عفوًا شيخي.. أنت لست إلهًا

عفوًا شيخي.. أنت لست إلهًا

islam wattan . نشرت في المدونة 3567 لاتعليقات

قد يأتي على المرء وقت تعتريه رغبة في أن يكتب خلاصة تجاربه كي يستفيد منها من هم أقل عمرًا، أو من هم مؤهلون لتولي مسؤوليات كمسؤولياته…

سماحة السيد علاء أبو العزائم

قد يأتي على المرء وقت تعتريه رغبة في أن يكتب خلاصة تجاربه كي يستفيد منها من هم أقل عمرًا، أو من هم مؤهلون لتولي مسؤوليات كمسؤولياته.

في السطور المقبلة أحببت أن أعرض خلاصة تجاربي في تحمل المسؤولية، وأن أهديها لكل ذي سلطة ربما يستفيد أحدهم من هذه الكلمات، فعلى كل لاحق أن يستفيد من تجارب سابقيه، كما وجه الإمام عليٌّ A مالكًا الأشتر حين ولاَّه مصر فقال له: [ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إلَى بِلاَدٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ: مِنْ عَدْلٍ وجَوْرٍ، وأنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الوُلاَةِ قَبْلَكَ، ويَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ؛ وإنِّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ علَى ألْسُنِ عِبَادِهِ؛ فَلْيَكُنْ أحَبَّ الذَّخَائِرِ إلَيْكَ ذَخِيرَةً العَمَلُ الصَّالِحُ؛ فَامْلِكْ هَوَاكَ، وشُحَّ بنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ؛ فإنَّ الشُّحَّ بالنَّفْسِ الإنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أحَبَّتْ أوْ كَرِهَتْ].

الطريقة كالمملكة

بعد سنوات طويلة من قيادة مشيخة الطريقة العزمية، أجد أن أقرب تشبيه ملائم لوضع إدارة طريقة صوفية هو إدارة مملكة، فالطريقة مملكة وشيخها هو الملك، مسؤول عن رعيته، وتتنوع مسؤولياته ما بين المسؤوليات الدنيوية من رعاية وتوجيه ومساعدة، ومسؤوليات دينية من نصح وإرشاد وأخذ بيد المريدين أو الرعية إلى الجنة سيرًا على الطريق المستقيم.

صفات شيخ الطريق

يقول الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم في كتابه دستور السالكين طريق العالمين ص94-95: [شيخ الطريق هو الذى يقوم مقام الإمام بعد وفاته، وهنا يجب لإقامته شروط تستوفى حتى يمثل الإمام من كل أنحاء كمالاته.

أخص صفاته:

1- أن يكون أكمل الناس أدبًا لله ولرسوله ولإمام الطريق، فإن الطريق كله أدب.

2- أن يكون أكمل الناس شبهًا بالإمام فى العلم بقدر ما يجب للسالك، فإن زاد فخير عميم، وإلا – بأن لم يزد عن قدر تربية السالك – فإن هِمَّةَ السالك وإرادته تبلغه المقصد، بدليل قوله J: (مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ تَعَالَىِ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[i].

3- أن يكون أبرّ الناس بوالديه، وأوصل الناس لرحمه، وأرحم الناس بذوى قرابته، حتى يؤمَن على البِّر والرحمة والصلة بالسالكين، فإن من فقد البر والصلة والرحمة التى أوجبها الله عليه؛ كيف يتجمل بها فى النوافل؟!!.

4- العفاف والوفاء، والعدالة، والشجاعة، والكرم، كل ذلك فى الله تعالى].

وكل مسئول كـ: ملك أو رئيس أو حاكم أو والٍ أو شيخ طريقة ينقسم الناس حوله إلى ثلاثة أصناف: مقربون، وغير مقربين، وعاديون.

أما المقربون – وهم أخطر أنواع الرعية لقربهم إلى القائد وتأثيرهم فيه – ينقسمون إلى قسمين: صادقون ومنافقون.

