غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (3)

غايتنا .. إعادة المجد الذي فقده المسلمون (3)

islam wattan . نشرت في المدونة 10869 لاتعليقات

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة…

 السيد أحمد علاء أبو العزائم

نائب عام الطريقة العزمية

مقدمة

في الوقت الذي يواجه فيه المجتمع تطرفَا فكريًّا وشذوذًا أخلاقيًّا باسم الدين – والدين منه براء -؛ وأصبح المجتمع في حاجة ماسة إلى دعم مبادئ الأخلاق والسمو بالمجتمع بأسمى مفاهيم الدين؛ والتي تدعو إلى التواضع مع المسلمين والتسامح مع شركاء الوطن، وفي ذات الوقت تكسب الفرد ذوقًا رفيعًا وقِيَمًا جليلة وعقيدة حقة، وقد اهتم منهج التصوف ببناء الفرد وتقويمه باعتباره مصدر القوة للمجتمع إذا كان صالحًا؛ إلا أن التصوف أصبح غريبًا عن الناس، فلا يفهم الكثير ماهيته وأصله وفصله ونشأته وأهميته ورجاله، وفي هذا الموضوع سنعرض التصوف بكل جوانبه ليتضح للفرد المسلم ما يجب أن يكون عليه عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، ليصح السلوك إلى ملك الملوك سبحانه.

 بقية: أولاً: الإسلام دين الله وفطرته التي فطر الناس عليها

إن الدين عند الله الإسلام:

إن الإسلام هو الدين حقًّا، وإن الأديان التي جاءت بها الرسل قبل نبينا J كانت أديانًا قبل بعثته J، ثم نسخت بدينه الناسخ لكل دين قبله.

فمثله ومثلهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين كالأنجم الزاهرة التي يستضاء بها في ظلمة الليل، فإذا أشرقت الشمس حجبت ما هنالك من النـجوم، فمـن غض بصره عن الشمس ولم يهتد بها جنى على نفسه أكبر جناية، وخسر خسرانًا مبينًا، لا سيما وأن تلك الشمس لا تغيب أبدًا؛ لأنه J خاتم الرسل ولا نبي بعده، ولا يزال نوره مشرقًا في الآفاق بأعمال وأقوال وأحوال خلفائه J الهادين المهتدين الراشدين من العارفين والأئمة، فالعارفون والأئمة من المسلمين أمثال الأنجم المضيئة بنور الشمس في أفقها.

وقد بحث العقل بقواه كلها في كل ما جاء به J – بعد حكمه بأن الله أرسل رسلاً كثيرين وتصديقه بهم عليهم الصلاة والسلام أجمعين في كل ما جاءوا به -، فحكم حكمًا نهائيًّا أن كل رسول جاء قبل سيدنا ومولانا محمد J؛ إنما جاء ليعد بني الإنسان لنيل تلك السعادة القصوى، التي لا تُنال إلا بظهوره J.

ولم يرسل الله تعالى رسولاً يدعو الناس إلى الخير الحقيقي والسعادة الحقيقية في الدارين مبينًا أنواع الكمالات الإنسانية كلها عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا، وموضحًا الآداب التي تجعل الإنسان أهلاً لأن يكون في معية ربه في الدنيا والآخرة، وصورة كاملة مجملة بالأخلاق الربانية حتى يحصل له الخير الحقيقي وتتم له السعادة الحقيقية روحًا وجسمًا؛ إلا سيدنا ومولانا محمدًا J.

إذا تقرر ذلك ظهر جليًّا أن الإسلام هو الدين حقًّا، وأن الدين هو الإسلام، ولن يقبل الله من أحد ابتغى غير الإسلام دينًا، قال الله تعالى: ()إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ( (آل عمران: 19)، وقال تعالى: )وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( (آل عمران: 85).

بالإسلام نيل السعادتين:

كل بني الإنسان لو تجردوا عن الحظوظ الحاجبـة للعـقول عـن إدراك الحق؛ والأهواء التى تعمي عين البصيرة؛ لتحققوا أن الإسلام هو الدين الحق الذي به سعادة الدنيا والآخرة حِسًّا وعيانًا.

