شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (105)

شرح جوامع الكلم للإمام أبى العزائم (105)

islam wattan . نشرت في المدونة 14634 لاتعليقات

 الحكمة الخامسة بعد المائة

الحالُ: محبَّة وخشية، فمن تسلطت عليه المحبة من غير خشية هلك بالأمن، ومن تسلطت عليه الخشية من غير
محبة هلك بالقنوط.

الأستاذ سميح قنديل

 الحكمة الخامسة بعد المائة

الحالُ: محبَّة وخشية، فمن تسلطت عليه المحبة من غير خشية هلك بالأمن، ومن تسلطت عليه الخشية من غير
محبة هلك بالقنوط.

يعرِّف الإمام أبو العزائم الحال بأنه: وارد الحق يهجم على القلوب، فيصول عليها صولة حقانية، فيفر العبد إلى الله ناسيًا ما سواه، وهو الحجة القائمة على صدق الدعوة، وهو معنى يرِد على القلب من غير تعهد ولا تكسب من صاحبه، فالحال القاهر حجة على المقام الظاهـــر، والأحوال كالبروق فى الظهور والأفول، والأحوال الإلهية تأتى بغتة، ولولا ذلك لادعاها العبَّاد من كسبهم.

ويؤكد لنا رضوان الله عليه أن الأحوال نتائج الشهود، والشهود نتائج المقامات، فمن غَلب عليه مقامه قُهر حاله، وليس الحال بالتكلف، ولو كان بالتكلف لناله أهل الرياضة، بالحال تزكية النفوس، لا بالفلوس ولا بالدروس، قال سبحانه: )قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا( (الشمس: 9).

حقيقة الحال: قهر النفس على ما لا يلائمها، وعمل عظائم الأمور فى طاعة الله مما لا يتحمله إلا أهل العزائم، فللحال تأثر روحانى على قلوب المريدين، ربما أخرجهم من المُلك إلى الملكوت، فى نفََس، بل ومن أنفسهم إلى منفِّسها سبحانه، الحال: داعٍ لبذل قصارى المجهود، لينتقل من الأعراف إلى التعريف، ومن التعريف إلى التعرف، ومن التعرف إلى المعروف سبحانه.

يقول الإمام أبو العزائم 0:

الحالُ حجة دعوى سالـكٍ فـانِ

والحالُ جذبةُ محبوبٍ لحنَّــان

الحال يُنكره أهل الجهـالة بــل

أهلُ الضلالةِ من خِبٍ وشيطان

لكن أهل الصفا يُخْفـون حالهمو

عن كل مبتدع عن جاهلٍ جان

العلمُ بالله نور لا يـراه ســوى

فرد مشوقٍ إلى روحٍ وريحان

خلِّ الإشارة لا تبـدى غوامضها

إلا لفانٍ لدى محبوبِـِـــه دانِ

إن أنكر الحالَ أهلُ الجهل فاعذرهم

فالعلمُ بالله من أسرارِ إيقــــانِ

والأحوال تتفاوت بين السالكين والواصلين، فالحال العلىِّ، ينوع الفكر الدنىِّ، ولا بد من التزام الأدب فى الحال، فالأحوال العلية لا تكون إلا بآداب سنية، والأحوال لا يستطيع أحد إخفاؤها،  فالمِسْك مهما استتر ظهر، وكذلك الحال مهما استتر قهر، والحال الصادق فى رجل لو انتقل إلى ألف رجل لكان خيرًا من ألف عالم فى رجل واحد، ومع ذلك فالعلم مقدم على الحال، والحال بلا علم ضلال، ولا بد للعالم من حال، وكل علم بلا حال وبال، ومتى كان الحال نتيجة عين اليقين، حكم الحال على العلم فى التمكين.

أحوال الصوفية

الحال في اصطلاح السالكين: هو ما يرد على القلب من طرَب أو حزن أو بسْط أو قبْض، وتسمى الحال بالوارد أيضًا، ولذا قالوا: لا وِرد لمن لا وارد له، أحوال عمل القلب التي ترد على قلب السالك تأتى من صفاء الأذكار، وهذا يعني أن الأحوال لها علاقة بالقلب وليس بالجوارح، وقيل: هو معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب، من طرب أو حزن أو قبض، أو بسط أو هيبة، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المِثل أو لا، فإذا دام وصار دائمًا يسمى مقامًا، فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود.

والحال لغة: هو ما عليه الإنسان من خير أو شر، وفي اصطلاح التصوف هو ما يرد علي القلب من غير تعمل ولا اجتلاب، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو، وقد لا يعقبه المثل، ومن هنا نشأ الخلاف، فمن أعقبه المثل قال بدوامه، ومن لم يعقبه مِثل قال بعدم دوامه.

ويقول ابن عطاء الله 0 فى الحكمة: لا تصْحَب من لا يُنهضك حالُه، ولا يدُلك على الله مقالُه، ويشرح ابن عجيبة 0 ذلك فيقول: الذى ينهضك حاله هو الذى إذا رأيتَه ذكرتَ الله، فقد كنت فى حال غفلة، فلما رأيته نهض حالك إلى اليقظة، أو كنت فى حالة الرغبة، فلما رأيته نهض حالك إلى الزهد، أو كنت فى حالة الاشتغال بالمعصية، فلما رأيته نهض حالك إلى التوبة، أو كنت فى حالة الجهل بمولاك، فنهضت إلى معرفة من تولاك، وهكذا.