المقربون الصادقون

– أما الصادقون: فهم من يعملون من أجل مصلحة المشيخة أو الدولة أو المجتمع الذين ينتمون إليه، وكلما اختار القائد أصدق الناس لقربه كلما كان موفقًا من الله عز وجل.

وفي الحقيقة: إن المقربين الصادقين لا يحبهم القادة أو غير المقربين؛ لأنهم لا يجمِّلون كلامهم ولا يتملقون، ويكون أكثرهم عين نقد ومعارضة وتوجيه، ولا استقامة لنظام إلا إذا سمع لرأي المخلصين من رجاله، فقد أخذ النبي J بالشورى، وكذلك فعل الأنبياء والخلفاء والصحابة وأئمة أهل البيت، وفي أوقات كثيرة كانت المشورة والاستماع للآراء المختلفة هي سبب النصر في المعارك أو رفاهية المجتمع.

ويكفي أن نجاة مصر من سنوات القحط في عصر سيدنا يوسف A كانت بسبب مشورة الفرعون لرجاله في رؤيا رآها، وكان توجيه سيدنا يوسف وقتها هو السبيل الوحيد لنجاة مملكة بأسرها، وكذلك كانت مشورة الحباب بن المنذر يوم بدر سببًا من أسباب الانتصار.

وللمقربين الصادقين أهمية كبيرة ودور عظيم بيَّنه الإمام عليٌّ لمالك الأشتر فقال: [… مِمَّنْ لم يُعَاوِنْ ظَالِمًا علَى ظُلْمِهِ؛ ولا آثِمًا علَى إثْمِهِ، أُولَئِكَ أخَفُّ علَيْكَ مَئُونَةً، وأحْسَنُ لكَ مَعُونَةً، وأحْنَى علَيْكَ عَطْفًا، وأقَلُّ لغَيْرِكَ إلْفًا؛ فاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لخَلَوَاتِكَ وحَفَلاَتِكَ، ثُمَّ لِيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أقْوَلَهُمْ بمُرِّ الحَقِّ لَكَ، وأقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللهُ لأَوْلِيَائِهِ، وَاقِعًا ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ.

والْصَقْ بأهْلِ الوَرَعِ والصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ، أيْ: عَوِّدْهُمْ، علَى ألاَّ يُطْرُوكَ، أيْ: يَزِيدُوا في مَدْحِكَ، ولا يُبَجِّحُوكَ، أيْ: ولاَ يُفَرِّحُوكَ، ببَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ؛ فإنَّ كَثْرَةَ الإطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ، وتُدْنِي مِنَ العِزَّةِ، ولا يَكُونَنَّ المُحْسِنُ والمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فإنَّ في ذَلِكَ تَزْهِيدًا لأهْلِ الإحْسَانِ في الإحْسَانِ، وتَدْرِيبًا لأهْلِ الإسَاءَةِ علَى الإسَاءَةِ، وألْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ مَا ألْزَمَ نَفْسَهُ].

المقربون المنافقون

وأما المقربون المنافقون فهم أشرُّ الناس، إذا وُجِدوا حول القائد أضاعوه وأضاعوا دعوته أو دولته أو مجتمعه، فهم الذين يعملون إما لصالح أنفسهم، أو لصالح القائد فقط لتكون لهم منفعة من وراء ذلك لا تكون لغيرهم ولباقي الناس.

هؤلاء المنافقون لو أنصت لهم الملك لضاعت مملكته، فلا نجاة لدولة إلا إذا أنصت قائدها للمخلصين من رجاله، واستمع إلى آرائهم ووزنها بميزان العقل والمنطق وتغليب مصلحة الجماعة بأكملها.

كذلك الحال في مجتمعنا، فنجد حول كل ذي مسؤولية منافقين ومخلصين، والقائد الواعي هو من يفرزهم ويعرف نوايا كل رجل منهم، فإن غلب النفاق ضاع كل شيء، وإن غلب الصدق دام الملك وتحقق العدل.

