غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (2)

غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (2)

islam wattan . نشرت في المدونة 9644 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

بقية: أولاً: الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها

حاجة الإنسان إلى توجيه إلهى:

لقد أنتجت الضرورة علم خواص الكائنات، وإظهار غوامض الآيات، واليقين الحق لِعَليّ قدرة القادر، وعَلِيِّ حكمة الحكيم، أنتجت تلك الضرورة الاحتياج إلى التعاون للتبادل، الأمر المفضي بخراب العمران إذا لم يكن هناك شرع حافظ للقلوب من تقلبها في الرذائل والجهالات بما به تزكيـة النفوس

وخشية القلوب، وحافظ للأبدان من تحركها للظلم والمفاسد، ولا يكون هذا الشرع بوضع مخلوق؛ لأن كل ما وضعه المخلوق إنما يحكم علي الأبدان؛ لأن المخلوق بنفسه يجهل طرق تزكية النفوس، وعلم مبدئه ومعاده، ولا يعرف قدر الخير الذي يناله من أخيه، ولكن همه في جلب الخير لنفسه ودفع الشر عنها.

فالعقل مهما سما تفكيره، وعلت مداركه، لا يستطيع أن يدرك الكثير مما يحيط به من الحقائق الكونية، ولا أن يصل إلى كنهها، ومع ذلك فهي حقائق ثابتة يرى آثارها وينتفع بها ويؤمن بها كامل الإيمان دون أن يعرف ماهيتها أو يدرك حقيقتها.

لذلك يخاطب الإمام أبو العزائم العقل فيقول: أيها العقل: إنك تحكم أن الشمس قدر الأرض آلاف المرات؛ وأنها سابحة في أفقها من غير عمد تحملها، فهل وصلت إليها حتى تؤمن بها وتحكم عليها؟.

وكذلك تؤمن بوجود النور والظلمة وتيار الكهرباء والتيار اللاسلكي، وترى آثارها التي تدهش وتحير، ثم تقف منها مكتوف اليدين لا تستطيع الحكم عليها، ولا الوصول إلى معرفتها.

بل خبرني أيها العقل: ما هي حقيقتك أنت؟، وأين موضعك من الجسم؟، هل تقوى على أن تصف نفسك أو تدرك كنهك؟!.

لذلك كان لا بد أن يكون هناك دستور إلهي – ليس من صنع البشر – يقوم به الإنسان لينال به سعادته، ويعمر الكون ويرقى فيه، فالصانع سبحانه أعلم بصنعته وبسر سعادتها وطرق تزكيتها وسبل نجاتها، فكان التوجيه الإلهي هو السبيل ليبلغ الإنسان قصده؛ وينال به مراده.

ومثـال ذلك عندما قتل قابيل أخاه

هابيل عجز عقله عن أن يتصرف في جثمان أخيه، فكان من لطف الله تعالى ما أورده في قوله سبحانه: )فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ( (المائدة: 31).

ولما قضى فرعون أن يقتل من يولد من بني إسرائيل سنة ويتركهم سنة فحملت أم موسى عليه السلام في السنة التي يقتل فيها المواليد فاغتمت، وهنا يقف العقل عن إيجاد السبيل للخلاص، فكانت في حاجة إلى توجيه إلهي يرشدها إلى طريق النجاة؛ قال تعالى: )وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ( (القصص: 7)، فأي منطق عقلي يقضي بأنها إذا خافت عليه تلقيه في اليم؟!!، إن هذا فوق العقل حقًّا، ولكن فيه النجاة لأنه من الله.

فأوصله الله تعالى إلى أحضان عدوه فرعون، وجعل من امرأة فرعون سببًا في إبقائه حيًّا، فالتمسوا له من يرضعه، ثم حرم سبحانه عليه المراضع حتى أعاده الله تعالى إلى أحضان أمه؛
كما قال تعالى: )فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ( (القصص: 8 – 13).

وليس هذا التوجيه لبني البشر فقط؛ بل لكل المخلوقات كما قال تعالى: )وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( (النحل: 68 – 69).

فالعقل لا يستقل بإدراك الأسرار الإلهية، ولا يمكنه أن يبلغ مبلغًا بالإنسان يجعله مع الذين أنعم الله عليهم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بل ولا يقتدر أن يجعل الإنسان سعيدًا في مجتمع مدني سعادة معقولة يعم خيرها أفراد بني الإنسان، فإن له منطقة خاصة به لا يتعداها، وإن كان هو الآلة لكل الخيرات فإنما يجول في مادة موجودة ليخترع ما يلائمه، أو يستنتج منها نتائج معنوية تدل عليها بطريق الالتزام مما قد يخطئ فيه أو يصيب.

