شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(10)‏

شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(10)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 15368 لاتعليقات

روي في الآثار ما يدل على أن هذا الذي ذكره السبكي والنووي كان من الزمن الأول، فقد روى ابن عساكر في ترجمة بلال أنه رأى في منامه النبيّ J وهو يقول له: ما هذه الجَفْوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينًا، وجِلاً خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة..

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: دعوة ابن تيمية إلى قطع صلة الأمة عن نبيها

بقية: 2- موقف ابن تيمية من زيارة رسول الله J

بقية شد الرحال:

وقد روي في الآثار ما يدل على أن هذا الذي ذكره السبكي والنووي كان من الزمن الأول، فقد روى ابن عساكر في ترجمة بلال أنه رأى في منامه النبيّ J وهو يقول له: ما هذه الجَفْوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينًا، وجِلاً خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبيّ J فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسنُ والحسين فجعل يضمُّهما ويقبّلهما فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذّن به لرسول الله J، ففعل، فعَلاَ سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: (الله أكبر – الله أكبر) ارتجّت المدينة، فلما أن قال: (أشهد أن لا إله إلاّ الله) ازدادت رجّتها، فلما أن قال: (أشهد أنّ محمّدًا رسول الله) خرجت العواتق من خدورهن فقالوا: أبُعِث رسول الله؟! فما رُئي يوم أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله J من ذلك اليوم([1]).

ومثله روي أنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصدًا من الشام إلى المدينة ليقرئ النبيّ J السلام ثمّ يرجع.

وقد قال السبكي معلقًا على هذا: (إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبيّ J، ولم يكن الباعثُ على السفر ذلك من أمر الدنيا ولا من أمر الدين ولا من قصد المسجد ولا من غيره)([2]).

قال القاضي: أنا أريد منكم ردودًا علمية عليه، فلا يكفي ما ذكرته.

قال الهندي: لك ذلك سيدي القاضي، وأول ما نرد به عليه هو ما ذكرناه لك سابقًا من النصوص الدالة على شرعية الزيارة، فإنه إذا دلّت الروايات على استحباب زيارة النبي الأكرم J تكون زيارته من القربات التي يثاب الإنسان عليها إذا فعلها، ويكون السفر إلى ذلك قربة لا يختلف عن الزيارة نفسها؛ لأنه يستحيل عقلاً أن تكون الزيارة مستحبة أو واجبة، ويكون السفر الذي هو الوسيلة لتحقيقها حرامًا.

قال القاضي: وما تقولون في الحديث الذي استدل به ابن تيمية على حرمة السفر للزيارة، وهو قوله J بحديث: (لا تشدّ الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)([3]).

قال الهندي: لو نظرنا إلى نص الحديث نفسه من حيث اللغة، فإنا نجده لا يساعد ابن تيمية على الاستدلال به على حرمة زيارة رسول الله J، وقد قال الفقيه اللغوي مجد الدين الفيروز آبادي في كتابه (الصلات والبشر) يوضح هذا: (أما حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة، بل هو حجة في ذلك، ومن جعله دليلاً على حرمة الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله وفيه برهان قاطع على غباوة  قائله، وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال)([4]).

قال القاضي: هذا لا يكفي في القضاء.. فقد يأتون بعالم لغوي آخر، ويقول عكس ما ذكر الفيروز آبادي.

قال الهندي: صدقت سيدي القاضي، ولذلك سأشرح لك ما اتفق عليه كل اللغويون في هذا، فالمستثنى منه في الحديث كما تعلم محذوف، والمقصود منه لا يخلو من أحد أمرين:

– إما أن يكون المقصود: (لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد).

– وإما أن يكون المقصود: (لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد)، وفي كلتا الحالتين لا يمكنه الاستدلال بالحديث على حرمة الزيارة.

لأنه إن كان المقصود هو الأول، كان معنى الحديث النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أيّ مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجدًا، فالحديث يكون غير متعرض لشدّ الرحال لزيارة الأنبياء والصالحين؛ لأنّ موضوع الحديث إثباتًا ونفيًا هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شدّ الرحال إلى غير المساجد باطل.

وأمّا إن كان المقصود هو الثاني، فإن ذلك يؤدي إلى محال لم يأت به الشرع، ذلك أنه يلزم منه كون جميع الأسفار محرّمة، سواء كان السفر لأجل زيارة المسجد أو غيره من الأمكنة، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.

قال القاضي: فكيف غاب هذا المعنى عن ابن تيمية مع وضوحه ودلاله اللغة عليه؟

قال الهندي: هو لم يغب على ابن تيمية، بل أقر به، ولكنه حاول الفرار منه بما هو أخطر من قوله ذلك.. فقد قال في مجموع الفتاوى: (فإن هذا استثناء مفرغ، والتقدير فيه أحد أمرين: إما أن يقال: (لا تشد الرحال) إلى مسجد (إلا المساجد الثلاثة) فيكون نهيًا عنها باللفظ، ونهيًا عن سائر البقاع التي يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى؛ فإن المساجد والعبادة فيها أحب إلى الله من العبادة في تلك البقاع بالنص والإجماع، فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهي عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى)([5]).

وهذا كلام خطير جدًّا، ذلك أن البقعة الشريفة التي ضمت جسده J أفضل من المساجد الثلاثة، ولا يقارن مسلم عاقل بين أي مكان في العالم وبين بقعة ضمت جسد النبي J الذي هو أشرف خلق الله، وعلى هذا جماهير العلماء حتى من الحنابلة الذين يعظمهم ابن تيمية، فقد روى ابن القيِّم تلميذ ابن تيمية عن الإمام ابن عقيل الحنبلي تحت عنوان: (هل حجرة النبي أفضل أم الكعبة) قول ابن عقيل: (سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي J أم الكعبة؟ فقلت: إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل، وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة؛ لأن بالحجرة جسدًا لو وزن بالكونين لرجح)([6]).

وقد حكى الكثير من العلماء الإجماع على هذا، ومن ذلك ما نقله الشيخ الخفَّاجي عن الإمام السبكي والعز بن عبد السلام ويقرهم على قولهم. (قال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا: ولا خلاف أن موضع قبره J أفضل بقاع الأرض)، فعلَّق عليه الشيخ الخفَّاجي بقوله: (بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمة الله)([7]).

البقية العدد القادم

===============

([1]) مختصر تاريخ دمشق: 5/265، وأُسد الغابة:1/208.

([2]) شفاء السقام:251.

([3]) مجموع الفتاوى: 27/199.

([4]) الصلات والبشر ص127.

([5]) مجموع الفتاوى 27/247.

([6]) بدائع الفوائد ج3 ص655.

([7]) نسيم الرياض ج3 ص531.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.