شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (107)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (107)

islam wattan . نشرت في المدونة 15727 لاتعليقات

 الحكمة السابعة بعد المائة

التقوى خوف جبروتى يهجم على القلب، يجعله يراعى الأدب، خشية الوقوع فى الغضب.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة السابعة بعد المائة

التقوى خوف جبروتى يهجم على القلب، يجعله يراعى الأدب، خشية الوقوع فى الغضب.

فى هذه الحكمة يعرِّف الإمام أبو العزائم 0 التقوى تعريفا يملأ القلب خشية ورهبة، أما تعريف التقوى لغةً: فهى من الوقاية، وهي الصون والحماية، والتقوى اصطلاحًا: أن يجعل المسلم وقايةً بينه وبين غضب الله وسخطه؛ وذلك باتّباع أوامره وطاعته I، واجتناب زواجره ونواهيه.

فالتقوى: خوف يهجم على القلب يخيفه من الله، ويجعله يراقب ربه فى كل نفَس من أنفاسه، وبها انكسار القلوب بين يدى مقلب القلوب والأبصار، ومن تعريفات التقوى أيضًا عند الإمام فى حِكمه، التقوى: مراقبة الله تعالى مراقبة حضور أو استحضار، فى كل قول وعمل وحال، فالتقوى: هى التجرد مما يخالف الشريعة فى النفس والعقل والحس والجسم.

التقوى كما وردت فى كتاب الله أربعة:

* تقوى النار: لمقام الإسلام، ومنها قوله تعالى: )فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ( (البقرة: 24).

* تقوى اليوم: لمقام الإيمان، ومنها قوله تعالى: )وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ( (البقرة: 281).

* تقوى الرب: لمقام الإحسان، ومنها قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ( (النساء: 1).

* تقوى الله: لأهل مقام الإيقان وهى أعلاها، ومنها قوله سبحانه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ( (آل عمران: 102)، وغير ذلك من الآيات فى هذا الإطار من التقسيم.

والتقوى: عمل القلب، وإذا كان مال الولد ينفع ولده، فإن تقوى الولد تنفع والده؛ لأنه سيكون ولدًا صالحًا يدعو له بعد مماته، وخير الزاد الذى يتزود به العبد زاد التقوى، وخير لباس يهبك الله لباس التقوى؛ لأنه يحفظك من شيطان الحظ، ووحش الشهوة، وبهيم الهوى، وطمع النبات، وجبر الجماد، فالتقوى: لباس به تكون فى جنة الشهود، ونعيم الوجود، من غير كد ولا جهود، وعلى العبد أن يفر من اللَّبس إلى لِبس ثياب التقوى، وعليه أن يطهر لباس الإيمان، ويتجمل بريش الإحسان.

التقوى هي النسب الرباني الذي جعله الله U ميدانًا للتفاضل بين العباد، يقول الله U: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( (الحجرات: 13)، ولم يقل: أكثركم مالاً ولا جاهًا ولا سلطة، ولا طولاً ولا عرضًا ولا نسبًا، فهذه كلها مقاييس أرضية، ولكن يوجد مقياس سماوي، وميزان رباني يوزن به الناس في الدنيا، وفى القبر ويوم الحشر فى القيامة، ثم يفوز أصحابه بجنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يقول الله U: )سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ( (الحديد: 21)، وقبلها يقول: )وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ( (آل عمران: 133)، يقول الله يوم القيامة يوم ينادي بالناس: (إني قد وضعت نسبًا ووضعتم أنسابًا، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، ليقم أهل التقوى، فيقومون وهم قليل) – اللهم اجعلنا منهم – سُئل أبو هريرة 0 عن التقوى فقال للسائل: هل سلكت طريقًا فيه شوك؟ فأجاب السائل: نعم، فقال أبو هريرة: فما صنعت؟ فأجابه السائل بأنّه كان يَبتعد عن الشوك ويَتجنّبه، فقال أبو هريرة: فذاك هو التُّقى، أي التقوى.

الإمام على A والتقوى

وقد أمرنا المصطفى J بالتقوى فى كل مكان وزمان، وفى كل حال بلا تحديد ولا تقييد، فقال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، ومن أجمل ما قيل في التقوى كلمات الإمام علي بن أبي طالب A، إذ يَصفُ التقوى حينما سأله أحدهم عنها، فأجاب: هي الخوفُ من الجَليل، والعملُ بما في التنزيل، والرضا بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرَّحيل، وذلك كله يحتاج إلى بيان وتفصيل.

ويقول فى إحدى خطبه: إنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ، سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ.

ثم يقول فى خطبة أخرى مبينًا بعض صفات المتقين: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ I خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ، غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِنًا مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ؛ لأَنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ، فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُم.

صفات المتقين وثمار التقوى

للتقوى علاماتٌ كثيرةٌ يتصفُ بها المُتَّقون، ومن أهمّها ما يأتي:

الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق من رزق الله، اليقين والإيمان التّام بالآخرة، بذل المال في سبيل الله، المداومة على ذكر الله، ترك المنكرات والابتعاد عنها، التواضع وحُبّ الخلوة للتفكُّر، الحذر من الانحراف والزّيغ، إقامة العدل والبعد عن الظلم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومنها كذلك: العفو والصفح عمّن أساء لهم، قال الله تعالى: )وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى( (البقرة: 237).

عدم الإصرار على الذنب حتى لو وقعوا فيه، حيث وصفهم الله تعالى بقوله: )إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ( (الأعراف: 201).

تحرّي الصدق في الأقوال والأعمال، وتميّزهم بتصديق المرسلين من الله تعالى، قال الله سبحانه: )وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( (الزمر: 33).

تعظيم شعائر الله، حيث قال الله تعالى: )ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ( (الحج: 32).

وللتقوى فوائد وثمار جليلة ينالها المتّقون في الدنيا والآخرة، وهي ثمارٌ عظيمةٌ وعديدةٌ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

– نَيل مرضاة الله ومحبته

– حماية الإنسان ووقايته من ضَرَر الشيطان، فالتقوى حصنٌ للمسلم من الشيطان وكيده، ووقايةٌ له من وسوسته.

– الانتفاع بالقرآن الكريم، فمن أراد أن ينتفع بكتاب الله، وبما فيه من بركةٍ وعلمٍ وتوفيق، فطريق ذلك تقوى الله.

– مَعيَّة الله للمتقين، قال تعالى: )إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) 128 النحل.

– تَيسير أمور المتقين، قال تعالى: )وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا( (الطلاق: 4).

– عَون الإنسان على التفريق بين الحق والباطل وغفران الذنوب، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ( (الأنفال: 29).

– جَلبُ البركات وفتحها من السماء والأرض بإذن الله، قال تعالى: )وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( (الأعراف: 96).

– نَيلُ ولاية الله I، قال تعالى: )إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ( (الأنفال: 34).

– الوِقاية من ضرر الكافرين، قال تعالى: )وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ( (آل عمران: 120).

– المَددُ والعَون من الله عند الشدائد ووسعة الأرزاق، قال تعالى: )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ( (الطلاق: 2، 3).

– تَعظيم شعائر الله، قال تعالى: )ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ( (الحج: 32).

– نَيل العلم وتَحصيله، قال تعالى: )وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ( (البقرة: 282).

– تَكريم الله للمتّقين، قال تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات: 13).

– التقوى سَببٌ لتكفير الذنوب والسيئات، والنجاة من عذاب الله يوم القيامة.

– التقوى سببٌ لنيل ما تشتهيه النفوس في الحياة الآخرة.

اللهم اجعلنا من أهل التقوى وأهل المغفرة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.