وذلك لأن الله I جعل الإنسان نوعًا وسطًا بين عوالم الملائكة والحيوانات، ووهب له العقل الذي يعقل عنه سبحانه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه تقدست ذاته.

خلق سبحانه آدم علي صورته سميعًا بصيرًا متكلمًا مؤهلاً لتلقي العلم مريدًا، وجعله خليفة في الأرض، ومنحه سبحانه عيونًا في قلبه يبصر بها أسرار الغيب من الآيات المنبلجة في الآثار، وفطره على الدين، فلا تري فردًا من أفراد بني الإنسان إلا وهو يخنع لقوة يسميها: (الله)، اهتدى إلى الطريق الموصل للحق فيها من هداهم الله، وأخطأ طريق معرفته من حجبهم الله، قال تعالى: )مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا( (الكهف: 17).

خلق اللهُ الإنسانَ ليُشهده غرائب قدرته في مكوناته بما جعل له من النور في قلبه،  ويكاشفه بعجائب حكمته في آياته بما منحه من نور الفكرة، وجعل له قوة يحكم بها، وأعده لنيل الكمالات الروحانية أو ارتكاب النقائص الشيطانية؛ قال تعالي: )‏‏وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ( (البلد: 10)، وقال تعالى: )‏إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا( (الإنسان: 3)، ‏وقال J: (اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقُ له) “الطبراني”.

الأحكام الشرعية على قدر ضروريات الإنسان :

لما كان الإنسان في أول نشأته منذ أبينا آدم A قليل الضرورات؛ أوحى الله تعالى إليه – بعد علم التوحيد – ما لا بُدَّ له منه، ثم أخذ الإنسان تكثر ضرورياته فأرسل الله الرسل بأحكام شرعية علي قدر ضروريات الإنسان في كل زمان ومكان، ومن قرأ القرآن الشريف وقرأ أسفار الأنبياء في التوراة يظهر له حقيقة ما قلت.

أرسل الله سيدنا شيثًا A بما يناسب زمانه، ثم أرسل سيدنا نوحًا بتوحيد الله وعبادته لما كانوا عليه من عبادة الأوثان، ثم أرسل سيدنا لوطًا A لينذرهم عاقبة فعل الفاحشة، ثم أرسل سيدنا صالحًا A ليعلمهم العدل والمساواة، وجعل الله الناقة له آية بعد أن أرسل سيدنا إبراهيم A ليطهرهم من رجس الشرك ويوجههم إلى الله تعالى.

فلما أن أخذ الإنسان تكثر ضرورياته وتشتاق نفسه إلى الكماليات؛ بعث الله سيدنا موسى A يدعو فرعون أوّلا ﺇلى العدل والرحمة ومساواة جميع بني الإنسان ببعضهم، ويدعو قومه إلى توحيد الله وعبادته، وأنزل الله عليه التوراة، ومن قرأ سفر التالوت في التوراة تحقق قدر الأحكام الشرعية التي كان يحتاج إليها الإنسان في هذا الزمان.

ولما كان بنو إسرائيل يهتمون بأعمال الأبدان حتي في زمان سيدنا موسى A – ودليل ذلك أنهم اتخذوا العجل ليروه بأعينهم، وزاد على ذلك أنهم جعلوا الدين وراء ظهورهم وأبدلوه بأهوائهم وحظوظهم -؛ بعث الله سيدنا عيسى A ليمحو تلك البدع التي ابتدعوها في التوراة، وينبههم إلى عمل القلوب، ويخفف عنهم أثقال الأعمال البدنية بما جاءهم به A من الحكمة والبيان.

فكان كل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثه الله تعالي بخُلق من الأخلاق التي يحبها الله تعالى، أو عمل من الأعمال التي يرضاها الله تعالى، كما أرسل الله سيدنا شعيبًا A بخلق العدالة في وفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم.

