شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(11)‏

شيخ الإسلام في قفص الاتهام ‏(11)‏

islam wattan . نشرت في المدونة 16326 لاتعليقات

قال الإمام الحصكفي الحنفي في الدر المختار، وهو من أشهر كتب الحنفية: (لا حرم للمدينة عندنا، ومكة أفضل منها على الراجح، إلا ما ضم أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنه أفضل مطلقًا حتى من الكعبة والعرش والكرسي)..

الدكتور نور الدين أبو لحية

بقية: دعوة ابن تيمية إلى قطع صلة الأمة عن نبيها

بقية: 2- موقف ابن تيمية من زيارة رسول الله J

بقية شد الرحال:

قال الإمام الحصكفي الحنفي في الدر المختار، وهو من أشهر كتب الحنفية: (لا حرم للمدينة عندنا، ومكة أفضل منها على الراجح، إلا ما ضم أعضاءه عليه الصلاة والسلام فإنه أفضل مطلقًا حتى من الكعبة والعرش والكرسي)([1]).

وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي في شرحه على مختصر الخليل: (ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه J فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور)([2]).

وقال الإمام السخاوي في التحفة اللطيفة: (مع الإجماع على أفضلية البقعة التي ضمته J، حتى على الكعبة المفضلة على أصل المدينة، بل على العرش، فيما صرح به ابن عقيل من الحنابلة، ولا شك أن مواضع الأنبياء وأرواحهم أشرف مما سواها من الأرض والسماء، والقبر الشريف أفضلها، لما تتنزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، التي لا يعلمها إلا مانحها، ولساكنه عند الله من المحبة والاصطفاء ما تقصر العقول عن إدراكه)([3]).

وقال الإمام البهوتي في (شرح منتهى الإرادات): (الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي J فيها فلا والله ولا العرش وحملته والجنة؛ لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح)([4]).

وغيرها من الأقوال الكثيرة التي تخالف ابن تيمية في قوله هذا.

قال القاضي: وعيت هذا، ولكن لم خص هذه المساجد بالذكر؟

قال الهندي: الحديث واضح في الدلالة على ذلك، ذلك لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.

وقد قال الغزالي يشير إلى هذا المعنى، وهو يتحدث عن أغراض السفر الشرعي: (.. أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد… ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء D، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء. وكلّ من يُتبّرك بمشاهدته في حياته يُتبّرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله J: (لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) لأنّ ذلك في المساجد; فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد)([5]).

بالإضافة إلى هذا، فقد ورد في النصوص ما يدل على أن النهي عن السفر لغير هذه المساجد الثلاثة ليس أمرًا محرّمًا، بل هو إخبار لمن يرهق نفسه ابتغاء المزيد من الأجر من أن المساجد كلها متشابهة في هذا.

ومن النصوص الواردة في ذلك ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: (كان رسول الله J يأتي مسجد قُباء راكبًا وماشيًا، فيصلّي فيه ركعتين)([6])، وهذا يعني أنّ النهي عن شدّ الرّحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم، لكون النبيّ J كان يأتي مسجد قباء راكبًا.

وقد قال ابن حجر في هذا: (ومن فضائل مسجد قُباء، ما رواه عمر بن شَبّة في (أخبار المدينة) بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقّاص، قال: لأن أصلّي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتي بيت المقدس مرّتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)([7]).

التمسح بالقبر:

قال القاضي: وعيت هذا، فحدثنا عن المسألة الرابعة التي أنكرها ابن تيمية، وهي التمسح بقبره J.

قال الهندي([8]): اعلم – سيدي القاضي – أنّ من السنن الجارية بين العقلاء، الاعتزاز بما يتركه أحباؤهم من أشياء.. ومن مظاهر ذلك الاعتزاز، الاحتفاظ بها، وإدامة النظر إليها لاستذكار أصحابها، وغير ذلك من وجوه التعبير عن مشاعر الحبّ والوفاء لهم، كتقبيل الولد لصورة والده، أو لما كتبه بخطّه.

وبما أنّ النبي الأكرم J هو أحبّ الخلق إلى المسلمين، ففي حال حياته كانوا يتبرّكون بماء وضوئه وشعره وكلّ ما له صلة به، وبعد رحيله صاروا يتبرّكون بمنبره وقبره وآثاره، والباعث على كلّ ذلك هو الحبّ والولاء لرسولهم J، أو الرغبة في التبرّك بآثاره، من دون أن يكون فيه أي رائحة للشرك؛ لأن التبرك بآثاره في حال حياته، هو نفس التبرك بآثاره بعد رحيله، فإنّ الداعي إذا كان هو الحب فهو مشترك بين الحالين، وإن كان الداعي هو التبرك أي ترقّب رحمة الله سبحانه عن طريق آثاره J، فهو أيضًا كذلك. وعلى كلا الأمرين، فالمؤثر هو الله سبحانه، والتبرّك بالآثار تمسُّك بالسبب.

قال القاضي: كلامك جميل وواقعي.. ولكنك تعلم أننا في مجلس قضاء، والقضية خطيرة، ولذلك نحتاج إلى أدلة أكثر قوة.

قال الهندي: أول من يرد على ابن تيمية في هذه المسألة هو الإمام الذي يعتز به ابن تيمية كثيرًا، بل يعتبره إمام السنة، وممثل السلف، وهو إمام الحنابلة أحمد بن حنبل، فإنه إن كان الذي يتمسح بالقبر مشركًا، فإن إمام جميع من يزعم لنفسه أنه السنة والسلف مشرك على حسب قولهم.. يلزمون بذلك إلزامًا لا يستطيعون الفرار منه.

فقد ذكر ولده عبد الله بن أحمد ذلك عنه، فقال: سألته عن الرجل يمسُّ منبر النبي J ويتبرّك بمسِّه، ويُقَبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرب إلى الله U؟ فقال: لا بأس بذلك([9]).

ونقل ذلك الذهبي عن عبد الله بن أحمد قوله: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي J فيضعها على فيهِ يُقبِّلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه، يستشفي به.

وعلّق عليه بقوله: (أين المتنطِّع المنكر على أحمد، وقد ثبت أنّ عبد الله سأل أباه عمّن يلمس رُمّانة منبر النبي J ويمسّ الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأسًا. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع)([10]).

البقية العدد القادم

([1]) الدر المختار ج2 ص689.

([2]) منح الجليل شرح مختصر الخليل ج5 ص481.

([3]) التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة السخاوي الصفحة 12.

([4]) شرح منتهى الإرادات (2/525).

([5]) إحياء علوم الدين: 2/247.

([6]) فتح الباري: 3/69.

([7]) فتح الباري: 3/69.

([8]) الكلام الوارد هنا في تعليل التمسح مقتبس بتصرف من كتاب (ابن تيمية فكرًا ومنهجًا) للعلامة جعفر السبحاني، بتصرف.

([9]) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل: 2/492، برقم 3243.

([10]) سير أعلام النبلاء:11/212، الترجمة 78.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.