وإنما يكون كمال الإنسان الحقيقي بقوة تؤثر عليه تأثير رغبة ورهبة، ويكون التأثير حاصلاً على جميع القوى قلبًا وجوارحًا ونفسًا وعقلاً وخيالاً وتصورًا وفكرًا.

والعاقل لو نظر بعين فكرته يتحقق جليًّا أن تلك المؤثرات الحقيقية لا تكون إلا من الخالق المصوِّر القادر الحكيم.

ونعم، فإن الله بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل عليهم الكتب بحسب كل زمان ومكان، حتي أخذ الإنسان يشعر بكمال حقيقي وشرف، فأرسل الله سيدنا ومولانا محمدًا J وأنزل عليه القرآن طهورًا للأرواح، ونورًا للعقول، وجمالاً للأفكار، وحياة للخيال.

الدين الجامع لسعادة الإنسان دنيا وأخرى:

لا شك أن الدين الذي يجب أن يدين به العالم أجمع لا بد أن يكون مستوفيًا للأحكام التي تكون بها سعادة الإنسان دنيا وأخرى، وكمالاته النفسانية، وجمالاته الجسمانية متجملاً بحقيقة الخلافة عن ربه، قائمًا بحسن رعاية ما استرعاه الله، عاملاً من عمال الله في أرض الله، حاضرًا مع الله بروحه، قريبًا من الله بأخلاقه وأعماله، مشاهدًا لله بمراقبته ومحاسبته لنفسه، ذاكرًا فاكرًا، لا غافلاً ولا ناسيًا، يشهد بنور بصيرته الحق قبل أن تشهد عين بصره الخلق، يرضي الله في خلقه ولو أغضبوه في حظهم، ويعمل لله في السر كما يعمل له سبحانه في العلانية؛ لأنه يراه بنور سره، أو يوقن أن الله يراه حيث كان.

والمؤمن الكامل مع الله في كل حاله وشأنه، وغيره من المؤمنين موقن أن الله يراه في حركاته وسكناته، وهو مقام الحفظ الإلهي وسر قوله تعالى: )أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ( (الأنعام: 82).

ودون هاتين المنزلتين غافل يدعي أنه مؤمن فيجب أن يُنبَّه، أو ساهٍ يجهل حقوق الإيمان فينبغي أن يُذكَّر.

الدين في الحقيقة هو المعاملة:

كل هذا إذا نظرنا إلى الدين بمعناه الحقيقي الذي ينطبع على من تمسك به فيظهر على سلوكه وأخلاقه؛ لأن الدين في الحقيقة هو المعاملة؛ لا بالمعنى المزيف الذي حصره البعض في العبادات؛ والتي صارت بأخلاقهم وسلوكهم عادات اعتادوا عليها، ولم يرتقوا بها إلى الهدف الحقيقي لها، فما من عبادة إلا وغايتها التحلي بالأخلاق، والارتقاء بالعبد إلى أرقى المقامات.

فالصلاة قال الله تعالى فيها: )إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ( (العنكبوت: 45).

وفي الصيام قال تعالى: )كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (البقرة: 183).

وفي الزكاة قال تعالى: )خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا( (التوبة: 103).

وقال في الحج: )فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ( (البقرة: 197).

فظهر جليًّا أن العبادة ترقى العبد إلى مقامات القرب من المولى Y مجاهدًا نفسه وهواه في ذات الله تعالى، ناهجًا المنهج الوسط الذي وضعه الله لنا ضامنا لنيل سعادته في الدارين، من العقيدة الحقة التي هي الحقيقة في نفس الأمر، والعبادات الخالصة التي رضيها سبحانه لنفسه من عباده المخلصين، والمعاملات الحسنة التي بها يكون الإنسان أخًا للإنسان، وعضوًا متممًا للجسد الذي تمثله كل أفراد بني الإنسان، والأخلاق الربانية التي يكون بجميعها إنسانًا روحانيًّا كاملاً فوق الملائكة منزلة، وإن كان في الظاهر هو الهيكل الإنساني الذي يأكل وينام ويمشي في الأسواق.

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.