شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (112)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (112)

islam wattan . نشرت في المدونة 18438 لاتعليقات

 الحكمة الثانية عشرة بعد المائة

تعرَّض إلى منازلِ نظراتِه، حتى يراك حيث يُحب، ولديها يمنحك بفضله فوق ما تُحب.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الثانية عشرة بعد المائة

تعرَّض إلى منازلِ نظراتِه، حتى يراك حيث يُحب، ولديها يمنحك بفضله فوق ما تُحب.

يقول الإمام فى الحكمة: سُئل رجل: أنت قليل العلم والعمل، فمن أين لك ما أنت فيه؟ فقال: تقربت إلى قلبٍ عامرٍ بالله، فنظر إلىَّ من هذا القلب، فقربنى فضلا منه.

ويقول: من أدام النظر بقلبه أورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه، ورعى حقه وخافه بالغيب، أورثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم، فما هى حقيقة النظرة:

النظرة فى اللغة لما معان متعددة: نظر إلى الشيء نظرًا: أبصره وتأمله بعينه، ونظر فيه: تدبر وفكر، ونظر لفلان: رقَّ له وأعانه، ونظر بين الناس: حكَم وفصَل بينهم، ونظره: حفظه ورعاه، وأن النظرة: اللمحة، ويقال: أصابته نظرة بمعنى عين.

النظرة فى القرآن والسنة

وفى القرآن الكريم نجد أول نداء فى القرآن الكريم للذين آمنوا، يناديهم الله I بأن يلتمسوا النظرة من رسول الله J، فيقول سبحانه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (البقرة: 104).

ولا يخفى أن نهيه I: (لا تقولوا راعنا) سببه كما يقول الطبرى فى تفسيره: أن كلمة: “راعنا” سب وتنقيص عند اليهود عليهم اللعنة، لذا أمرنا سبحانه بقوله تعالى: (وقولوا انظرنا) يقول الطبرى وفي تفسير الجلالين أيضًا: أى انظر إلينا، وعند القرطبي: أُمروا أن يخاطبوه J بالإجلال، والمعنى: أقبل علينا وانظر إلينا.

وكما أمر الله تعالى المؤمنين منذ عصر الصحابة الكرام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أن يلتمسوا النظرة من حضرته صلى الله عليه وآله، طلب من حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وآله وسلم فى سورة الكهف، ألا يصرف عيناه الشريفتان عن صحابته من أهل الصُّفَّة، حين قال سبحانه: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً( (الكهف: 28)، قال الطبرى والقرطبى: لا تصرف عيناك النظر عنهم،‏ ويزيدك وضوحًا قول الزجَّاج‏: إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة‏، وحاشا للنبى عليه الصلاة والسلام أن يفعل ذلك.

ويزيد هذا المعنى وضوحًا في القرآن الكريم أيضًا قوله تعالى: )يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ( (الحديد: 13)، وفي تفسير الجلالين: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا) أى: أبصرونا.

وليس أدل على تاثير النظرة مما فعله أخوة سيدنا يوسف A بأخيهم, وما فعلوه إلا ليستحوذوا على نظرة أبيهم, فحكى لنا القرآن قولهم: )اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ( (يوسف: 9)، وكما جاء فى تفسير الجلالين: (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ)‏ بأن يقبل عليكم ولا يلتفت لغيركم، ‏( وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ)‏ أي بعد قتل يوسف أو طرحه (قَوْمًا صَالِحِينَ) بأن تتوبوا.

والحرمان من نظرة الله يكون عقابًا يعاقب الله به الخائنين يوم القيامة، يقول I: )إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (آل عمران: 77)، وهذا دليل على وجود هذه النظرة من الله لعباده الصادقين، ونظرة الله للعباد إنما تكون نظرة رحمة ومغفرة وعفو وجود وإحسان وعطاء ربانى، مثل تلك النظرة الإلهية التى وردت فى قول المصطفى J: (أعطيت أمتى فى رمضان خمسًا لم يعطهن نبى قبلى فإذا كانت أول ليلة نظر الله إليهم ومن نظر الله إليه لا يعذبه.. إلى آخر الحديث) فالله ينظر إليهم نظرة هداية ورعاية وإعانة، حتى قبل أن يشرعوا فى صيام الشهر الكريم.

والنظرة فى القرآن عبادة؛ لأن فيها التفكر والتدبر والاعتبار، حيث يقول سبحانه: )قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ( (يونس: 101)، ويقول سبحانه: )قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ( (العنكبوت: 20)، ويقول تبارك وتعالى: )فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ( (اطارق: 5، 6)، ويقول سبحانه: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ( (عبس: 24)، )أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ( (الغاشية: 17)، وغير ذلك كثير، والله يأمرنا بها؛ لأن فيها معرفة الآيات فى النفس وفى الآفاق، وهذه المعرفة تقربه من المبدع الخلاق، فيزداد بها إيمانًا ويقينًا.

