شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (103)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (103)

islam wattan . نشرت في المدونة 13503 لاتعليقات

 الحكمة الثالثة بعد المائة

إذا أنت لم تسمع كلام الله، فكيف تجيب دعاءه؟.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الثالثة بعد المائة

إذا أنت لم تسمع كلام الله، فكيف تجيب دعاءه؟.

السماع: اسم مصدر كالنبات، وقد أمر الله به في كتابه، وأثنى على أهله، وأخبر أن البشرى لهم، فقال تعالى: )وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا( (المائدة: 108)، وقال سبحانه: )وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا( (التغابن: 16)، وقال تعالى: )وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ( (النساء: 46)، وقال تعالى: )الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ( (الزمر: 18)، وقال تعالى: )وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا( (الأعراف: 204)، وقال سبحانه: )وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ( (المائدة: 83).

وجعل الإسماع منه والسماع منهم، دليلاً على علم الخير فيهم، وعدم ذلك دليلاً على عدم الخير فيهم، فقال تعالى: )وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ( (الأنفال: 203)، وأخبر عن أعدائه أنهم هجروا السماع ونهوا عنه، فقال تعالى: )وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ( (فصلت: 26)، فالسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه، وكم في القرآن من قوله: )أَفَلا يَسْمَعُونَ(، وقال: )أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا… ( (الحج: 46).

وأصحاب السماع منهم من يسمع بطبعه ونفسه وهواه، فهذا حظه من مسموعه ما وافق طبعه، ومنهم من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله، فهذا يفتح له من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته، ومنهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره، كما في الحديث القدسى الصحيح: (فبي يسمع وبي يبصر)، وهذا أعلى وأفضل السماع.

وقد نقل محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله، عن إبراهيم بن عبد الله القلانسي، رحمه الله تعالى؛ أن الإمام أحمد قد أقر الصوفية على ذلك وامتدح أحوالهم، فقال: لا أعلم أقوامًا أفضل منهم، قيل له: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة.

وقال السفاريني أيضًا: والسماع مهيّج لما في القلوب، محرِّك لما فيها، فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر الله تعالى، صافية من كدر الشهوات، محترقة بحب الله، ليس فيها سواه، كان الشوق والوجد والهيجان والقلق كامنًا في قلوبهم كمون النار في الزناد، فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها؛ فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف ما في قلوبهم، فيستثيره بصدمة طروقه وقوة سلطانه، فتعجز القلوب عن الثبوت عند اصطدامه، فتبعث الجوارح بالحركات والصرخات والصعقات، لثوران ما في القلوب.

وقد سئل الإمام الجنيد: ما بال الإنسان يكون هادئًا، فإذا سمع السماع اضطرب؟ فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذر في الميثاق الأول، بقوله: )ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى( (الأعراف: 172)، استفرغت عذوبة سماع الكلام الأرواح، فلما سمعوا السماع حرّكهم ذكر ذلك.

السماع عند الإمام

يرى الإمام أبو العزائم 0 أن السماع من أكمل أنواع تزكية النفوس، خصوصًا مواجيد أهل الصدق، ممن وقع بهم العلم على عين اليقين، وهجمت عليهم صولة الحق فأفنتهم عنهم، فيترنمون بألحان شجية، وتلك المواجيد – خصوصًا لأهل النفوس الطاهرة الطيبة – نوع من أنواع الرياضة والتزكية، فإذا صغت الآذان إلى تلك المعاني القدسية بالألحان الشجية، زكت النفس وأقبلت، وأحبت مَن تتغنى به عن وجد وحال.

