شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (101)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (101)

islam wattan . نشرت في المدونة 11833 لاتعليقات

 الحكمة الواحدة بعد المائة

ظاهر القرآن يُفهم بنور العقل، وباطنه يُفهم بنور الإيمان، وحدُّه يُفهم بالنفس الملكية، ومطلعه يُفهم بنور النفخة القدسية.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الواحدة بعد المائة

ظاهر القرآن يُفهم بنور العقل، وباطنه يُفهم بنور الإيمان، وحدُّه يُفهم بالنفس الملكية، ومطلعه يُفهم بنور النفخة القدسية.

أودع الله فى الإنسان حقائق ملكوتية، يتلقى بها المعارف من رب البرية، كالعقل والقلب والنفس والروح ونفخة القدس، ولكل منها قسط من الظهور بحسب سطوع شمس التحقيق فى أفقها، من غير غمام ولا حجب، فإذا قرأت القرآن وجدت أن الكتاب ظاهره المصحف الكريم، وباطنه الآيات فى النفس والآفاق، وحَدُّه الروح وهى الصورة الباقية، ومطلعه حضرة التنزيل، وهى أم الكتاب J، فظاهر كلام الله حدود، وباطنه شهود، فمن فقد الحدود حُرم الشهود، ومن وقف عند الحدود فقَد الشهود، والعارف بالله آخذ بالعزائم فى الحدود بظاهره، فانٍ عن علمه بشهود التوحيد بالتوحيد.

مراتب التلاوة لكتاب الله: سماع فتصديق فعلم فشهود، التلاوة للسالك، والترتيل للواصل، والقراءة للمتمكن، وعليك أيها المستمسك بكتاب الله أن ترتل القرآن فى الاتحاد، واتل كتاب ربك فى الاصطناع، واصغ بأذن روحك لقراءة القرآن من مُنزِله، ثم اتبع قرآنه ترتيلاً، ولا تعجل فإنك فى مقام بقاء بعد الفناء، فالقرآن: كلام الله، والفرقان: أحكام الشريعة، والنور: تزكية النفوس، والتنزيل: الأخلاق، والكتاب: جامع التاريخ، والذكر: العبرة والتذكرة، فالكتاب المرتل: أحكام وحكم، والذكر: أخبار وعبر، والنور: تبيان للوصول، والفرقان: بيان للحجة.

وإذا ما جعل الإنسان قلبه مهبطًا لتنزل آيات القرآن: )وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ( (الإسراء: ٨٢)، فإن الله يتجلي عليه بعلوم العلم الخامس من وظائف الرسالة الخمسة، وهو العلم اللدني: )وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ( (البقرة: ١٥١) – ليدخل في دائرة الذكر الأكبر: )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ( (البقرة: ١٥٢)، فيفقه الإنسان ما يقال وإن كان صعبًا؛ لأن مقدمة علوم الآخرة موجودة هنا في الدنيا، فإذا تعرض لها هنا كان مؤهلاً للتلقي هناك، وبعد علوم الأحكام الشرعية، تصح الصلاة وتصح الزكاة ويصح الحج ويصح الصوم، ويدخل الإنسان في دائرة حكمة الحكم، ورسول الله J يقول: (من أخلص لله أربعين صباحًا تفجرت ينابيع الحكمة على قلبه ولسانه)، والإخلاص سر بين الرب وعبده، فيعلمه ربه ما لم يكن يعلم.

القراءة والترتيل

إن قراءة القرآن شيء والتدبر في معانيه شيء آخر، والنبي J يحض علي التفكير في آلاء الله، ويحض كذلك علي التدبر في كلام الله، إن كلام الله صفة قديمة أزلية لا تنتهي معانيها: )وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ( (لقمان: 27)، وأوجد الله فينا ما يسمي بالقابل النوراني، وهو الاستعداد الروحي لفهم كلام الله والاندماج فيما قاله رسول الله J، وإذا ما أكرم الله العبد بالقابل النوراني، وأكرمه كذلك بالعالِم العامل أو المرشد الكامل انفعل قلبه، وتلقي بسر القابل من رب العالمين، وفقه عن سيد المرسلين.

فالقرآن المجيد مورد آل العزائم الروى، وروضهم الجنى، وحوضهم المورود، وكوثرهم المشهود، وميزان أحوالهم، ومرجع مقاماتهم. يسألونه قبل العمل فإن أذن سارعوا، وإن منع تركوا واستغفروا، فهو الإمام الناطق وإن صمت؛ لأنهم يسمعونه عن رسول الله J، فهو الناطق لهم J على ألسنتهم به، فتسمعه آذان قلوبهم حضورًا ووجودًا من حضرة رسول الله J، وإن كان التالى له إنسانًا آخر.

والقرآن طهور الحب، وحلل القرب، ولا يوفق للعمل بالقرآن إلا من جذبته العناية واقتطعته المشيئة، واختطفته محبة الله السابقة له، وأهل الفرقة الناجية هم الذين يتعهدون القرآن الكريم حق تعهده، ويتلونه حق تلاوته، تبلغ بهم حالتهم فى تلاوتهم أنهم يكاشفون بأنوار مجالستهم للمتكلم سبحانه، سر قوله J: (يقول الله تعالى: أنا جليس الذاكرين).