فكان كل رسول ينتظر رسولاً بعده، حتى أراد الله تعالى أن يختم الرسالة بسيدنا محمد J فأنزل عليه القرآن تبيانًا لكل شيء من ضروريات الإنسان وكمالياته في الدنيا، وفضائله النفسانية وكمالاته الروحانية لنيل سعادة الأبد.

الكتب السابقة كانت كالتعليم في الصغر:

فالقرآن المجيد أنزله الله تعالى جامعًا لكل ما أنزله على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قبل سيدنا ومولانا محمد J، ثم تفضل فأتم نعمته علينا وأكمل لنا ديننا الذي ارتضى لنا، وبين لنا في القرآن المجيد كل شيء لم ينزله من قبل، فالكتب السابقة كانت كالتعليم في الصغر الذي لا بد أن يكون مناسبًا لقوة العقل، حتى إذا تمكن من المبادئ الأولية ترقى في مراقي المعارف والحكم والأحكام، حتى يبلغ مبلغًا يمكنه فيه أن يتلقى العلوم العالية، حتى يبلغ نهاية العلوم وغاية الفهوم.

فكأن الرسل السابقين كأساتذة للإنسان في سن الطفولية، يؤهلونه للتلقي عمن هو أرقى منهم، ذلك هو السيد الكريم والرءوف الرحيم إمام الأئمة ورسول الرسل عليهم الصلاة والسلام، الذي جمع الله له العلم والمعلوم، والاسم والمسمى، واللفظ والمعنى، والروح والجسد، فكان خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، ورسولاً للناس عامة، فمن لم يؤمن به كفر، ومن ائتم بغيره هلك، ولو أدركه موسى وعيسى C ما وسعهما إلا اتباعه، صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه وسلم.

تأثير الإسلام على بنى الإنسان :

كانت كل مدن الأرض بين مدن جاهلة؛ أو مدن فاسقة؛ أو مدن مبدلة أو ضالة، ولم يكن ثم فضيلة بمعناها، إذ الأعمال الفاضلة قد تصدر عن القردة والخنازير والنسانيس والفيلة والنمل والنحل والجرذان أيضًا، ولكن لا نحكم أنها فضيلة؛ وإنما هي أعمال إلهام فطرية، وكذلك كانت الفضائل التي تصدر عن الإنسان إنما هي إلهامية فطرية، لم يقصد بها تزكية للنفس ولا تصفية للخيال ولم تصدر عن روية بالفكر.

فلما أشرقت شمس الإسلام سرت فيها الروح الإلهية، فنوَّعت الأفكار، وطهَّرت النفوس، وجمَّلت الأخلاق، وحسَّنت المعاملات، وجعلت الإنسان أخا الإنسان.

انظر كيف صار بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وحارثة وزيد بن حارثة وأسامة بن زيد وأبو رافع النوبي 4 أئمة هدى وشموس بيان وقادة المؤمنين، وهم من تعلم نسبًا وحسبًا ومنزلة وقدرًا.

جاء الحق فمحق الباطل، أصبحت التيجان تحت الأقدام ولابسوها عبيدًا، بم ذلك؟، ولم ذلك؟، أكِلُ الجواب إليك وأنبه فكرك إلى فهم قوله تعالى: )وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ( (القصص: 59).

وإلى اللقاء في العدد القادم إن شاء الله تعالى.
 

تعقيب من موقعك.

أترك تعليق

يصدر العدد الأول من مجلة (الإسلام وطن) – بمشيئة الله – غرة هذا الشهر المبارك – شهر رمضان العظيم- لا ليضيف للمجلات الإسلامية مجلة أخرى من حيث العدد، بل ليبين للمسلمين جميعاً أن رسالة هذه المجلة الإسلامية دعوة وسطية أمينة صادقة لهدى السلف الصالح وافق أعلى للدعوة الإسلامية، لا نتبع سبيل البغاة، لأننا هداة ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ننهج مسالك الغلاة، لأننا حماة الإسلام من دعاة الجهالة.
ومجلة (الإسلام وطن) تنبه المسلمين إلى المؤامرات الاستعمارية التى حيكت خيوطها لإخراج الإسلام من ميدانه العالمى الفسيح إلى دروب القومية والجنسية الضيقة.