وقد لخص الإمام عليٌّ صفاتهم في عهده لمالك فقال: [وَلْيَكُنْ أبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وأشْنَأَهُمْ، أي: أبْغَضَهُمْ، عِنْدَكَ، أطْلَبُهُمْ لمَعَايِبِ النَّاسِ؛ فإنَّ في النَّاسِ عُيُوبًا الوَالِي أحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا؛ فلا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا، فإنَّمَا علَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، واللهُ يَحْكُمُ علَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ العَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ.

أطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ، أيْ: عَدَاوَةٍ، وتَغَابَ، أيْ: تَغَافَلَ، عَنْ كُلِّ مَا لاَ يَضِحُ، أيْ: يَظْهَرُ، لكَ، ولا تَعْجَلَنَّ إلى تَصْدِيقِ سَاعٍ، أيْ: نَمَّامٍ؛ فإنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وإنْ تَشَبَّهَ بالنَّاصِحِينَ. ولا تُدْخِلَنَّ في مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الفَضْلِ، ويَعِدُكَ الفَقْرَ، ولا جَبَانًا يُضْعِفُكَ عَنِ الأُمُورِ، ولاَ حَرِيصًا يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بالجَوْرِ؛ فإنَّ البُخْلَ والجُبْنَ والحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ باللهِ.

إنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ للأشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيرًا، ومَنْ شَرَكَهُمْ في الآثَامِ؛ فلا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً؛ فإنَّهُمْ أعْوَانُ الأثَمَةِ، وإخْوَانُ الظَّلَمَةِ].

وقد جَمَعَ الإمَامُ أبُو العَزَائِمِ أوصاف المقربين المنافقين في حِكْمَةٍ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ، فقَالَ:

[سَبْعَةٌ لاَ تَسْتَشِرْهُمْ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاكَ: جَاهِلٌ يُضُلُّكَ، وَعَدُوُّ يَتَمَنَّى لَكَ الْهلاَكَ، وَحَسُودٌ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِكَ، وَمُرَاءٍ يَتَقَلَّبُ مَعَ مُيُولِ النَّاسِ، وَجَبَانٌ يَهْرُبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَبَخِيلٌ لاَ يَجُودُ عِنْدَ السُّؤَالِ، وَذُو هَوًى؛ لأَِنَّهُ أَسِيرُ هَوَاهُ]([ii]).

غير المقربين والعاديون

وأما غير المقربين: فمنهم الصادقون ومنهم المنافقون، وقد يكون الصادقون منهم أفضل من الصادقين المقربين، فعلامة الصدق هي تقوى القلب والعمل من أجل المجتمع دون انتظار مقابل شخصي أو قرب من القائد.

وعلى القائد أن يكون عادلاً بين المقربين وغير المقربين، وألا يكون للقرب منه مكاسب لا لشيء إلا للقرب فقط، يقول الإمام علي: [إنَّ للوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً: فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وتَطَاوُلٌ، وقِلَّةُ إنْصَافٍ في مُعَامَلَةٍ؛ فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بقَطْعِ أسْبَابِ تِلْكَ الأحْوَالِ، ولا تُقْطِعَنَّ لأحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وحَامَّتِكَ قَطِيعَةً، ولا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ في اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ: في شِرْبٍ، أو عَمِلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ علَى غَيْرِهِمْ؛ فيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وعَيْبُهُ علَيْكَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ.

وألْزِمِ الحَقَّ من لَزِمَهُ من القَرِيبِ والبَعِيدِ، وكُنْ في ذلكَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَاقِعًا ذلكَ من قَرَابَتِكَ وخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ علَيْكَ مِنْهُ؛ فإنَّ مَغَبَّةَ ذلكَ مَحْمُودَةٌ].