ويقول في إحدى قصائده:

تغنـوا معي بالحال إن دارت الراح

فكم عند شرب الراح تُصعق أرواح

فداوودُ بالمزمـارِ غنَّى فـأوبـت

أغـانِيَـه الأحجـارُ والأشـبـاح

وهـا أنـا مخمـورٌ براحٍ مقدسٍ

ولـم تـدره الأرواح والأقــداح

تناولتُه من قبـل مجـلى حقيقـتي

ونـاوله الوهـابُ والفتــــاح

والسمع عنده صفة قديمة تتكشف بها المسموعات، ولكن لا بأذن وصماخ، تعالى الله عن صفة الحوادث علوًّا كبيرًا، وهناك توافق بين السماع والعيان: إن الأرواح فى عالم الذر شهدت الجمال الإلهى، وسمعت الخطاب الربانى، فهى فى شوق إلى ما شهدت وسمعت، فإذا أخبرها الصادق، اطمأنت وسكنت إلى الحق، لما ذاقته من معانى خبره، والذى صادق ما تشتاق إليه، فوقع موقع الشهود العينى.

منازل السماع

1ـ السماع عند الواصلين: تصفية السر عما سوى الحق لاستجلاء أنوار الجمال، وبهاء الجلال، وضياء الكمال، وانبلاج أنوار المواجهات فى المنازلات، والمسارعة إلى مقابلات الصفا والوفا، وهو نفثات قدسية، من مشكاة الأنوار المحمدية، فى روع فارغ مما سوى الله.

2ـ أعلى مقامات السماع: أن يسمع الفرد الكامل صورة الرحمن من الرحمن، حيث لا قيود ولا أعلام، ولا حيطة ولا إمكان.

المسموع: هى نغمات التسبيح بالتلويح، من روح قرآن الحقائق سماعًا من الموصوف، عند الاتحاد فى المعروف، أو قبسًا من مشكاة الأنوار، عند الفناء بالأسرار فى تنزل القرآن، أو من الختم الوارث استحضارًا وبيانًا، ثم كشفًا وعيانًا، وهو القول الثابت، قال تعالى: )يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ( (إبراهيم: 27).

جاء في كتاب: “خاتم الوراث المحمديين” – نقلاً عن: “حجة الذاكرين ورد المنكرين” للشيخ عبد القادر الإربلي – أن السماع على ثلاثة أقسام: محرم، ومباح، ومندوب:

فمَن غلبت عليه شهواته، وتكدرت بواطنه، وفسدت مقاصده، فلا يحرك السماع إلا ما هو الغالب عليه من الصفات المذمومة؛ فالسماع في حقه حرام، ومَن تحرك في قلبه بالسماع محبة زوجته، أو تذكر به غائبًا أو ميتًا، فيثير به حزنه فيستريح بما يسمعه؛ فالسماع له مباح.

ومَن غلب عليه حبُّ اللهِ والشوقُ إليه، فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة، وتضاعف الأشواق إلى الله، واستدعاء الأحوال الشريفة والمقامات العلية، والكرامات السنية والمواهب الإلهية؛ فالسماع له وفي حقه مندوب بل واجب، فسماعه ذكر من الأذكار مكتوب في صحائف الأبرار، وسماع الصوفية من هذا القبيل وهو ممدوح ومحمود.

والسماع عند الإمام المجدِّد أبي العزائم من النوع الثالث؛ الناتج عن إمعان النظر في الآيات؛ وشهود تجليات جمال الحق في الخَلق عند سماع آيات الحق تُتلى.

ولا بد للعبد أن يسمع الكلام من رب العالمين حتى يجيب نداءه، وهو الذى يُسمعه سبحانه كلامه، ويعلمه قرآن غيبه، ويُسمعه المختار غيب العهود، وهذا السماع يحيى القلوب ويقودها إلى مقامات القرب، فتجذب به الروح إلى المعبود، يقول 0:

يعلمنى الرحمنُ قرآنَ غيبِـــه

ويسمعنى المختارُ غيبَ عهودى

سمعتُ فأحيانى السماعُ وقادنى

إلى حُظوةِ الزلفَى بلا تحــديد

سماعٌ به كان الطهورُ يدار لـى

به جُذبتْ روحى إلى المعــبود

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.