شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(2)‏

شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(2)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 11040 لاتعليقات

تحاول هذه الرواية من خلال الأدلة والوثائق الكثيرة إثبات الجنايات التي جناها ابن تيمية على الإسلام الأصيل، سواء من ناحية تشويهه للعقائد في الله التي هي أصل أصول الدين، والتي حولها إلى عقائد تجسيم وتشبيه ووثينة…

الدكتور نور الدين أبو لحية

دعوة ابن تيمية إلى قطع صلة الأمة عن نبيها

بعد أن ساق العلماء ما ساقوا من البينات والشواهد على تلاعب ابن تيمية بالسنة إرضاء للثقافة القرشية التي ورثها من الطلقاء الذين يعتبرهم سلفه الصالح، والذين من أجلهم حقر الأنبياء ووهن من شأنهم، ورمى رسول الله J بالعظائم، تقدم الإسكندري، وقال: بعد أن تبين لكم – سيدي القاضي – من خلال الدليل الثاني تلاعب ابن تيمية بالسنة المطهرة، واستعمالها فيما ما يتناسب مع مزاجه، قبولاً ورفضا.. سنبين لك في هذا الدليل كيف استعمل ابن تيمية كل الوسائل ليقطع الأمة عن نبيها، فلا تبقى من صلة بينه وبينها إلا تلك الأحاديث التي تحكم فيها وتلاعب بها.

قال القاضي: هلا وضحت أكثر..

قال الإسكندري: اعلم – سيدي القاضي – أن العلاقة المفترضة بين النبي J وأمته لا تقتصر فقط على الطاعة والاتباع، فكلاهما حسنان، ولكن هناك علاقة أخرى وردت بها النصوص المقدسة، لكن التيار الأموي وزعيمه ابن تيمية حاولا بكل جهدهما أن يهونا هذا النوع من العلاقة، بل يبدعا الكثير من مظاهرها، وينشرا بين الناس أن العلاقة مع رسول الله J تقتصر فقط على الاتباع المجرد.

قال القاضي: وما هذا النوع من العلاقة؟

قال الإسكندري: هو يشمل أمورًا كثيرة مبناها على حب رسول الله J والتواصل معه والحنين إليه، والشعور وكأننا نصاحبه، وأنه حي بيننا يمكننا أن نلجأ إليه كلما احتجنا، ونستشفع به إلى ربنا كما كان من معه في حياته يفعلون.

قال القاضي: وهل لكم أدلة على كل ذلك؟

قال الإسكندري: أجل سيدي القاضي.. وقد حاول ابن تيمية وفريقه من الأمويين أن يفندوا كل دليل نستدل به على هذا النوع من العلاقة، حتى ولو اضطروا لتكذيب النصوص وتأويلها.. وقد أنشأ ذلك في واقعنا، وفي البيئة التي يتحكم فيها هذا النوع من الفكر جفاء لرسول الله J وبرودًا في العلاقة معه.

قال القاضي: أنت تعلم أننا في مجلس قضاء.. وليس للقاضي أن يتكلم بهواه.. بل يحتاج إلى شواهد وبينات، وإلا فلا يحق له أن يحكم بشيء.

قال الإسكندري: الشواهد والبينات أكثر من أن تعد أو تحصى.. ولكني سأقتصر لك على أربعة منها.

قال القاضي: فما هي؟.. وما وجه الاستدلال بها؟.

قال الإسكندري: الشاهد الأول هو موقف ابن تيمية ومدرسته المتشدد من كل مظاهر الارتباط الشعوري برسول الله J من الحزن عليه والمحبة له والحنين إليه، ونحو ذلك.

قال القاضي: هذا الشاهد الأول.. فما الثاني؟

قال الإسكندري: الشاهد الثاني هو موقف ابن تيمة من زيارة رسول الله J، والتي هي تعبير عن مدى الشوق الذي يشعر به المشتاق نحو حبيبه J، وتعلقه بكل أثر من آثاره.. وقد اعتبر ابن تيمية كل ذلك بدعة.

