسطه فتـرنَّـحت

روحى على غصنٍ بروضِ بهائِى

لما بدا هذا الجمالُ لناظــــرى

أواه منه تشتَّت آرائــــــى

يا مظهرًا صُعق الكـليم بهـولِـه

أنا قد صُعقت وصحَّ ثَـم عنائـى

وإياك أن تعتقد – أخى الموحد – أن “كن” أو “كان” مرتبطة بترتيب زمنى أو مكانى عند الله، بل هى قائمة أزلية أبدية بلا بداية ولا نهاية، متعلقة بذات الله سبحانه، فالله “كان” ليس كفعل ماض وانتهى الأمر، بل هو على ما هو عليه كان على الدوام بصفته الأول والقديم، و”كن” أمر إلهى متعلق بالعلم والإرادة الإلهية القديمة الأولية، وما زال هذا الأمر قائم باق مستمر؛ لأنه مرتبط بالآخرية، فهو سبحانه: الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، “كان” ذاته، و”كن” كلمته، و”يكون” أنت.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.