وأما العاديون: فلا ضرر منهم فأكثرهم مخلص يريد النجاة سواء في الدنيا أو الآخرة.

كيفية النجاة

أعلم أن عدد مريدين الطريقة العزمية بالآلاف لكن عدد محبيها أكثر بكثير، والمريدون لن يعملوا بإتقان وإخلاص إلا إذا كانت صورة الشيخ جميلة وجاذبة، أو بمعنى أدق إذا كان الشيخ قدوة حسنة؛ لأن حب القدوة يولد الدوافع للعمل والإخلاص فيه.

لكن يبقى السؤال – بعد السنوات الطويلة التي عشناها والتجارب التي خضناها – كيف تتقدم الطريقة أو المملكة كما أطلقنا عليها في البداية؟!!.

الجواب يظهر فيما يلي:

1- إعلان الأسس والمبادئ

على القائد دائمًا أن يعلن أسس حكمه ومبادئه الدينية والدنيوية بوضوح أمام مريديه أو رعيته، حتى يشاركوه في الأمر ولا يكون في وادٍ وهم في وادٍ آخر.

وعلى هذا، يجب على القائد أن يعرض كل مشكلة على أتباعه فهم شعبه وعليهم أن يعرفوا كل ما يحدث حتى يشاركوه في المصائب والحلول.

يقول الإمام عليٌّ لمالك الأشتر: [وأكْثِرْ مُدَارَسَةَ العُلَمَاءِ، ومُنَاقَشَةَ الحُكَمَاءِ، في تَثْبِيتِ ما صَلَحَ عَلَيْهِ أمْرُ بِلاَدِكَ؛ وإقَامَةِ ما اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ].

وعلى القائد أن يكثر اختلاطه مع شعبه ويعلمهم بكل كبيرة وصغيرة، وألا يحتجب عنهم، يقول الإمام عليٌّ: [لا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عن رَعِيَّتِكَ؛ فإنَّ احْتِجَابَ الوُلاَةِ عنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ من الضِّيقِ، وقِلَّةُ عِلْمٍ بالأُمُورِ، والاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ ما احْتَجَبُوا دُونَهُ، فيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الكَبِيرُ، ويَعْظُمُ الصَّغِيرُ، ويَقْبُحُ الحَسَنُ، ويَحْسُنُ القَبِيحُ، ويُشَابُ الحَقُّ بالبَاطِلِ؛ وإنَّمَا الوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ ما تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ، ولَيْسَتْ علَى الحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الكَذِبِ، وإنَّمَا أنْتَ أحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا امْرِؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بالبَذْلِ في الحَقِّ؛ ففِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ، أوْ فِعْلِ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ؟! أو مُبْتَلًى بالمَنْعِ؛ فمَا أسْرَعَ كَفِّ النَّاسِ عنْ مَسْأَلَتِكَ إذَا أيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ، مَعَ أنَّ أكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إلَيْكَ ما لا مَؤُونَةَ فِيهِ علَيْكَ: مِنْ شَكَاةِ مَظْلَمَةٍ، أو طَلَبِ إنْصَافٍ في مُعَامَلَةٍ].

2- التعليم

على شيخ الطريقة أو ملك المملكة أن يحافظ على تعليم مريديه ورعيته على مستوى عالٍ، فالرعية الجاهلة تعنى مملكة ضعيفة قد تهاجمها الإشاعات أو الأفكار المغلوطة أو التشكيك، ويصبح مجتمعها هشًّا جاهزًا للسقوط مع أي خطر.

أذكر أن الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبه قال للرئيس الليبي السابق معمر القذافي: يا معمر علِّم شعبك، فقال القذافي: لو علمتهم سيثورون عليَّ، قال بورقيبة: لو ثاروا عليك وهم متعلمون سيحاكمونك، أما لو ثاروا عليك وهم جهلاء سيقتلونك!!، وهذا ما حدث مع القذافي في ليبيا.

