شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (115)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (115)

islam wattan . نشرت في المدونة 19839 لاتعليقات

 الحكمة الخامسة عشرة بعد المائة

ليسَ التَّنسُّك بلُبْس الحُلل الخَلَِقَة، وإنما الناسِكُ من طهَّر خُلقَه.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الخامسة عشرة بعد المائة

ليسَ التَّنسُّك بلُبْس الحُلل الخَلَِقَة، وإنما الناسِكُ من طهَّر خُلقَه.

جاءت الشريعة الإسلاميّة حاثّةً على الأخلاق الكريمة، وبانيةً للشخصيّة المسلمة القويمة، ومُعزِّزة لحميد الصّفات وطيّب الخِصال، وقد شملت الأخلاق، وغطّت جميع مجالات الحياة ومناحيها المختلفة؛ لتكون الأخلاق بذلك ناظمةً لعلاقات المسلم كلّها، بدءًا من علاقته بالله I، ورسوله J، ثمّ علاقته بنفسه، ثمّ علاقته بغيره من النّاس من حوله، ولعلّ الشواهد على اهتمام الشريعة الإسلاميّة بالأخلاق كثيرة، فأهمّ غايات بعثته J إتمام الأخلاق الحسنة، ومواصلة غرسها في النّفوس، لقوله J: (إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ).

وفى اللغة يقال: تنسَّك الرَّجُلُ نسَك: تزهّد وتعبَّد، نسك لله: تقرب إليه بأعمال البر والطاعة، رجل ناسك: عابد، الناسك: المتعبد المتزهد، والجمع: نساك.

والسلوك أو الحال أو الأخلاق الذي يتصف به الإنسان له ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: هي الاتصاف بصفة على وجه السرعة وفقدانها بذات السرعة، وهذا ما يسمى بالحال، كما في حمرة الخجل أو صفرة الوجل، التي تحصل للمرء عند وجود السبب لها وترتفع بارتفاعه.

المرتبة الثانية: هي الاتصاف بصفة ما ببطء وتكرار، حتى ترسخ في النفس إلى درجة الملَكة، فتصدر عن صاحبها بسهولة وسرعة دون تأمل أو روية.

المرتبة الثالثة: هي اتصاف الإنسان بصفة وصلت إلى حد الاتحاد مع ذاته، ولا تزول إلا بزوال الذات.

أهل البيت ومكارم الأخلاق

مكارم الأخلاق هبة يهديها الله تعالى لخلقه ترتفع بصاحبها إلى الدرجات العليا والمراتب الرفيعة، وهي درع واقية ضد الآثام والدنس، فلذا أكثر أهل البيت D من الحث عليها مستشهدين بقول جدهم J: (عَلَيكُم بمَكارِمِ الأخْلاقِ، فإنّ اللهَ عزّ وجلّ بَعثَني بها، وإنَّ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ أنْ يَعْفُوَ الرّجُلُ عَمَّنْ ظَلمَهُ، ويُعْطيَ مَن حَرمَهُ، ويَصِلَ مَن قَطعَهُ، وأنْ يَعودَ مَن لا يَعودُهُ)، وعنه J: (جَعلَ اللهُ سُبحانَهُ مَكارِمَ الأخْلاقِ صِلَةً بَينَهُ وبَينَ عِبادِهِ، فحَسْبُ أحَدِكُم أنْ يَتَمسّكَ بخُلقٍ مُتَّصِلٍ باللهِ)، وعن أمير المؤمنين الإمام علىّ A: فَهَبْ أنّهُ لا ثَوابَ يُرجى ولا عِقابَ يُتَّقى، أفَتَزْهَدونَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ؟، وعنه أنه قال: ثابِروا على اقْتِناءِ المَكارِمِ.

