شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(8)‏

شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(8)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 14786 لاتعليقات

قال القاضي: لقد ذكر ابن تيمية جمهور العلماء، وأنهم متفقون على هذا.

قال الهندي: وهذا من تسرعه في الأحكام وفي ادعاء الإجماع ونحوه.. ولو أنك سيدي رحت إلى كتب المذاهب الإسلامية المختلفة لوجدت الأمر مختلفًا تمامًا، فكلهم ينصون على استحباب زيارة قبر رسول الله J، بل فيهم من يرى وجوبها، وقد قال القاضي عياض في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): (زيارة قبره J سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها)…

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: دعوة ابن تيمية إلى قطع صلة الأمة عن نبيها

بقية: 2- موقف ابن تيمية من زيارة رسول الله J

قال القاضي: لقد ذكر ابن تيمية جمهور العلماء، وأنهم متفقون على هذا.

قال الهندي: وهذا من تسرعه في الأحكام وفي ادعاء الإجماع ونحوه.. ولو أنك سيدي رحت إلى كتب المذاهب الإسلامية المختلفة لوجدت الأمر مختلفًا تمامًا، فكلهم ينصون على استحباب زيارة قبر رسول الله J، بل فيهم من يرى وجوبها، وقد قال القاضي عياض في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): (زيارة قبره J سنَّة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها)([1]).

وقال العلامة أبو الحسنات محمد عبد الحي ابن عبد الحليم اللكنوي في (إبراز الغي الواقع في شفاء العيّ): (وأما نفس زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته، بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، واختلفوا في ندبها ووجوبها، فقال كثير منهم بأنها مندوبة، وقال بعض المالكية والظاهرية: إنها واجبة، وقال أكثر الحنفية: إنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله هو ابن تيمية).

أما الشوكاني، وهو من العلماء المعتمدين لدى مدرسة ابن تيمية، فقد قال في كتابه (نيل الأوطار)، وهو من الكتب التي يرجعون إليها كثيرًا: (واحتج أيضًا من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار، واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال فكان إجماعًا)([2]).

وقد استدل الشوكاني للزيارة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 100]، فقال: (والهجرة إليه J في حياته الوصول إلى حضرته وكذلك الوصول بعد موته)([3]).

واستدل لها بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، فقال: (ووجه الاستدلال بها أنه J حي في قبره بعد موته كما في حديث: الأنبياء أحياء في قبورهم، وقد صححه البيهقي وألَّف في ذلك جزءًا)([4]).

بل إن هذه الآية استدل بها فقهاء الصحابة، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: (إن في النساء لخمس آيات ما يسرني بهن الدنيا وما فيها ، وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها وذكر منها: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64])([5])، ففرح ابن مسعود بهذه الآية ظاهر في أنها عامة.

الدعاء:

قال القاضي: حدثتنا عن النصوص الواردة في نفس الزيارة، فحدثنا عن الدعاء عند القبر، والذي اعتبره ابن تيمية بدعة.

قال الهندي: لقد ذكرنا لك سابقًا سيدي القاضي تقسيم ابن تيمية الزيارة إلى زيارة شرعية وزيارة بدعيّة، واعتباره الدعاء عند القبر من الزيارة البدعية، وقوله: (إنّ هذا ليس مشروعاً باتّفاق أئمة المسلمين)

قال القاضي: أجل.. فكيف تردون على هذا؟

قال الهندي: نرد عليه بفعل رسول الله J في الأحاديث الصحيحة التي لا يمكنه أن يرفضها، ومنها ما رواه مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله J إذا خرج إلى المقابر يعلمهم أن يقولوا: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فَرَط، ونحن لكم تَبَع، نسأل الله لنا ولكم العافية).

أو ليس قوله J: (نسأل الله لنا ولكم العافية)، دعاءً للنفس عند قبور المؤمنين.

ومثله ما ورد في الحديث الذي رواه مسلم: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين).

بالإضافة إلى هذا، فإن الأمر بالدعاء في الكتاب والسنّة مطلق يعمّ كلّ الأمكنة، وهو – كما يرى ابن تيمية – من مقتضيات التوحيد، فكيف يتحول عند قبر رسول الله J إلى شرك؟.

بالإضافة إلى هذا، فقد ورد الأمر الإلهي باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، أي يصلى فيه، ويدعى عنده، كما قال المفسرون، وما ذلك إلا لأجل التبرّك بالمقام، الذي بورك بموطئ قدم إبراهيم A، فإذا جاز التبرّك بالقيام (أو الدعاء) في مقام إبراهيم A، فكيف لا يجوز التبرك بالقيام والدعاء في مكان دفن فيه النبي J؟ أفلا يكون الدعاء عنده أرجى للإجابة؟.

بالإضافة إلى هذا، ما ورد عن السلف الذين يعظمهم ابن تيمية، ويحارب بهم من يخالفه، من الأدلة الكثيرة على أنهم كانوا يدعون عند قبره J، ويعتبرونه محلاًّ مباركًا تتحقق فيه الإجابة.

فقد روى الدارمي عن أوس بن عبد الله، قال: قُحط أهل المدينة قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي J فاجعلوا منه كُوًّا إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمُطرنا مطرًا، حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمّي عام الفتق([6]).

وروى ابن حبّان والطبراني بإسناد صحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: رأيت أُسامة.. ورأيته يصلّي عند قبر رسول الله J فخرج مروان بن الحكم، فقال: تصلّي عند قبره؟ قال: إنّي أُحبّه. فقال له قولاً قبيحًا، ثم أدبر. فانصرف أُسامة فقال لمروان: إنّك آذيتني، وإنّي سمعت رسول الله J يقول: (إنّ الله يبغض الفاحش المتفحّش، وإنّك فاحش متفحّش)([7]).

أرأيت – سيدي القاضي – كيف أنّ المسلمين بصفاء قلوبهم كانوا يقصدون قبر النبي J بالصلاة والدعاء لديه، وأنّ الظلمة من الأمويين وعلى رأسهم مروان بن الحكم كانوا يمنعون من هذا العمل.. هل رأيت – سيدي القاضي – صدق ما ذكرناه لك عن علاقة ابن تيمية بالفهم الأموي للدين، والمؤسس على الحقد على رسول الله J، بناء على النعرات الجاهلية.

البقية العدد القادم

================

([1]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/74.

([2]) نيل الأوطار 5/110.

([3]) نيل الأوطار 3/ 105.

([4]) نيل الأوطار 3/ 105.

([5]) معجم الطبراني 9/ 220، قال الهيثمي 7/ 71: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).

([6]) سنن الدارمي:1/56.

([7]) صحيح ابن حبان:12/506، برقم 5694; المعجم الكبير:1/166.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.