3- الصحة

على شيخ الطريقة أو ملك المملكة أن يهتم بصحة الأتباع بنفس الاهتمام بتعليمهم، فالمريد صاحب الصحة الجيدة سيكون قادرًا على أداء الطاعات والعمل لصالح مجتمعه وتقدمه، وإذا كانت صحته جيدة فإن هذا سيرفع من على كاهله همًّا كبيرًا قد يأخذ تفكيره ووقته فلا ينتج شيئًا.

فعلى القائد أن يرشد أتباعه إلى العمل، يقول الإمام أبو العزائم في جوامع الكلم: [الْمُرْشِدُ الْحَقِيقِيُّ: هُوَ الدَّالُ عَلَى الْخَيْرِ العَامِلُ بِهِ، الآمِرُ الْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِى عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ تَعَالَىٰ: ]وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(].

4- التركيز على الأخلاق

الأخلاق هي قوام بقاء الأمم، فإذا فقدناها أصبحنا مجتمعًا أشبه ما يكون بمجتمع حيوانات وليس مجتمعًا إنسانيًّا.

علينا أن نحمي الأتباع من مفسدات الأخلاق، فالسينما والمسرح والدراما التي لوَّثت الأخلاق علينا مقاطعتها، فعلاقة الطالب بمعلمه أفسدتها مسرحية (مدرسة المشاغبين)، وعلاقة الأبناء بالآباء أفسدتها مسرحية (العيال كبرت)، وكل ما جاء بعدهما يقدم العلاقات المجتمعية بصورة سيئة.

علينا أن نحمي الأتباع من تشكيك الإعلام في العقائد والإنجازات، فالإعلام العلماني هو صورة صهيونية أخرى يحارب القادة والسلطة الدينية والسياسية، والسلطة قد تكون مخدوعة من مقربين منافقين، أي أن الإعلام قد يضع القادة في ورطة والمجتمعات في تذبذب.

5- القدوة بعين المنافقين

على القائد أن يبرز القدوة لأتباعه ليتعلموا منها العمل والأخلاق، لكن عليه ألا يسمح لهم بالمغالاة في القدوة، فليس هناك شيخ أو خليفة شيخ بلغ مقام الإمام الوارث ولا النبي المرسل ولا الإله الخالق، وليس هناك رئيس أو ملك بلغ مرتبة الألوهية أو النصف ألوهية.

فما رأيناه من مبالغات في مظاهر الاحتفال بمرور 100 سنة على ميلاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في حين لا يتم الاحتفال بالرئيس الشهيد أنور السادات – مثال واضح على دور المنافقين في إعلاء قيمة رمز وتضخيمه رغم أن ما قدمه قد يكون أقل مما قدمه رمز آخر أكثر إخلاصًا، لكن المنافقين لا يكرمونه.

6- العدالة

على القائد أن يرسخ قواعد العدالة في رعيته، فلا يكثر الثناء لمن لم يقدم شيئًا، أو يفيض وافر عطاياه على المنافقين والفاشلين؛ فقط لأنهم مقربون أو ظاهرون.

وإنما يكون مقدار المكافأة على قدر العمل وما قدمه الفرد تجاه مجتمعه ومملكته.

ففي مجتمعنا لا يصح أن تكون أجور الفنانين والرياضيين بالملايين وهناك ملايين الكادحين ممن يعملون طوال الليل والنهار ولا يأخذون إلا الفتات، فهذه عدالة مهدرة تهدد النظام الاجتماعي لأي دولة.

يقول الإمام عليٌّ لمالك الأشتر: [أنْصِفِ اللهَ، وأنْصِفِ النَّاسَ: مِنْ نَفْسِكَ، ومِنْ خَاصَّةِ أهْلِكَ، ومَنْ لكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ؛ فإنَّكَ إلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ؛ ومَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ؛ ومَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أدْحَضَ حُجَّتَهُ، وكانَ للهِ حَرْبًا حتَّى يَنْزِعَ أو يَتُوبَ، ولَيْسَ شَيْءٌ أدْعَى إلى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ، وتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ – مِنْ إقَامَةٍ علَى ظُلْمٍ؛ فإنَّ اللهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ المُضْطَهَدِينَ، وهُوَ للظَّالِمِينَ بالمِرْصَادِ.