والذى يدلك على الله مقاله هو الذى يتكلم بالله، ويدل على الله، ويغيب عما سواه، إذا تكلم أخذ بمجامع القلوب، وإذا سكت أنهضك حاله إلى علام الغيوب، فحاله يصدق مقاله، ومقاله موافق لعلمه، فصحبة مثل هذا إكسير يقلب الأعيان، ويقول الشيخ عبد الرءوف المناوى فى شرح هذه الحكمة: لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله، وهو من لم ينازل الحقائق، ولا يرفع همته عن الخلائق، بل رضى عن نفسه، وتكبر على أبناء جنسه، لضرر صحبته، إذ الطبع لص، فلا تصحب إلا مَن همته معلقة بالله، مرتفعة عن الخلق، قد امتلأ قلبه بمشاهدة الحقائق، فإذا نظرت إليه وجدته مشغولاً بالله، وإذا تكلم فإنما يدلك على الله، لا يلجأ إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه.

الأحوال من ثمرات الاستغراق في ذكر الله I، يخلقها سبحانه في قلوب الذاكرين، وسميت أحوالاً لأنها تتحول ولا تدوم، وقد تسمى وجدًا لوجودها في القلب، وإذا قويت قد تفيض عن القلب، فتظهر على الجوارح حركات اضطرارية أو بكاءً أو صراخًا، وأكثر ما تظهر على جوارح المبتدئين، أما المتمكنون فإنهم يصرعون أحوالهم ويمنعونها من الظهور. قال الكلاباذي 0 في: “التعرف”: التواجد ظهور ما يجده في باطنه على ظاهره، ومن قوي تمكَّن فسَكن، قال الله تعالى: )تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ( (الزمر: 23).

الحالُ محبةٌ وخشيةٌ

فالتصوف حال أكثر منه قالاً، وإن من سلك سبيل القوم بصدق ذاق ما ذاقوه، إن شاء الله تعالى له ذلك، ولا يُظهر أصحاب الأحوال أحوالهم، إلا عند الاضطرار الشديد، الذي يفقد معه التماسك والتثبت، على أن الإكثار من الصلاة والسلام على حضرة سيدنا رسول الله J له أثره في تهدئة الحال.

وصاحب الحال لا يقلَّد أثناء غلبة الحال عليه، هذا ولا بد من التنبيه إلى أن بعض المتصوفة قد تغلبهم أحوالهم، ويصدر عنهم أثناء ذلك ما يخالف الشرع، فلا يجوز تقليدهم في هذا الذي يصدر عنهم في حالة الغلبة، ففى ذلك مخالفة للشريعة وبُعد عن الحقيقة.

وهناك ارتباط بين الأحوال والأعمال، فلا يظن إنسان أن الأحوال الطيبة ثمرة الذكر فقط، بل لابد من الأعمال التي أمر بها الشرع وتعبَّدنا الله بها، قال الكلاباذي 0: اعلم أن علوم الصوفية علوم أحوال، والأحوال مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال، وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها؛ وهي علوم الأحكام الشرعية، فالوجد الشرعي ثمرة الإتباع للكتاب والسنة، وقال الحسن البصري 0: لا يغرنك قول من يقول: المرء مع من أحب، فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم، فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم.

والحال عند الإمام أبى العزائم واردة من حضرة الحق، تكون ثابتة فى مقام الوجد بالصدق، وهذه الحال تجذب للقدس، لتنبأ بالوارد الحق فى السير إلى الله والأشواق الحارقة، ثم يفنى بها بالوجد عن مقتضى البدء؛ لأن الروح تصعد للملكوت فى رفق، فيتجدد الهيمان لتشهده قدْره، وتكشف الحجب عن نور يجلى فى كل الجهات ومن فوقه:

الحالُ واردةُ من حضرة الحـــق

قد أثبتت فى مقام الوجدِ بالصــدق

حالٌ بها جذبتنى للقدس تثبئنـــى

بالوارد الحق فى سيْرى وفى شوقى

أفنَى بها واجداً عن مقتضى بدئـى

والروحُ تصعدُ للملكوتِ فى رفــق

حال تُجدد لى الهيمانَ تُشهدنـــى

قدرى من الطين أو قدرى من الخَلْق

قد تكشف الحَجْب عن نورٍ يلوح بما

يُجلى لعينى فى وُجَهى ومن فوقـى

وفى الحكمة يبين الإمام أن الحال الصادق مبنى على ركنين متلازمين هما المحبة والخشية، فلا بد من توفرهما معًا فى وقت واحد، وحال المحبة فيه التعلق بالمحبوب، فيعلوه الرجاء والأمن والأنس والرغبة والاطمئنان به، وهذا الوصف وحده لا يكفى؛ لأن من تسلطت عليه المحبة من غير خشية هلك بالأمن إلى جانب الله، ولا بد له من حال الخشية الذى فيه الخوف من مقام مولاه، والرهبة من سلطانه وجلاله؛ لأن الرجل الحقيقى هو من كان فى قربه أشد خوفًا منه فى بعده، ويحذر إذا أجلسوه على البساط من الانبساط، أو الاغترار بحاله، معتقدًا أنه نال ما نال بجهده وجهاده.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.