شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (100)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (100)

islam wattan . نشرت في المدونة 10285 لاتعليقات

 الحكمة المائة

العارفُ من تحقق فناءَ ما سوى الأحد،

ولم يَشغله مالٌ ولا ولدٌ.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة المائة

العارفُ من تحقق فناءَ ما سوى الأحد،

ولم يَشغله مالٌ ولا ولدٌ.

قال تعالى: )وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ( (الأعراف: 46)، وقال تعالى: )وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ( (المائدة: 83).

حين يتكلم الإمام أبو العزائم 0 عن العارف، يبين أنه يشتغل بربه عن مفاخرة الأشكال فى مجالس العطايا، وعن منازعة الأضداد فى منازل البلايا، العارف من إذا واجهه ربه بجماله انقبض، وإذا واجهه بجلاله انبسط، ليس للعارف مطلب إلا الله فهو إليه آله أواه، وكيف لا؟ وقد استغرق جهرَه ونجواه، فهو معه أو عنده أو لديه، وفراره منه وإليه، متى عرفتَ الله، لا يخطر على قلبك سواه، ويجب أن لا تدخل على العارف بعلمك، بل ادخل عليه بجهلك.

ويعرفنا الإمام أن نفَسًا مع العارف خيرٌ من عبادة سبعين سنة؛ لأنه يرقى بك إلى كمالات التوحيد العالى، وإذا نظر السالك إلى عمله أو حاله أو علمه وقف، وإذا نظر الواصل إلى عمله أو حاله نقص، وإذا نظر العارف إلى عمله أو حاله أو علمه حُجِب؛ لأنه ينبغى أن يكون من أهل مقام: )قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا( (يونس: 58)، وفرحه ينبغى ألا يكون إلا بالمتفضل المنعم بالفضل والرحمة منه I، للعارف بالله لحظة مع الله لا تعلم الأرواح قدرها، ولا تدرك العقول نعتها.

العـارفون لهم ظهرت حقيقتُهم

فجملتـهم بعلـم الحق خشيتُهم

بعلمهم نفسهم علموا مقامَ عـلا

فأوقفتهم على الآداب رهبتُهـم

عـرفوا نفوسَهمُ ذلاًّ ومسكنـةً

وقد حباهم فدامت فيه رغبتُهـم

عكفوا عليه بإخلاص فواجههـم

بالوجهِ فانبلجت من ذاك نشوتهم

الصوفية هم أهل المعرفة

والصوفية يعرفون قدر العارف؛ لأنهم أهل معرفة بالله U، فقد سئل الإمام الشبلى 0 عن العارف فقال: لسانه بذكر الله ناطق، وقلبه بمحبة الله صادق، وسره بموعود الله واثق، وهو أبدًا لله عاشق، ثم قال: لسانه لطيف، ونفسه عفيف، ودينه كثيف، وهو يعرف أن مولاه شريف، وقال: العارف قلبه سليم، وفؤاده سقيم، ونفسه كظيم، وبلاؤه عظيم؛ لأن معاملته مع رب كريم.

وقال بعضهم: العارف ينظر بالله، والمؤمن ينظر بنور الله، ومن سكن إلى غير الله، فهو من قلة معرفته بالله، إن العارف يُقبل عليك بوجهه كأنه لم يعرف غيرك، فيقوم عنك كأنه لم يعرفك قط، أدنى ما يجب على العارف أن يهب لمولاه ما ملّكه مولاه، حتى يصير بكله لمولاه، فيحصل له موالاة، فإذا حصل له موالاة فكأنه عاد إليه كل الكل بالكلية، ويصير به غنيًّا وإليه فقيرًا.

ويكشفون عن بعض أوصاف العارف بالله فيقولون: إنه لا يُطالِب ولا يُخاصِم ولا يُعاتِب، ولا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له على أحد حقًّا، العارف بالله من أَنِسَ بالله فأوحشه عن الخلق، وافتقر إليه فأغناه عنهم، وذل فأعزه فيهم، وتواضع له فرفعه بينهم، واستغى بالله فأحوجهم إليه، قال J: (أنا أعرفكم بالله، وأشدكم منه خشية).