وليَكُنْ أحَبَّ الأُمُورِ إلَيْكَ أوْسَطُهَا في الحَقِّ، وأعَمُّهَا فِي العَدْلِ، وأجْمَعُهَا لِرَضَى الرَّعِيَّةِ؛ فإنَّ سُخْطَ العَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الخَاصَّةِ، وإنَّ سُخْطَ الخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى العَامَّةِ، ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أثْقَلَ علَى الوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وأقَلَّ مَعُونَةً لَهُ في البَلاَءِ، وأكْرَهَ للإنْصَافِ، وأسْأَلَ بالإلْحَافِ، وأقَلَّ شُكْرًا عِنْدَ الإعْطَاءِ، وأبْطَأَ عُذْرًا عندَ المَنْعِ، وأضْعَفَ صَبْرًا عندَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ – مِنْ أهْلِ الخَاصَّةِ؛ وإنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وجِمَاعُ المُسْلِمِينَ، والعُدَّةُ للأعْدَاءِ – العَامَّةُ مِنَ الأُمَّةِ؛ فلْيَكُنْ صَفْوُكَ لَهُمْ، ومَيْلُكَ مَعَهُمْ].

ومن العدالة أيضًا تولية الرجل المناسب في المكان المناسب ليكون صلاح المجتمع وتقدمه، يقول الإمام عليٌّ لمالك الأشتر: [ثُمَّ انْظُرْ في أُمُورِ عُمَّالِكَ فاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِيَارًا، ولا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأثَرَةً؛ فإنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الجَوْرِ والخِيَانَةِ، وتَوَخَّ مِنْهُمْ أهْلَ التَّجْرِبَةِ والحَيَاءِ مِنْ أهْلِ البُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، والقَدَمِ في الإسْلاَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ فإنَّهُمْ أكْرَمُ أخْلاقًا، وأصَحُّ أعْرَاضًا، وأقَلُّ في المَطَامِعِ إشْرَافًا، وأبْلَغُ في عَوَاقِبِ الأُمُورِ نَظَرًا].

7- محاسبة القائد

حتى لا يظن القائد أنه إله لا يخطئ ولا يحاسب، على الرعية أن يحاسبوه في الوارد والمنصرف، على أن تكون المحاسبة بأسلوب مهذب يحفظ للقائد مكانته في قلوب أحبابه.

وعلى القائد أن يتذكر دومًا ما قاله الإمام أبو العزائم في جوامع الكلم: [الْمُرْشِدُ يُخْطِيءُ فِي الْعَمَلِ وَلاَ يُخْطِيءُ فِي النِّيَّةِ، وَالطَرِيقُ عَمَلٌ وَنِيَّةٌ]([iii]).

وحتى لا يقع القائد في هذا الموقف، عليه أن يبادر من البداية ويعلن تفاصيل الأمور المالية لرعيته فيكون الجميع على علم بما يحدث.

وعلى القائد دومًا تذكر الكلمات التي خطها الإمام عليٌّ A لمالك الأشتر حين ولاَّه مصر بقوله: [أعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلَ الذي تُحِبُّ أن يُعْطِيَكَ اللهُ مِنْ عَفْوِهِ وصَفْحِهِ؛ فإنَّكَ فَوْقَهُمْ؛ ووَالِي الأمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، واللهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ؛ وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أمْرَهُمْ، وابْتَلاَكَ بِهِمْ، فلا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لحَرْبِ اللهِ؛ فإنَّهُ لا يَدَ لكَ بنِقْمَتِهِ، ولا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ، ولا تَنْدَمَنَّ علَى عَفْوٍ، ولا تَبَجَّحَنَّ بعُقُوبَةٍ، ولا تُسْرِعَنَّ إلَى بَادِرَةٍ وجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً، ولا تَقُولَنَّ: إنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فأُطَاعُ؛ فإنَّ ذلكَ إدْغَالٌ في القَلْبِ، ومَنْهَكَةٌ للدِّينِ، وتَقَرُّبٌ مِنَ الغِيَرِ.

