شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(4)‏

شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(4)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 12529 لاتعليقات

تحاول هذه الرواية من خلال الأدلة والوثائق الكثيرة إثبات الجنايات التي جناها ابن تيمية على الإسلام الأصيل، سواء من ناحية تشويهه للعقائد في الله التي هي أصل أصول الدين، والتي حولها إلى عقائد تجسيم وتشبيه ووثينة…

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: دعوة ابن تيمية إلى قطع صلة الأمة عن نبيها

بقية: 1- موقف ابن تيمية من مظاهر الارتباط الشعوري برسول الله J

قال القاضي: هل حقًّا وردت أحاديث تدل على هذا؟

قلت: أجل.. ولكن ابن تيمية يريد رسولاً على هواه.. فلذلك لم يلتفت لهذه الأحاديث، ولم يهتم بها، ولم يبن عليها رؤيته حول الأمة وعلاقتها برسول الله J.

قال القاضي: فهلا أوردت لي بعضها.

قلت: أجل سيدي القاضي، منها ما حدث به عمر قال: كنت مع النبي J جالسًا فقال: (أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانًا؟) قالوا: يا رسول الله، الملائكة، قال: (هم كذلك، يحق لهم ذلك، وما يمنعهم من ذلك وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها، بل غيرهم؟)، قالوا: يا رسول الله، الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته والنبوة. قال: (هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم من ذلك وقد أنزلهم الله بالمنزلة التي أنزلهم بها)، قالوا: يا رسول الله، الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال: (هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة، بل غيرهم)، قالوا: فمن يا رسول الله؟! قال: (أقوام في أصلاب الرجال، يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا)([1]).

وفي رواية: (أخبروني بأعظم الخلق عند الله منزلة يوم القيامة)، قالوا: الملائكة، قال: (وما يمنعهم مع قربهم من ربهم، بل غيرهم؟). قالوا: الأنبياء، قال: (وما يمنعهم والوحي ينزل عليهم، بل غيرهم). قالوا: فأخبرنا يا رسول الله! قال: (قوم يأتون بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيؤمنون به، أولئك أعظم الخلق عند الله منزلة – أو أعظم الخلق إيمانًا – عند الله يوم القيامة)).

وفي رواية عن أبي جمعة قال: تغدينا مع رسول الله J ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال: (نعم. قوم يكونون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني)([2]).

وقال J: (طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات)([3]).

وروي أن رجلاً قال لرسول الله J: يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: (طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني)، قال له رجل: وما طوبى؟ قال: (شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها)([4]).

وفي رواية: (طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني. سبع مرات)([5]).

بل ورد في الحديث ما يشير إلى تحقق المعية لجميع الصادقين من الأمة مع رسول الله J وعدم اقتصارها على من عاصره، ففي الحديث أن بعض الصحابة قال لرسول الله J: (أرأيت من آمن بك ولم يرك وصدقك ولم يرك؟ قال: (طوبى لهم، ثم طوبى لهم، أولئك منا، أولئك معنا)([6]).

إن هذا الحديث يفسر سيدي القاضي تلك الآية الكريمة التي يستعملها ابن تيمية وأتباعه ليحارب من خالفهم من المسلمين، وهي قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح: 29)، فكل من اتصف بهذه الصفات فهو مع رسول الله J سواء كان من الذين عاصروه أو من غيرهم.

قال القاضي: ولكن كيف غابت كل هذه المفاهيم عن الأمة؟

قلت: عندما دخلت المتاجرة باسم الصحابة في تصديع الأمة وإثارة الفتن فيها أبدعوا في الدين هذا الأصل الجديد ليفرقوا بين الناس على أساس مواقفهم من أعيان الصحابة، لا من مواقفهم من أصول الدين وفروعه.

لكن الصحابة المنتجبين كانوا واعين بهذا، ولهذا كانوا يبشرون التابعين بمثل هذه الأحاديث، ففي الحديث عن صالح بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله J بيت المقدس ليصلي فيه، ومعنا رجاء ابن حيوة يومئذ، فلما انصرف خرجنا معه لنشيعه، فلما أردنا الانصراف قال: إن لكم علي جائزة، وحقًّا أن أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله J قلنا: هات – رحمك الله – فقال: كنا مع رسول الله J معنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، قلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا بك واتبعناك. قال: (ما يمنعكم من ذلك ورسول الله J بين أظهركم؟! يأتيكم الوحي من السماء. بلى قوم يأتون من بعدكم، يأتيهم كتاب بين لوحين، فيؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا، أولئك أعظم منكم أجرًا، أولئك أعظم منكم أجرًا)([7]).