وأفضل القراءة الترتيل؛ لأنه يجمع الأمر والندب، وفيه التدبير والتذكير، عن سيدنا علىّ كرم الله وجهه: لا خير فى عبادة لا فقه فيها، ولا فى قراءة لا تدبر فيها، وعن ابن عباس 5: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما؛ أحب إلىَّ من أن أقرأ القرآن كله هذرمة، وروى عنه أيضًا: لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما؛ أحب إلىّ من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذرًا.

الظاهر والباطن والحد والمطلع

وفي تفسير الصافي عن الإمام عليّ A: ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العبد بها.

والمراد بالتلاوة ظاهر مدلول اللفظ، بدليل أنه A عده من المعاني، فالمراد بالفهم في تفسيره الباطن، ما هو في باطن الظاهر من المعنى، والمراد بقوله: هو أحكام الحلال والحرام ظاهر المعارف، المتلقاة من القرآن في أوائل المراتب أو أواسطها في مقابل المطلع الذي هو المرتبة العليا، والحد والمطلع نسبيان كما أن الظاهر والباطن نسبيان، فكل مرتبة عليا هي مطلع بالنسبة إلى السفلى، والمُطَّلع إما بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام، اسم مكان من الاطلاع، أو بفتح الميم واللام وسكون الطاء اسم مكان من الطلوع، وهو مراد الله من العبد بها كما ذكره الإمام عليّ A.

وقد وردت هذه الأمور الأربعة في الحديث النبوي المعروف هكذا: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع) وفي رواية: (ولكلٍ حد ومطلع)، ومعنى قوله J: (ولكل حد مطلع) على ما في إحدى الروايتين، أن لكل واحد من الظهر والبطن الذي هو حد مطلع يشرف عليه، هذا هو الظاهر، ويمكن أن يرجع إليه ما في الرواية الأخرى (ولكلِ حد ومطلع) بأن يكون المعنى: ولكل منهما حد هو نفسه ومطلع، وهو ما ينتهى إليه الحد فيشرف على التأويل، لكن هذا لا يلائم ظاهرًا ما في رواية الإمام علي A: ما من آية إلا ولها أربعة معان… إلخ، إلا أن يراد أن لها أربعة اعتبارات من المعنى وإن كان ربما انطبق بعضها على بعض.

وعلي هذا فالمتحصل من معاني الأمور الأربعة، أن الظهر هو المعنى الظاهر البادئ من الآية، والباطن هو الذي تحت الظاهر، سواء كان واحدًا أو كثيرًا، قريبًا منه أو بعيدًا بينهما واسطة، والحد هو نفس المعنى سواء كان ظهرًا أو بطنًا، والمطلع هو المعنى الذي طلع منه الحد وهو بطنه متصلاً به.

يقول الإمام 0:

علىَّ لقد قرأوا الكتاب مفـصَّلا

فصرت عليمًا بالـذى أحيانـى

وفى لوح ذاتى سطروه بنورهم

فشاهدتهم فيه بغير توانـــى

قرأتُ وأمليتُ الذى قد شهدتُـه

لكـل محبٍ من خليل وإخوان

وفى الحكمة أن ظاهر القرآن الذى يظهر من الآية بمدلول ألفاظها، هذا يفهم بنور العقل، الذى يتدبر فى الألفاظ مدركًا معانيها الظاهرة، كما يفهمها كل قارئ، أما باطن القرآن فإنه يفهم بنور الإيمان، الذى محله قلب العبد المؤمن، بشرط أن يكون قلبًا سليمًا تشرق على مرآته أنوار المعانى، بعد أن تخلى عن الرَّان وتطهر من الحجب والأغيار، أما حد القرآن فيفهم بالنفس الملكية، التى تشبهت بعوالم الملكوت فى تقربها، وتطهرت من اللقس ومن الغفلة، وتزكت بما سمعت من ظاهر اللفظ والمعانى الباطنة، ولا يكون ذلك إلا على يد الطبيب الروحانى المكلف من الله بتزكية النفوس، أما مطلع القرآن وهو معرفة مراد الله منه، فذلك مقام عالى لا يفهم إلا بنور النفخة القدسية، التى هى سر الله فى عباده، وبها يعرفون مراده.

وإذا كان العبد ملقيًا السمع بين يدى سميعه، مصغيًا إلى سر كلامه، شهيد القلب لمعانى صفات شهيده، ناظرًا إلى قدرته، تاركًا لمعقوله ومعهود علمه، متبرئًا من حوله وقوته، معظمًا للمتكلم، واقفًا على حضوره، مفتقرًا إلى الفهم بحال مستقيم، وقلب سليم، وصفاء يقين، وقوة علم وتمكين، سمع فصل الخطاب، وشهد علم غيب الجواب.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.