وإذَا أحْدَثَ لكَ مَا أنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أو مَخِيلَةً فَانْظُرْ إلَى عِظَمِ مُلْكِ اللهِ فَوْقَكَ، وقُدْرَتِهِ مِنْكَ علَى مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ؛ فإنَّ ذلكَ يُطَامِنُ إلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ، ويَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ، ويَفِيءُ إلَيْكَ بِمَا عَزَبَ مِنْ عَقْلِكَ!. إيَّاكَ ومُسَامَاةَ اللهِ في عَظَمَتِهِ، والتَّشَبُّهَ بِهِ في جَبَرُوتِهِ؛ فإنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ، ويُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ].

فاسْتَمِعْ أيُّهَا القائد إلى الإمَامِ المُجَدِّدِ السَّيِّدِ مُحَمَّدِ مَاضِي أبِي العَزَائِمِ وهُوَ يَكْشِفُ لَكَ عَنْ حَقِيقَتِكَ بقَوْلِهِ:

يَـا أَيُّهَا الْمَاءُ الْمَهِينُ مَنِ الَّذِي سَوَّاكَ؟

وَمَنِ الَّذِي فِي ظُلْمَةِ الأَحْشَاءِ قَدْ وَالاَكَ؟

يَا نُـطْفَةً بـِقَرَارِهَا قَـدْ صُــوِّرَتْ

مَــنْ ذَا الِّـذِي بِحَنَانِـهِ أَنْشَـاكَ؟

يَا صُـورَةً مِـنْ حُسْنِـهِ قَـدْ جُمِّلَتْ

مَــنْ ذَا الَّـذِي بِجَمَالِـهِ حَـلاَّكَ؟([iv])

8- عدم التواكل

على القائد أن يوجِّه شعبه إلى العمل والإنتاج، فمن لا يعمل ولا ينتج هو عالة على مجتمعه، وعليه أيضًا أن يوجِّههم إلى الأخذ بالأسباب والاعتماد على العلم، وأن يكفُّوا عن أخذ أمورهم بـ”البركة” فقط، فكل نتيجة تبدأ بأسباب، وكل ثمرة تبدأ بطرح بذرة.

إلى أصحاب المسؤولية

إن النجاح- لأصحاب المسؤوليات الدنيوية- والنجاة- لأصحاب المسؤوليات الدينية- لا يأتي دون تخطيط جيد ودون الاستفادة من تجارب الصالحين، فكل لاحق عليه دراسة السابقين ممن صاروا في دربٍ مشابهٍ لدربه، فيتعلم من تجاربهم، ويسير على هديهم حتى يكتب الله له النجاح والنجاة.

(1) رواه أبو نعيم فى الحلية. كشف الخفاء ومزيل الإلباس ج2 ص 365, وجاء فى الدرر المنتثرة فى الأحاديث المشتهرة للسيوطى 1/20, وفى تخريج أحاديث الإحياء 1/168 حديث 168, 6/227 حديث 2578, 6/244 حديث 2595, وفى إحياء علوم الدين 1/138, 3/491, 4/11.

([ii]) ينظر: من جوامع الكلم للإمام أبى العزائم ص88، حكمة رقم (770).

([iii]) ينظر: من جوامع الكلم للإمام أبي العزائم ص113، حكمة رقم (1003).

([iv]) ينظر: ديوان ضياء القلوب للإمام أبي العزائم ج7، قصيدة رقم: 6484، ص335.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.