وفي حديث آخر عن عمار بن ياسر أنه قال يخاطب بعض التابعين: (والله لأنتم أشد حبًّا لرسول الله J ممن رآه، أو من عامة من رآه)([8]).

قارن سيدي هذه الأحاديث الكثيرة مع ما يوافقها من القرآن الكريم والعقل والمنطق بما يقوله ابن تيمية وأهل مدرسته.

إن القرآن الكريم يخبرنا أن أساس التفاضل هو العمل والتقوى والمشاعر القلبية، والتي يمكن أن تحصل من أي إنسان في أي عصر وفي أي بيئة.. لكن ابن تيمية وأتباعه يأبون إلا أن يحاربوا عدالة الله، فيجعلون التفاضل مرتبطًا بمجرد الرؤية، حتى لو فعل ما فعل الرائي من الكبائر والآثام والتشويه للدين، وحتى لو خلا قلبه من أي مشاعر تجاه رسول الله J..

انظر حماستهم في الدفاع عن الطلقاء الذين شوَّهوا الدين في نفس الوقت حربهم الشديدة لمن ذكرهم رسول الله J فقال: (أشد أمتي لي حبًّا قوم يكونون – أو يخرجون – بعدي، يود أحدهم أنه أعطى أهله وماله وأنه يراني)([9])، وقال: (إن قومًا يأتون من بعدي يود أحدهم أن يفتدي برؤيتي أهله وماله)([10]).

قال القاضي: ولكني سمعتهم يذكرون حديثًا في هذا يبنون عليه مقولتهم تلك، وهو قوله J: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه)([11]).

قلت: صدق رسول الله J.. ومورد هذا الحديث يدل على المراد منه، وهو مراد عام يشمل الأمة جميعًا ويفسره قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (الحديد: 10)، ويفسره قوله J: (إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم)، قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟! قال: (بل أجر خمسين منكم)([12]).

قال القاضي: ما تعني؟

قلت: إن سنة الله تعالى في الابتلاء تقتضي أن يضاعف الأجر بقدر مضاعفة البلاء.. ولذلك كان لكل من عاش فترة البلاء من الأجر بقدر نصيبه فيها.. وقد ورد في مورد الحديث ما يدل على هذا، فقد حصل خلاف بين عبد الرحمن بن عوف وهو من السابقين من الصحابة، وخالد بن الوليد وهو ممن تأخر إسلامه، فلما بلغ ذلك النبي J قال: (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه)، أي أن إنفاق خالد ومن أسلم معه في وقت الرخاء، لا يعادل إنفاق من أسلم وقت البلاء.. وهو يشمل كل العصور.. وبذلك تستقيم الأحاديث جميعًا مع الرؤية القرآنية والعدالة الإلهية التي لا تفرق بين زمن وزمن، ولا شعب وشعب، ولا بلد وبلد.

التفت القاضي إلى الإسكندري، وقال: ما تقول؟

قال الإسكندري: لقد ذكرتني بموقف لابن تيمية رد به قوله J: (من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة)([13]) مستعملاً مزاجه كالعادة فيما يخالف هواه، فقد قال في كتابه (التوسل والوسيلة): (هذا كذب ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته وكان مؤمنًا به كان من أصحابه، ولا سيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه J أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أخرجاه في الصحيحين، والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج، والجهاد، والصلوات الخمس، والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين؟)([14]).

البقية العدد القادم

=============

([1]) رواه أبو يعلى والبزار.

([2]) رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات.

([3]) رواه أحمد، وأبو يعلى.

([4]) رواه أحمد، وأبو يعلى.

([5]) رواه أحمد، والطبراني بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح غير أيمن بن مالك الأشعري، وهو ثقة.

([6]) رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 67).

([7]) رواه الطبراني.

([8]) رواه البزار، والطبراني.

([9]) رواه أحمد.

([10]) رواه البزار.

([11]) رواه البخاري ومسلم.

([12]) رواه البزار والطبراني وغيرهما، وقال الألباني عن إسناد الطبراني: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. (السلسلة الصحيحة المجلد الأول حديث رقم 494).

([13]) الدارقطني في سننه (2/278)، البيهقي في شعب الإيمان (3/488) والمحاملي والساجي كما في الميزان، وعلقه بن عبد البر في الاستذكار.قال ممدوح: وليكن الضعف في هذا الحديث غير شديد، بل ضعفه قريب ويحتج الفقهاء بمثله في إثبات مشروعية أمر ما، ودونك كتب الفقه لتتحقق من صحة مقولتي، فكيف ولأحاديث الزيارة طرق بعضها من شرط الحسن.

([14]) التوسل والوسيلة ص 74.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.