وعن الإمام جعفرالصادق A كلام جمع فيه أغلب مكارم الأخلاق، حيث قال: المَكارِمُ عَشْرٌ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تكونَ فيكَ فَلْتَكُنْ، فإنّها تَكونُ في الرّجُلِ ولا تكونُ في ولدِهِ، وتكونُ في ولدِهِ ولا تكونُ في أبيهِ، وتكونُ في العَبدِ ولا تكونُ في الحُرِّ: صِدْقُ البَأسِ، وصِدْقُ اللِّسانِ، وأداءُ الأمانَةِ، وصِلَةُ الرَّحِمِ، وإقْراءُ الضَّيفِ، وإطْعامُ السّائلِ، والمُكافأةُ على الصَنائِعِ، والتَّذَمُّمُ للجارِ، والتّذَمُمُ للصاحِبِ، ورأسُهُنَّ الحَياءُ.

واعلم أن هناك تلازم بين الخُلق الحسَن والعقل، وبين الخلق السيئ والجهل، فلذا نجد الإمام علىّ بن أبى طالب A يؤكد على ذلك بقوله: الخُلقُ المَحمودُ مِن ثِمارِ العقلِ، الخُلقُ المَذمومُ مِن ثِمارِ الجَهلِ، وإذا كانت صورة المؤمن جميلة فليحافظ على جمالها بحسن الخلق، يقولون جميلاً في الظاهر والباطن، كما ورد ذلك في سفينة البحار عن جرير بن عبد الله قال: قالَ لي رسول الله J: (إنّكَ امْرءٌ قَد أحْسَنَ اللهُ خَلْقَكَ فأحْسِنْ خُلقَكَ).

وإذا ادعى شخص الإيمان فانظر إلى ما يستند عليه هذا الإيمان، فإن كان له خُلق حسن فنعم السند وإلا فلا، وهذا أشار إليه الرسول الأكرم J: (لَمّا خَلقَ اللهُ تعالى الإيمانَ قالَ: اللّهُمَّ قَوِّني، فَقَوّاهُ بحُسنِ الخُلقِ والسَّخاءِ، ولَمّا خَلقَ اللهُ الكُفرَ قالَ: أللَّهُمَّ قَوِّني، فَقَوّاهُ بالبُخلِ وسُوءِ الخُلقِ) وإذا رغبت في ثواب القائمين والصائمين، عليك بالخلق الحسن لتنال درجتهم، وهذا ما أشار إليه نبي الرحمة J: (مَن حَسَّنَ خُلقَهُ بَلّغَهُ اللهُ درَجَةَ الصّائمِ القائمِ).

إذا ضعفت نفسك عن العبادة ولم تتوفر لك مستلزماتها، كصحة البدن وعدم الغفلة، والنشاط البدني والإقبال القلبي، فليس لك دواء لدائك إلاّ حسن الخلق، اسمع قول سيد المرسلين في ذلك إذ يقول: (إنّ العَبدَ لَيَبلُغُ بحُسنِ خُلقِهِ عَظيمَ دَرَجاتِ الآخِرَةِ وشَرَفَ المَنازِل، وإنَّهُ لَضَعيفُ العِبادَةِ)، فإذا أردت لميزانك أن يكون ثقيلاً يوم توضع الموازين، عليك بالتحلي بالخلق الحسن، وهذا ما صرح به رسول الله J بقوله: (ما مِن شَيءٍ أثقَلُ ما يُوضَعُ في المِيزانِ مِن خُلقٍ حَسنٍ).

إن لحسن الخلق ثمرات كبيرة فى الدنيا والآخرة، ففى الدنيا منها:

1- ينال صاحبه سعة في رزقه، ويكثر أصدقاؤه، كما قال ذلك الإمام علي عليه السلام: «حُسنُ الخُلقِ يَزيدُ في الرِّزقِ، ويُؤْنِسُ الرِّفاقَ».

2- قالوا: إن دار الظالم خراب، وأقول: إن دار سيئ الخلق مثله، ولكن دار من حسن خلقه عامرة بأهلها وبنائها، وعمْر سيئ الخلق قصير مبتور، وعمر حسن الخلق طويل في طاعة الله تعالى، ولذا نجد الإمام الصادق A يقول: «إنَّ البِرَّ وحُسنَ الخُلقِ يَعْمُرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعْمارِ».

3- إذا سر العاقل أن يكون محبوبًا ومحترمًا عند الناس، فما عليه إلا أن يكون ملتزمًا بحسن الخلق، فإن رسول الله J يقول: (حُسنُ الخُلقِ يُثَبِّتُ المَودَّةَ).