العارف يتلون بألوان العبودية، فهو من عبودية وإلى عبودية، في حين أنه مقيم على معبود واحد لا ينتقل إلى غيره، ولذلك فهو ابن وقته، همُّه عمارة وقته بالطاعات؛ لأنها كل حياته الباقية، العارف بالله كالسحاب يُظل كل شيء، وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب، أي أن خيره واصل إلى الجميع، العارف بالله لا يأسف على فائت، ولا يفرح بما هو آت؛ لأنه ينظر إلى الأشياء بالفناء والزوال؛ لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال، العارف بالله لا يعصي الله حتى ولو كتب لذلك كتاب الأمان من النار، حملته معرفته للقيام بحق العبودية والشكر، وذلك لعظيم أمر الله عنده، العارف بالله قلبه مرآة، فإذا نظر فيه رؤى الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار، وهذا لصفاء نفسه، ونقاء سريرته وطهارتها.

العارف بالله صابر محتسب راض بقضاء الله، فبذلك يحلو مذاق المر عنده لما رضي بالقدر، مع علمه بالمصلحة، بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التدبير، قال تعالى: )وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( (البقرة: 216)، العارف بالله تضيق عليه الدنيا بسعتها، حيث إنه يضيق عليه كل مكان لا يجد فيه مطلوبه ألا وهو ذكر الله، وهذه في بداية المعرفة، أما من عرف الله اتسع عليه كل ضيق؛ لأنه ليس في قلبه ساكن إلا الله، أي هانت عليه الدنيا بما فيها وبمن فيها، إلا فيما يرضي الله؛ لأنه ليس في قلبه إلا الله، بل حتى الابتلاء قد يجد فيه السعادة؛ لأنه يقربه من الله، وهذا في نهاية المعرفة، ولا تنافي أو تناقض بين الحالتين.

أما أبرز علامات العارف بالله فتتلخص فيما يلى: تعظيم الله سبحانه وتعالى، سكينة القلب، محو العلائق، التبرؤ والتفويض، شدة الخوف مع الرجاء، ضيق الدنيا بسعتها، صفاء العيش وطيب الحياة، تتبدى عليه أنوار معانى الصفات، جمع الشمل والهم على الله، المبادرة للطاعات والنوافل والقربات، لذة التعبد من التنعم بالعبودية، دوام الثناء لله والمحاسبة للنفس، التخلص من حظ النفس، الأنس بالله والوحشة من الخلق.

الفرق بين العالِم والعارف

بعد أن بينا من هو العارف، نوجز الفرق بينه وبين العالم، وفى كلٍ خير:

* العالم دون ما يقول، والعارف فوق ما يقول.

* العالم يصف الطريق بالنعت؛ لأنها نُعتت له فقط، والعارف يصفها بالعين؛ لأنه سار معها وعرفها.

* العالم محجوب، والعارف محبوب.

* العالم من أهل اليمين، والعارف من المقربين.

* العالم من أهل البرهان، والعارف من أهل العَيَان.

* العالم من أهل الفَرْق، والعارف من أهل الجَمْع.

* العالم من أهل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والعارف من أهل قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ  نَسْتَعِينُ﴾.

* العالم يدلُّك على العمل، والعارف يخرجك عن شهود العمل.

* العالم يحملك حمل التكليف، والعارف يروِّحك بشهود التعريف.

* العالم يدلُّك على محافظة الصلوات، والعارف يدلُّك على ذكر الله مع الأنفاس واللحظات.

* العالم يدلُّك على الأسباب، والعارف يدلُّك على مسبب الأسباب.

* العالم يحذرك من الوقوف مع الأغيار، والعارف يحذرك فى الوقوف مع الأنوار، فيزج بك فى حضرة المختار.

* العالم يحذرك من الشرك الجلىّ، والعارف يخلصك من الشرك الخفىّ.

* العالم يدلُّك على العمل خوفًا وطمعًا، والعارف يدلُّك على العمل محبة وشكرًا.

* العالم يعرفك بأحكام الله، والعارف يعرفك بذات الله.

* العالم يدلُّك على العمل لله، والعارف يدلُّك على العمل بالله.

وحقيقة العارف أنه هو: الذى فنى عن نفسه وبقى بربه، وكمُل غناه فى قلبه، لا يحجبه جمْعُه عن فَرْقِه، ولا فرقه عن جمعه، يعطى كل ذى حق حقه، ويوفى كل ذى قسط قسطه، متحقق بفناء ما سوى الأحد، لم يشغله مال ولا ولد.

اللهم ألحقنا بركب العلماء والعارفين، واجعلنا من عبادك المُخلَصين.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.