والنظرة فى السنة النبوية المطهرة لها شأن كبير، ولها فضل عظيم؛ لأنها من أعظم عطاءات الحق I لأحبابه، مما يفوق الجنة بكل ما فيها، كما ورد فى الحديث الشريف: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي J قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم U، ثم تلا هذه الآية: )لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ( (يونس: 26)، فليس أفضل عند أهل الجنة بكل ما فيها إلا النظر إلى الخالق تبارك وتعالى، وفى السنة بيان لنظرات الخير والشر، كنظرة المحبة والمودة والرحمة والتربية ونظرة الشهوة والحسد وغير ذلك .

نظرات العارفين

وهناك نظرة الإمداد والعلم والإرشاد، وتكون من المرشدين للمسترشدين، ومن الشيوخ للمريدين، ومن المعلمين للمتعلمين، والتى يقول فيها الإمام أبو العزائم 0 وأرضاه:

أمن القلوب الى القلوب شرابى

ومن الفؤاد الى الفؤاد خطـابى

ومن اللطيفة للطيفة نظرتــى

تعطى لمطـلوب من الوهـاب

ومن الخفا والسر للألبـــاب

قد تعطى علوم الغيب للأحباب

وفى كتابه: “اصطلاحات الصوفية” يتكلم الإمام عن النظر والعيون الناظرة فيقول: العيون الناظرة لا يخلو حالها إما أن تكون ناظرة به أو بها، فإن نظرت به شهدته فيما نظرت، فلا ترى إلا كمالاً، ولا تشهد إلا جمالاً، مهما كان شأن المرئى، وعندها يكون التحقق بنفس المظاهر المضافة إلى الصفات والأسماء، فإذا نظر إلى صورة جميلة شهد المنعم، وإذا نظر كرمًا وعلمًا شهد المعطى الوهاب، وإذا نظرعناءً وشدة شهد المنتقم الجبار، فهو لا ينظر إلا الأحدية المحيطة بكل العوالم، وبهذا المعنى صار الناظر له به يشهده، فإذا شهده وشهد عنه، وشهد به وشهد منه، وشهد فيه، وشهد له مع التنزيه، شهد الجمال المطلق، وعاين الحُسن الصرف، وصار حق اليقين سمعه، وبصره ويده إلى آخره.

مقامات أهل النظر للوجه الكريم:

النظر للوجه: رؤية المؤمنون لربهم فى الدنيا بالقلوب، وفى الآخرة بالانكشاف المنزه عن المقابلة، والجهة والمكان، والمنظور إليه يوم القيامة يختلف بقدر المقامات:

1- أهل الاصطفاء: ينظرون إلى وجه الله تعالى العلىِّ.

2- أهل الاجتباء: ينظرون إلى ما أعده لهم سبحانه من النعيم والمسرات.

3- السالكون: ينظرون إلى واسع الرحمة وعميم العفو.

4- المتهاونون بأحكام الله: ينظرون إلى هول ذلك اليوم وشدته.

5- أهل الكفر: يساقون إلى جهنم.

قال تعالى: )وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ( (القيامة: 22، 23)، ولا يظفر بهذه النضرة فى الوجوه والنظرة إلى الرب إلا العشاق.

النظر إلى النعمة والنظر إلى المنعم:

الإنسان له نظرتان:

الناظر للنعمة: إذا كان نظره إلى النعمة تذكر من أين هى.

الناظر للمنعم: إذا نظر إلى المنعم لاحظ من هو عدمًا، ومن الوجود له.

الناظر إلى المرشد: نظر من زكت نفسه إلى المرشد نظرة أخفت المرآة، وأظهرت الصورة، والشقى من خفيت عنه الصورة وظهرت المرآة، ومن تفضل الله عليه بعارف ربانى عالم روحانى، وأقام معه على حفظ العهد بالسمع والطاعة، زكت نفسه فحصل أنسه، وزال لبسه، وبالله التوفيق.

أهل النظر الحقيقى: يفنون به فيه عن سواه، فيشهدونه بهم فيهم عنه له هو، من حيث تنزيهه، ولا يشغلهم شأن فى مظهر الصور، عن شأن ظهور الحق فى أسمائه وصفاته، وهذه حالة من وحَّد، فهو لا يرى لنفسه همة، لشهود معبوده الحق فعالاً حقيقيًّا، فى كل المظاهر المجلوة عن الأعيان البصرية والبصيرية، ولا بُعد ولا كسل ولا تأخير، لتعلق كل ذلك بالإرادة الإلهية والقدرة الواحدية.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.