كيف تُحسِّن أخلاقك؟

إنّ تحسين أخلاق المسلم، وتعزيزها في نفسه، وترسيخها في شخصيّته؛ ليتمثَّلها في سلوكاته وتصرّفاته كلِّها، له طرق ووسائل عديدة، ومن هذه الطرق والوسائل ما يأتي:

أولاً: اتخاذ الشيخ المعلم: لأمور الدين المزكى للنفس، المطهر للقلب المؤدب بالخلق القويم.

ثانيًا: أداء العبادات: فإنّ في أداء العبادات والتزامها والمحافظة عليها طريقًا لتحسين الخُلق وتعزيزه في نفس الإنسان؛ فالعبادات على اختلافها تُقوِّم النّفس الإنسانيّة، وتحفظ علي صالح أخلاقها وتُنمِّيها؛ فالتزام الصّلاة يعزّز خُلق الانضباط، واحترام الوقت، وحفظ المواعيد، وغيرها من الأخلاق والقِيم، والصّيام كذلك يعزِّز في الإنسان خُلق الصّبر، ومُجاهَدة الهوى، وضبط النّفس، وفي عبادة الزّكاة تهذيب للنّفس بصونها ووقايتها من آفة الأنانيّة، وطغيان النَزعة الفرديّة.

ثالثًا: الموعظة والنُّصح: إنّ في الاستماع للعِظات والنّصائح التي يقدّمها الآخرون دورًا كبيرًا في تحسين الأخلاق، وتمكينها في النّفس، وقد جاءت نصوص القرآن الكريم ونصوص السنّة النبويّة بالكثير من المواعظ والنّصائح.

رابعًا: القدوة الحَسنة: اتّخاذ الإنسان قدوةً حسنةً له في حياته أمر يدفعه ليسير على نهج هذه القدوة، فيما يبتدر منها من أخلاقٍ حسنةٍ، ويتأثّر بخِصالها الحميدة، فيتخلّقها في تصرفاته من أقوالٍ وأفعالٍ.

خامسًا: صحبة الصالحين: ومعية الصادقين، والإخوة فى الله.

سادسًا: مجاهدة النّفس: يكون ذلك بتعويدها وتوطينها، وتدريبها على الخُلق الحَسن، حتّى تعتاده ويكون ديدنها في تصرُّفاتها وسلوكياتها، ولذلك قال J حول خُلقي الحِلم والعلم: (إِنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ).

سابعًا: تذكُّر ثواب الخُلق الحسن وعاقبة الخُلق السَّيِّئ: عندما يستحضر الإنسان في ذهنه ما سيترتّب عند التّحلي بالأخلاق الحسنة من ثوابٍ عظيمٍ، فسينتهج طريق هذه الأخلاق، ويلتزمها ويتمسّك بها، وفي المقابل إذا استحضر ما لسوء الخُلق من عواقب وخيمةٍ، فسيجتنبها ويتخلّى عنها.

ثامنًا: الدّعاء: إنّ اللجوء إلى الدّعاء من أفضل ما يُحسّن الأخلاق، فقد كان الرسول J يدعو فيقول: (اللهمَّ أنت الملكُ لا إله إلا أنت، أنت ربّي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي، فاغفرْ لي ذنوبي جميعًا، إنّه لا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنت، واهدِني لأحسنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأحسنِها إلاَّ أنت، واصرِفْ عني سيِّئَها، لا يصرفُ عني سيِّئَها إلاَّ أنت).

إن من الجهل والقصور أن يعتقد الإنسان أن التنسك بمعنى التزهد وسلوك الطريق يكون بلبس الثياب الخلقة أو المرقعة، فليس هناك ارتباط بين هذا وذاك، ومن يفعل ذلك مخالف لإجماع المسلمين، فالدين يدعو إلى النظافة وحسن الهيئة، وطيب الرائحة واكتمال الزينة، ولكن الناسك الحقيقى هو من طهّر خُلقه، عن طريق طهارة قلبه وتزكية نفسه، حتى يكون الانطباع عن الصوفية صحيحًا لا لبس فيه ولا تحريف.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.