قال القاضي: هذا الشاهد الثاني.. فما الثالث؟

قال الإسكندري: الشاهد الثالث هو موقف ابن تيمة من استشفاع الأمة برسولها J، ولجوئها إليه كلما احتاجت اعتقادا منها بحياته وبقاء علاقتها معه مثلما كانت في حياته مع أصحابه سواء بسواء.

قال القاضي: هذا الشاهد الثالث.. فما الرابع؟

قال الإسكندري: الشاهد الرابع هو موقف ابن تيمة من إحياء الأمة للمناسبات المختلفة التي عاشها رسول الله J لتبقى حياته ممتدة في حياته.. فتفرح لفرحه، وتحزن لحزنه.

قال القاضي: وعيت هذا.. ووعيت علاقته بالدليل الذي ذكرتم.. ولكني أحتاج أن تبرهنوا لي على كل ذلك من خلال كتبه أو كتب المدرسة التي أسسها.

قال الإسكندري: لك ذلك سيدي.. ونعوذ بالله أن نقوله ما لم يقل، أو ندعي عليه بما لم يفعل.

1- موقف ابن تيمية من مظاهر الارتباط الشعوري برسول الله J

قال القاضي: فهات الشاهد الأول.

قال الإسكندري: الشاهد الأول هو موقف ابن تيمية ومدرسته من جميع المشاعر والعواطف التي تتوجه بها القلوب نحو رسول الله J من المحبة له والحنين إليه والحزن على فقده، ونحو ذلك، وذلك لأنه يقصر دور رسول الله J على التبليغ، ويقصر دور الأمة على الاتباع.. ولذلك تراه يبدع كل الصوفية أو الشيعة الذي يدعون إلى إقامة هذا النوع من العلاقة مع رسول الله J، ويرون أن العلاقة به لا ينبغي أن تحد في الاتباع المجرد عن العاطفة.

قال القاضي: قبل أن تذكر لي موقف ابن تيمية من هذا، أخبرني عن حججكم في هذا الارتباط العاطفي، فقد يكون ابن تيمية صادقًا فيما ذهب إليه.

قال الإسكندري: اعلم – سيدي القاضي – أن النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة تطفح بالأدلة على أن العلاقة مع رسول الله J لا تقتصر على الاتباع المجرد.. بل تدل على أن العلاقة تبدأ بالحب والشوق والعاطفة الجياشة.. وبعدها يكون الاتباع نتيجة لذلك.. بل هي تدل على أن كمال الدين لا يتحقق إلا بتلك العواطف الجياشة.

قال القاضي: هلا ضربت لي أمثلة تدل على ذلك.

قال الإسكندري: الأمثلة كثيرة سأكتفي لك بأربعة منها.

قال القاضي: فهات المثال الأول.

قال الإسكندري: لقد ورد في الأحاديث الكثيرة ما يدل على العلاقة العاطفية العميقة بين رسول الله J والمنتجبين من أصحابه، ومن ذلك ما رواه المحدثون أن رجلاً جاء رجل إلى النبي J فقال: يا رسول الله: إنك لأحبُّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك وعرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنة رُفعتَ مع النبيئين، وإني إذا دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردَّ النبي J حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]([1]).

وعن أنس قال: (بينا أنا ورسول الله J خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال رسول الله J:(ما أعددت لها؟) قال: (ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله)، قال: (فأنت مع من أحببت)([2]).

وروي أن امرأة من الأنصار، قُتِل أبوها وأخوها وزوجها يوم أُحُدٍ، مع رسول الله J، فقالت: ما فعل رسول الله؟ قالوا: خيرًا، هو بحمد الله كما تحبّين، قالت: أرُوِنيهِ حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. أي: هينة([3]).

البقية العدد القادم

([1]) حديث حسن أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال رواه الطبراني في الأوسط والصغير وحسنه ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. انظر أسباب النزول للإمام السيوطي ص 128.

([2]) رواه الطبراني في الكبير.

([3]) ابن هشام في السيرة.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.